شرح مختصر السيرة 58

شرح مختصر السيرة 58

الدرس في شرح مختصر السيرة 58، الدرس الثامن والخمسون:فيه( فصل ولما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ... وينهى عن السفر بالقران إلى أرض العدو ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيعة الرسول وأهميتها في الحرب

تحدث عن بيعة الرسول لأصحابه على عدم الفرار في الحرب وأهميتها في توثيق العزم على القتال. استشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتوضيح ذلك.

استعداد النبي للقتال ومشاورته لأصحابه

استعرض استعداد النبي صلى الله عليه وسلم للقتال بتجهيز الجيش وإرسال العيون والطلائع ومشاورته لأصحابه وتفقد أحوالهم. أمرهم بالتعاون والتآزر في مواجهة العدو.

هدي النبي في الحرب وتحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو

تطرق إلى هدي النبي في الحرب مثل ترتيب الجيش ولبس الدروع وتحديد أوقات الغارة. كما ناقش تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو تعظيما لشعائر الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: فصل، ولما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم بعد العداوة، ومنعته أنصار الله من الأحمر والأسود. ومعنى «منعته» يعني حمته، جعلت له منعة وحماية. والأحمر والأسود، والمراد بهم الأعداء من عموم من يتوقع منه العداء، سواء من خارج العرب أو من العرب. قال: «رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة». ومعنى هذا: أي تمعنوا في محاربة النبي عليه الصلاة والسلام، ولو لم تقع حرب، يعني من نشر الإشاعات والتكالب والتآلب على أن يقاتلوا النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه، والتوعد ونحو ذلك. وكان آخره ما كان في يوم الأحزاب، حين اجتمعوا على أهل الإسلام وأحاطوا بالمدينة، كما سيأتي إن شاء الله في موضعه. قال: «والله يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح»، يعني من تلك الأذية الكلامية، ومن ذاك التوعد وذاك السب والشتم وغير ذلك، واستضعاف المسلمين أفرادا، سواء في مكة أو من كان في طريقه أو غير ذلك. قال: «حتى قويت الشوكة، فحينئذ أذن لهم في القتال، ولم يفرض عليهم». فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، وهي أول آية نزلت في القتال. وقد روي ذلك عن ابن عباس فيما يرويه عن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول» في هذه الآية، آية سورة الحج، يعني أنها أول آية نزلت في القتال، وذلك بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم»، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ الآية، يعني في أول الأمر كان إذنا بالقتال، إذنا بالقتال. حتى قال أبو بكر: «ف علمت أنه سيكون قتال بعد ذلك حين نزلت هذه الآية». وقال قبل ذلك: لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام فارا من مواعدة الأعداء لأنهم اجتمعوا وتآلبوا على قتله في مكة عليه الصلاة والسلام فهاجر، فقال أبو بكر: «ما قال كيف يطرد أو يخرج قوم نبيا؟ والله لا يهلكن أو لا يهلكن هؤلاء القوم». فنزلت هذه الآية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، يقاتلون يعني يطلب قتلهم، كما فعلوا بأبي بكر والنبي عليه الصلاة والسلام حين فرا فارين من قتل قريش، وهكذا كما قتلوا من قتلوا من المستضعفين من المسلمين في مكة، ومن أراد الهجرة وغير ذلك، فأذن لهم بالقتال، يعني من لم يستطع أن يدافع عن نفسه إلا بقتال فليقعد. ثم نزلت الآية الثانية، وهي آية سورة البقرة، وفيها الأمر بالقتال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، كما ذكر ذلك جماعة من التابعين عن بالعالية، وجماعة أنها أول آية في فرض القتال، أي قتال المشركين. قال رحمه الله تعالى: «بعض خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا». جعل هذا الفصل رحمه الله في ذكر شيء مما خص به النبي عليه الصلاة والسلام من الأفعال والهدي فيما يتعلق بهذا الباب خاصة، أي في القتال، وفي كذلك السفر وما كان بمعنى. فأول