تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم محادة الله ورسوله وتعدي الحدود

المحادة تعني المبالغة في مخالفة أوامر الله ورسوله وتعدي الحدود الشرعية، وهي عقوبة شديدة في الدنيا والآخرة. تتضمن المحادة مخالفة ومعارضة وتعدي لشرع الله وأمر رسوله.

دلالات المحادة في القرآن والعقوبة المترتبة عليها

المحادة في القرآن تشير إلى مخالفة شرع الله وتستوجب العقوبة الشديدة والإذلال، حيث يُذل الذين يحادون الله ورسوله كما حدث لمن قبلهم. الله عز وجل يحصي أعمال المخالفين ويشهد عليها.

التحذير من مخالفة أوامر الله ورسوله والعقوبة المترتبة

يجب التوبة والإصلاح وعدم العودة لمخالفة أوامر الله ورسوله، حيث أن المخالفين سيتعرضون للعذاب المهين. هناك وعيد إلهي لمن يعود لمثل هذه الأفعال ويجب الامتثال لأوامر الله ورسوله.

التفريغ النصي الكامل

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، قال المفسر رحمه الله: «إن الذين يحادون يخالفون الله ورسوله، كبتوا أذلوا كما كبت الذين من قبلهم في مخالفتهم رسلهم، وقد أنزلنا آيات بينات دالة على صدق الرسول، وللكافرين بالآيات عذاب مهين ذو إهانة، يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات من هذه السورة، سورة المجادلة، والتي فيها حكم الظهار وما تبع ذلك من آداب وتفاصيل سبق الإشارة إلى بعضها. ولما كانت هذه المسألة فيها تعدي لحدود الله عز وجل، كما قال الله عز وجل في الآية التي قبلها: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي هذا هو موضع ما شرع الله، فلا يجوز أن يتعدى بالخروج عن أوامره وشرعه ودينه. أتبع سبحانه وتعالى بهذه الآية المبتدأة بـ«إن» التي فيها معنى التوكيد، وقد تقدم وتكرر الكلام على التوكيد بها، وما فيها من معاني. ثلاثة الذين يحادون، قال: يخالفون. وقد تقدم معنى وتكرر أن القاعد عند أهل العربية اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فيحادون فيه معنى المخالفة وزيادة. أصله من «حد» يحد، ففيه ثلاثة معاني: المعنى الأول معنى الحدود، وهو مقصودها هنا، أي الذين يتعدون حدود الله. والمعنى الثاني المعارضة، وهو مقهود من لفظ الحد، كمحاددة المسايفة والسكين وغيرها. وهكذا كل من تعد حدود الله عارض أوامر الله. والمعنى الثالث: وزيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، فيحادون فيه زيادة مبنى أن يبالغون في التجرؤ بتعدي حدود الله عز وجل. وهذا غالبا لا يكون في الخطأ، وإنما يكون في العمد، والعمد الذي يعلم عظيم جرمه. وهذا هو الواقع الذي يتلفظ بلفظ الظهار، هو لم يحرم تحريما عاديا، بل بالغا في التحريم حتى ذكر أعلى مواضع التحريم بأن جعلها محرمة على نفسه أعظم من حرمته أعظم محارمه إليه، كقولهم: «أنت علي كظهر أمي». لو حرم التحريم العادي فقال: «أنت علي حرام»، لكان إثما وصار تعديا لحدود الله، فكيف إذا صار معه مؤكدا بمثل هذا التأكيد؟ فهذا ثاني أن يذكر محرما من محارمه، فكيف إذا ذكر جزءا من جسد المحرم الذي هو أعظم حرمه وأشد وهو الظهر وما قرب من العورة؟ وهذا معناه ماذا؟ زيادة في الجرأة على حدود الله في التحريم، تحريم ماذا؟ تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا عبر بهذا التعبير، وهذا من بلاغة القرآن، «إن الذين يحادون» أي يبالغون في تعدي الحدود والمعارضة لشرع الله عز وجل والخروج عنه ومخالفته. فإذن «يحادون» ليست مخالفة فقط، بل مخالفة ومعارضة وتعدي، كلها في هذا اللفظ الواحد. وقوله سبحانه: «يحادون الله ورسوله»، هذا من باب التأكيد، يعني تقرير أن هذه المحادة عظيمة؛ لأنها محادة لشرع الله وأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا دليل كذلك أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من عند الله، وهو من وحي الله؛ لأن الله عز وجل رتب عليه العقوبة الشديدة وجعله كأمره. وفي هذا تعظيم منزلة السنة في القرآن وفي دين الله عز وجل. وقوله سبحانه: «كبت»، قال: أذل. وكما قيل في الأول يقالها هنا، القاعدة أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف ماذا؟ المعنى. فـ«كبت» فيه معنى الذلة وزيادة، فيه معنى الذلة وزيادة. فالكبت هو الصد مع الإذلال، وكذلك العقوبة. ومعناه: كل من حاد الله ورسوله استحق أن يصد وترد معارضته، ويعاقب ويذل على ذلك. فهو مأخوذ من الكبت، وهو الكظم والرد مع العقوبة والإذلال. هذا هو حال المكبوت، المكبوت يرجع خائبا بعدما كان ماذا؟ متعاليا. وهذا الذي حرم كان غاضبا متعاليا، فانكبت في الدنيا وفي الآخرة بندمه فيما فعل وحسرته، مع ما استحق من عقوبة الله عز وجل وغضبه. وفي هذا إشارة كذلك إلى أن هذا الفعل، فعل فيه تعالي، لا يجوز للمسلم من هذا الوجه، ومن كونه كذلك مخالفا لشرع الله أن يتخلق به. ولهذا كان المقابل العكس، مقابل التعالي عوقب بالضد، وهو الماذا؟ الإذلال. وهو الإذلال، أذله الله بأولا ندمه وحسرته، وثانيا بعقوبته بالأحكام التي ترتبت على هذا. وهكذا حال كل من خرج عن شرع الله وحدوده، وحاد أمر الله ورسوله. وقوله سبحانه: «كما كبت الذين من قبلهم» يعني كما كان حال من قبلهم من الكافرين والمشركين والمنافقين والعاصين في من تعدى حدود الله وحادها. وهذا هو قوله: «في مخالفتهم رسولهم»، فكل من حاد الله ورسوله كبت في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بما كان من الحسرة والندامة والعقوبة، وفي الآخرة ما ينتظره من عقاب الله إن لم يتب ويرجع إليه. وفي هذا التخويف فيما يتعلق بهذا الحكم خاصة، وهو الظهار، وفي غيره من الأحكام التي فيها محادة ومخالفة وخروج عن شرع الله عز وجل. قال: «وقد أنزلنا آيات بينات»، قال: دالة على صدق الرسول. وهذا كذلك تفسير ببعض المعنى، أنزل الله عز وجل آيات بينات على صدق الرسول وصدق القرآن وصدق شرع الله، وأنه محكم، وكذلك عظيم، وأنه يصلح الناس، ولا صلاح لهم إلا به. فآيات بينات أي واضحات ظاهرة، وكذلك غاية في الوضوح. وللكافرين، قال: بالآيات عذاب مهين، قال: ذو إهانة. وللكافرين الكفر نعلم؛ لأن الآية نزلت في سياق حكم خالف فيه أهل إسلام، فيكون وللكافرين باعتقادهم، وهم الذين ذكروا بقوله: «كما كبت الذين من قبلهم». وكذلك للكافرين كفر عملي، بمخالفتهم لأوامر الله وشرعه، فهم غطوا أحكام الله وشرعه وعارضوها، عذاب مهين في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: «ذو إهانة» يعني فيه معنى الإهانة والمذلة، كما تقدم في معنى الكبت، فهو من باب التأكيد. وقوله سبحانه: «يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا»، أي يوم القيامة، يوم يبعث الناس في صعيد واحد، كما جاءت بذلك الأحاديث بل والآيات الكثيرة. فإنه بذلك اليوم العظيم يكون القسم الثاني من العقوبة والمذلة التي توعد الله عز وجل كل من خالف شرعه وأمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. «فينبئهم بما عملوا» أي يخبرهم؛ لأن كل ما عملوا محصى. وهذا هو قول: «أحصاه الله ونسوه»، أحصاه أي حفظه لهم بكتابته وبرسله وبشهادة أعمالهم وجوارحهم. ونسوه أي أنهم يكونوا كذلك، ولكن الأمر ليس كذلك، فالله عز وجل يحفظه لهم ويعاقبهم عليه إن لم يتوبوا. «والله على كل شيء شهيد» أي رقيب. والشهادة هو ظهور العلم، أي الله عز وجل رقيب، جعل الشهود على هذا الإنسان من جوارحه ومن كتبة ملائكته، ومن كذلك كل شيء حول هذا الإنسان. فيكون الرب العظيم شاهدا، وكف به شهيدا، وملائكته شهود، وجوارح الإنسان شهود. فإن لم يتوب فإنه تكون له المذلة والمهانة والفضيحة في الدنيا وفي الآخرة. وفي هذا تهديد ووعيد للمبادرة بالتوبة والإصلاح وعدم العودة لمثل هذا الصنيع، وهذا الفعل فيما يتعلق بالظهار خاصة، وما يتعلق بكل مخالفة حدود الله وأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عامة. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.