الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول الآيات كفارة الظهار وأهميتها في تأكيد الإيمان بالله ورسوله، وتوضح الأحكام المتعلقة بها.
يتم شرح تفسير آية الظهار وأحكامها، مع التركيز على أن العبرة في الأحكام تكون بالحقائق لا بالألفاظ، وتوضيح قراءات مختلفة للآية.
يتم تفسير آيات الظهار والكفارة، مع توضيح معانيها ودلالاتها، وأحكام الظهار وجزاء من يعود لما قاله، وشروط الكفارة والصيام كبديل لتحرير رقبة.
يفسر ابن القيم قوله تعالى لتؤمنوا بالله ورسوله، ويشير إلى أن الإيمان يوجب العمل بحدود الله، ويطلب من الله الهداية والرشد والحفظ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله، وتلك حدود الله، وللكافرين عذاب أليم. قال المفسر رحمه الله: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا، أي فيه بأن يخالفوه بإمساك مظاهر منها، الذي هو خلاف مقصود الظهار من وصف المرأة بالتحريم، فتحرير رقبة، أي اعتاقه عليه من قبل أن يتماسا بالوطء، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير، فمن لم يجد رقبة، فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع، أي صيام، فيطعم ستين مسكينا عليه، أي من قبل أن يتماسا، حملا للمطلق على المقيد، لكل مسكين مد من غالب قوت البلد، ذلك، أي التخفيف في الكفارة، لتؤمنوا بالله ورسوله، وتلك، أي الأحكام المذكورة، حدود الله، وللكافرين بها عذاب أليم مؤلم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في سورة المجادلة، وفي حكم المجادلة، ذكر المؤلف رحمه الله في قوله جل وعلا: الذين يظاهرون، قال: الذين يظاهرون، وهي قراءة سبعية، قراءة نافع، ابن كثير، وأبي عمرو، وعلي، قراءتنا قراءة حفص عن عاصم: يظاهرون. والمؤلف رحمه الله، كما مر معنا كثيرا، كثيرا ما يفسر على قراءة نافع، وهي قراءة سبعية، وأوجه القراءات الصحيح أنها كلها من المسموع المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه. وقوله رحمه الله: أصله يتظاهرون، بإضغام التاء في الضاد، وفي قراءة بألف بين الضاد والهاء الخفيفة، يعني يظاهرون بالألف، ويظاهرون، ويظاهرون، ثلاث قراءات وثلاث أوجه، وهذا الإضغام له قواعد معروفة في علم الصرف، وله أسباب، ومع ذلك العبرة بالسماع، فليست كل الكلمات التي يقع فيها هذه الأحرف يحصل فيها إضغام. والغالب الإضغام يكون فيما يستثقل من الأحرف إذا تقاربت مخارجها، مثل التاء مع الضاد، فإذا تقاربت المخارج وثقل النطق بها، فيثقل أن تقول: يتظاهرون، مع التشديد، فتدغم الواحدة في الثانية، وتنقلب من جنس أحد الحرفين. وقوله رحمه الله تعالى في تفسير قول الله عز وجل: الذين يظاهرون من نسائهم، الخطاب لأهل الإيمان، والآيات مدنية، تخاطب المؤمنين، فهذا الحكم لأهل الإيمان، بخلاف أهل الكفر، فأحكامهم على ما هم عليه، إلا إن احتكموا إلى أهل الإسلام. وقوله سبحانه: ما هن أمهاتهم، هذا هو الواقع، لو حرم كأمه أو كأخته أو غير ذلك من محارمه الحقيقة، ماذا؟ هل هي أمه أو أخته؟ الجواب: لا، وفي هذا تأصيل لقاعدة، وهو أن العبرة في الأحكام ليس بالألفاظ، وإنما بالحقائق. العبرة في الأحكام بالحقائق لا بالألفاظ، فلو أعتق الرجل بلفظه، وحقيقته أنه لم يرد العتق، فالعبرة بالحقيقة لا باللفظ، إن ساعد على ذلك السياق والسباق واللفظ، فإنه يؤخذ ذلك. وقوله رحمه الله تعالى في تفسير قوله جل وعلا: إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنه، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، المنكر هو أن يحرم شيئا حله الله له، كما قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. فالمعاصي بريد الكفر، وهذه الآية من معاني هذه القاعدة، فالمسلم إذا تعدى حدود الله بفعل المعاصي، فقد شابه الكافرين بتعدى الحدود وعدم المبالاة بالحلال والحرام. وقوله سبحانه: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ، قال: للمظاهر بالكفارة، لأنه هو الذي وقع منه هذا اللفظ المحرم المنكر الزور، ولكن بشروطه الذي سيأتي ذكرها في الآيات التي بعده. ومعناه: خذوا بأسباب العفو والغفران بالتوبة والاستغفار، وفعل الكفارة التي أمركم الله عز وجل بها. وقوله رحمه الله تعالى: وقوله الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا، وكما مر معنا هي كالتي قبلها، فيها قراءات ثلاث، ثلاثة أوجه من القراءة: يظاهرون، ويظهرون، ويظهرون. قال: ثم يعودون لما قالوا، قال: أي فيه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها، الذي هو خلاف مقصوده من الظهار. وقوله رحمه الله: فمن لم يجد رقبة، فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، أي حكم الصيام بعد حكم الرقبة. وقوله رحمه الله: ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير، لم يذكر تفسيرا لوضوح وظهور اللفظ، أي أن الله عز وجل أنزل هذا الحكم وهو حكم الظهار، موعظة منه سبحانه وتعالى حتى يصلح الإنسان نفسه وألفاظه وأقواله على دين الله عز وجل الذي يحبه الله. وقوله رحمه الله: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتلك حدود الله، وللكافرين بها عذاب أليم، قال: أي مؤلم، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى ما يوجبه الإيمان من العمل بحدود الله والوقوف عندها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا رشدنا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا بحفظه الذي يوتوب علينا برحمته. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.