ذلك: أنه كان عليه الصلاة والسلام يبايع أصحابه في الحرب، يعني يجعل بيعة. ومعنى البيعة هو تأكيد هذا الخروج بوضع الأيدي في أيدي النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل التوثقة في هذا العزم الذي أرادوه من قتال أو صبر أو غير ذلك. ويشير بذلك إلى بيعة الرضوان التي رويت فيها أحاديث كثيرة، كأحاديث جابر بن عبد الله وجماعة من الصحابة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم بايعهم تحت الشجرة على أن لا يفروا. وقد جمع غير واحد من أهل العلم ما روي في ذلك، خصوصا أصحاب التفسير في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿قَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾. قالوا: ربما بايعهم على الموت، يعني القتال حتى الموت. وهذا المعنى جاء في بعض الأحاديث. وبعض التابعين نفاه، كما روى البخاري رحمه الله في صحيحه في باب «البيع على الحرب» عن عبد الله بن عمر، ثم سأل نافعا: «على ماذا بايعوا؟» أي يوم الشجرة، هل على الموت؟ قال: «لا، ولكن على الصبر». ومعناه: أنه بايع الصحابة في بعض المواضع الأخرى على الموت. قالوا: ربما بايعهم على الجهاد، وهذا كثير. قالوا: ربما بايعهم على الإسلام، وهذا كذلك. وربما على بعض خصال الإسلام، كما في حديث جرير وغيره من الأحاديث الأخرى. قالوا: وبايعهم على الهجرة قبل الفتح. وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله. وبايع نفرا من أصحابه على أن لا يسأل الناس شيئا. فكان السواط يسقط من أحدهم فينزل عن دابته فيأخذه، ولا يسأل أحدا أن يناوله إياه، تطبيقا وامتثالا لما بايع النبي عليه الصلاة والسلام عليه، إذ بايعوه في ضمن بيعتهم أن لا يسأل الناس شيئا، يعني يتعففوا ما استطاعوا، حتى كان السواط يسقط فينزل أحدهم ولا يقول لأحد: «ناولني إياه». قال: «وكان يبعث البعوث يأتونه بخبر عدوه، ويطلع الطلائع، ويبث الحرس والعيون حتى لا يخفى عليه من أمر عدوه شيء». وهذا كثير في غزواته عليه الصلاة والسلام، كما وقع في يوم بدر، وهكذا كذلك في يوم الأحزاب. فقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام من ينظر أخبار العدو حتى أتي إليه بعبد من عبيد المشركين، فسألوه: «كم القوم؟» فأبى أن يتكلم حتى ضربه بعض الصحابة، فأبى أن يتكلم. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام به فأتي به، فسأل: «كم يذبحون في اليوم؟» قالوا له: «يذبحون كذا من الإبل». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «القوم كذا»، يعني قدرهم بتقدير ما يذبح من الإبل في يومهم. وهكذا كذلك يوم الأحزاب، قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم العصيب والليلة العصيبة: «من يذهب إلى المشركين فينظر لنا أمرهم وخبرهم وهم مجتمعون حول المدينة؟» حتى سكت الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يكرر ثلاثا، حتى قام بعض أصحابه فخرجوا، فامتثلوا ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام. وغير ذلك كثير. قال: «وكان إذا لقي عدوه دعا الله واستنصر به، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله والتضرع له»، كما وقع يوم بدر، حتى قال أبو بكر: وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام قد ألصق بالدعاء ورفع يديه حتى سقط الرداء: «بأن الله سينجد له وعده». والنبي عليه الصلاة والسلام على دعائه، كما قال الله سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. قال: «وكان كثير المشاورة لأصحابه في الجهاد»، كما فعل يوم الأحزاب، ويوم بدر، ويوم أحد. فيوم بدر شاور النبي عليه الصلاة والسلام حتى كان المنزل الذي نزله بمشورة بعض الصحابة، فشرب المسلمون ولم يشرب المشركون شيئا، فمنعوا المشركين من الشرب. وهذا من فضائل المشورة، وهو الذي أمره الله عز وجل به: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وهكذا يوم أحد، شاور النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه: هل يقعد في المدينة أو يخرج إليهم فيقاتل؟ وكان رأي النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر أن يقعد في المدينة ولا يخرج للمشركين إلى أحد. فاستشار أصحابه، فسكت بعضهم وتكلم بعضهم. وكان قول جماعة: أنه يخرج إلى خارج المدينة. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام حتى رأى بعض الصحابة أنه خرج وهو غير راض للخروج، فقالوا: «يا رسول الله، لعلنا آديناك أو نحو ذلك». فأرادوا منه أن يرجع. فقال: «ما ينبغي لنبي قد لبس سلاحه أن يرجع». فاستمر في خروجه عليه الصلاة والسلام وهو بالمشورة. وهذا يوم الأحزاب استشار عليه الصلاة والسلام: كيف يواجه جموع المشركين الكثيرة؟ فأشار إليه من أشار من الصحابة بحفر الخندق. فكان فيه النصر للمسلمين والنجاة من ذلك الامتحان العظيم. وغير ذلك كثير مما فيه المشورة التي كان يشاور فيها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وكان يتخلف في ساقتهم، فيزجي الضعيفة ويردف المنقطع». يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الجيش، يكون في الساقة. والساقة: الذين يجلسون في آخر الجيش، ويتفقدون أحوال الجيش، وينظرون متخلفاتهم، فهم عليهم أصعب مهمة. وفي نفس الوقت ليس لهم فخر ولا ذكر، يعني القتال والشجاعة تكون لغيرهم. وهكذا كذلك المغنم يكون لغيرهم، لأن الذين يكونون في المقدمة منهم الفرسان الذين يأخذون سهما لأنفسهم وسهمين لخيلهم وغير ذلك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «في مدح المؤمن، وإن كان في الساقة». كان في الساقة، يعني إذا قيل له: «كن مع الساقة»، رضي أن يكون مع الساقة، فهو هيّن لي، متواضع. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتخلف في الساقة، يعني في الآخر، مع من يتفقد أحوال الجيش. فيزجي الضعيف، يعينه. ويردف المنقطع، من ليس عنده دابة أو تعب أو دابته عطلت أو تعبت. أردف. ولهذا ترى في أكثر الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام يردف أحد أصحابه. ما كان يقعد من دون إرداف، بل كان يردف عليه الصلاة والسلام. وانظر: ابن عباس، معاذ الفضل، بلال، أسامة، جماعة من الصحابة، أردفهم النبي عليه الصلاة والسلام في وقائع كثيرة. بل كان النبي عليه الصلاة والسلام ربما أمر: إذا اشتد الحال بأن يردف من كان عنده سعة في ظهر، أو يعين ويبدل أخاه في الركوب، كما في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم. حتى قال أبو سعيد: «حتى ظننا أنه ليس لأحدنا فضل على أحد»، يعني في ماله. ما له فضل في ماله، بشدة ما أمرهم به النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها»، كما فعل في تبوك، وهك، وهكذا في غيرها من الغزوات الأخرى. قال: «وكان يرتب الجيش والمقاتلة، ويجعل في جنبه كفأ لها». يعني: أو في جنبتيه، يعني عندكم في جنبه أو في جنبتيه، يعني في طرفي الجيش. الله أعلم. المهم أنه كان عليه الصلاة والسلام يرتب أحوال الجيش والمقاتلين، كما فعل يوم أحد، فجعل مقدمة ومؤخرة، وميمنة وميسرة. ويجعل الراية مع أحد، واللواء مع آخر. وهكذا فعل يوم أحد، فجعل أناسا على جبل الرماة، وجعل عليهم أميرا ونحو ذلك، مما كان يفعله عليه الصلاة والسلام. قال: «وكان يبارز بين يديه بأمره». وكان يلبس للحرب عدته، وربما ظاهر بين درعين، كما فعل يوم بدر. قول: «وكان يبارز بين يديه بأمره»، يعني بالمبارزة ما تكون بينه وبين المشركين. وهكذا كان قبل ذلك ربما علم المسلمين شيئا من أمور القتال والسباب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يجعل بعض المسلمين يستدق، كما فعل غير مرة في المدينة، وهكذا كذلك في الحرب، كما وقع في يوم بدر. وكان يلبس للحرب عدته، يعني بذلك اللامة. واللامة: كما قلنا، ما هو؟ لباس الحرب، من السيف والرمح، وكذلك الدرع الذي يكون على الصدر، أو المغفر الذي يكون على الرأس. فكل ما يتيسر من عدة الحرب. وربما ظاهر بين درعين، يعني لبس درعا فوق درع، يعني استعدادا لقتال شديد. والدرع: هو ما يلبس على الصدر، تكون حلقا من الحديد، تقي من ضرب السيوف ورمي الرماح والسهام. وربما كانت من غير ذلك. قال: «وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ثم قفل». تأكيدا للنصر. كانت له ألوية، يعني ترفع. وفائدتها: بيان جهة المسلمين، واجتماع المقاتلين حوله. إذا تداخلت الرجال ووقع القتال، فإن هذه الألوية تبين مواضع المسلمين، ويوجه الجيش بأمر الأمير إلى الجهة التي يريد. فإن المقاتلين ينظرون إلى هذه الألوية فيتوجهون حيث توجهت. فمن لم يبلغه نداء الأمير، فيبلغه نداؤه برؤية اللواء حيث يتوجه، يتوجه معه ويتبعه. وفيه فوائد أخرى. وأما مكوثه ثلاثا، يعني أنه يبقى تأكيدا للنصر. قال: «وكان إذا أراد أن يغير ينتظر، فإذا سمع مؤذنا لم يغير، وإلا أغار». ومعنى: إذا أراد أن يبغت قوما بقتال، وهذا طبعا بعد إنذارهم ووقوع الحرب، لكن الحرب خدعة. ربما يأتي المقاتلون في وقت غرة، فيتأكد: إذا كان في هذه القرية أذان، تركهم. مع أنهم قد يكون فيهم بعض المشركين، لكن حتى لا يقتل أهل الإسلام. وهكذا كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب الخروج بعد الظهر، وذلك لأن الريح تهب. وفي هبوب الريح يكون التعمية للجيش، ويكون هدوء العدو وركونهم. وعند ذلك تكون المباغتة للأعداء. والحرب خدعة. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يأتي كذلك ليلا قبل الفجر، فربما باغت عدوه قبل الفجر. فينتظر حتى يؤذن، إذا جاء وقت أذان الفجر، فلم يؤذن، فإنه باغت عدوه في ذات الوقت، يعني في آخر وقت الليل. وهذه الأوقات إلى يومنا هذا تعتبر عند أهل الدراية بالحرب من أحسن الأوقات في البغتة، في بغت العدو. قال: «وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة»، يعني يحب أن يكون خروجه وسفره يوم الخميس، ولكن لا يعني أنه إذا احتاج في غيره خرج في غيره. قال: «وكان إذا اشتد البأس اتقوا به، وكان أقربهم إلى العدو». يعني إذا اشتد البأس اتقوا به لشجاعته عليه الصلاة والسلام. وكان أقربهم إلى العدو، يعني أنه كان يدخل في صفوف العدو كثيرا. وهذا لا ينافي: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وكان يحب الخيلاء في الحرب. والخيلاء المقصود به: ليس التكبر، ولكن إظهار قوة المسلمين. وفرق بين الأمرين. فرق بين إظهار قوة المسلمين عند العدو، مقصود ومطلوب. وأما التكبر بمعناه، والخيلاء بمعناه، فهذا لا يجوز، لا في سلم ولا في حرب. فمثلا: لا يقول قائل: «يجوز إذن إسبال الثياب في وقت القتال». هل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس بصحيح. فإسبال الثياب محرم في القتال، وفي غير القتال، لأنه خيلاء محرم، ونهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. لكن المراد به هنا: هو إظهار قوة المسلمين. ومفهومه: أنه في غير ذلك ينبغي أن يستر، لأن هذا ربما يكون فيه شيء من الخيلاء. مثلا: أعطاك الله ما شاء الله جسما معصوصا، لا تذهب تتباهى به عند المسلمين، تلبس الثياب الضيقة، وتبدأ تمشي وتظهر العضلات، لا، هذا من الأمر المذموم. لكنه عند العدو ممدوح، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء، فإنه أمرهم أن يحسروا عن أكتافهم اليمنى، وهو الذي يسمى بالإطباع، لإظهار قوة المسلمين. لأنهم قالوا: «قد أتاكم يعني النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وقد أضعفتهم حمى يثرب». فأمرهم أن يتبعوا، وأن يرملوا، حتى كان إذا شاء عليه الصلاة والسلام بين الصفا والمروة، حسر عن إزاره حتى ظهرت عضلة رجله عليه الصلاة والسلام. فالمهم: الفرق بين الخيلاء وبين إظهار القوة. قال: «وينهى عن قتل النساء والولدان». وهذا كثير. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قتلت في الحرب، فغضب، وقال: «ما ينبغي لمثل هذه أن تقتل». وفي رواية: «أن تقاتل». وكل المعنيين يدل على غضبه لقتل النساء في الحرب. فلا يجوز أن يقتل النساء والأطفال في الحرب. قال: «وينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو»، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام، تعظيما لشعائر الله، وأن لا يمتهن. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. والله تعالى أعلم.