الدرس في شرح مختصر السيرة 74، الدرس الرابع والسبعون:من( وكان عمر أخذ بيد رسول الله للبيعة ... فوالله إنه لعلى الحق فعملت لذلك أعمالا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل بيعة الرضوان تحت الشجرة حيث بايع المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، ويتطرق إلى موقف قريش من هذه البيعة. كما يشمل الحديث عن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش وعرض الصلح.
يصف هذا الفصل مشهد طاعة المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتأثير ذلك على وفد المشركين، ويتناول تفاصيل التفاوض بين النبي صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو حول شروط الصلح وكتابة الديباجة.
يتطرق هذا الفصل إلى تفاصيل تنفيذ صلح الحديبية، بما في ذلك شروط الاتفاقية ورد المسلمين الذين يأتون من قريش، ويروي قصة أبي جندل بن سهيل ورد فعله ورد فعل المسلمين، خاصة عمر بن الخطاب، تجاه التنازلات في الاتفاقية.
يشير هذا الفصل إلى صحة الحديث المتعلق بصلح الحديبية وبيعة الرضوان، حيث ورد معظم الحديث في الصحيحين، ويؤكد المؤلف اكتفاءه بذلك ويرجئ الحديث الباقي إلى درس لاحق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم: قال رحمه الله تعالى: "وكان عمر أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم، لم يتخلف إلا الجد بن قيس، وكان معقل بن يسار آخذًا بغصنها يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول من بايعه أبو سنان وهب بن محصن الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم". فبيناه، وكذلك إذ جاء أبو ديلم بن ورقاء في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: "إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العود المطافيل، وهم مقاتلوك". ومعنى "معهم العود المطافيل" كما ذكر المعلق: الأمهات التي معها أطفالها، ويريد بذلك أن العرب إذا أخرجت النساء معها في الحرب دل ذلك على شدة بأسهم فيه، وأنهم لا يرجعون إلا بموتهم وموت ذراريهم. قال: "وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت". فقال: "إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ما ددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، فإن شاءوا أن يغفلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا". وإن أبوا إلا القتال "فوالذي نفسي بيده لو قاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره". والسالفة -كما قال- صفحة العنق، وهو المراد به القتل. قال: "بودين سأبلغهم ما تقول". فانطلق حتى أتى قريشًا، فقال: "إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولًا، فإن شئتم عرضته عليكم". فقال سفهاءهم: "لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء". وقال ذو الرأي منهم: "هاتي ما سمعته يقول". قال: "سمعته يقول كذا وكذا". فقال عروة بن مسعود: "إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته". فقالوا: "ائته". فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له نحوًا من قوله لبدين. فقال عروة: "أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكون الأخرى، فوالله إني لأرأى شعبًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوه". فقال أبو بكر: "أمصص بضر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟". ويريد أن الذين معك ليسوا يقاتلون بل يفرون؛ لأنهم جماعة مختلطة، ليس من جنس واحد. وهذا من اعتزاز أهل الجاهلية؛ فإنهم كانوا يعتزون أن يقاتل معهم أهل قبيلتهم، فيكونوا جميعًا من أهل قبيلة واحدة، وذلك أدعى للنصرة -فيما يزعمون-؛ لأن الولاء متحد، بخلاف إذا تفرق الناس؛ فإن الولاء متفرق. ولكن ما علم هؤلاء أن الولاء بالإسلام أعظم من ولاء القبائل لعصبها ونسبها؛ فإن ولاء الإسلام وأخوته وعروته أعظم عند المسلمين من جميع الولاءات، فلذلك ليسوا بمتفرقين، بل احتسابهم الأجر عند الله أعظم من احتساب أولئك للفخر والخيلاء. قال رحمه الله تعالى: "فقال أبو بكر: أمصص بضر اللات". وهي كلمة تقال عند الغضب. قال: "نحن نفر عنه وندعه". قال عروة: "من ذا يا محمد؟" قال أبو بكر. قال: "أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك". يعني لردت على سبتك. قال: "واجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويرمق أصحابه، فوالله ما تخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمر ابتدروه أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له". فرجع عروة إلى أصحابه، وذلك كان يفعل بعضه قبل ذاك اليوم، ولكنه فعل أكثر في ذاك اليوم إظهارًا لشدة طاعتهم واجتماعهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكذيبًا لقول عروة فيما قال. قال رحمه الله تعالى: "وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له". فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا". والله ما تخم خامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. ثم أخبرهم بجميع ما تقدم، ثم قال: "وقد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها". فقال رجل من بني كنانة: "دعوني آته". فقالوا: "ائته". فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له". ففعلوا. وفي حسن السياسة الشرعية في معاملة الأبعدين والأقربين، والصديق والعدو؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن هذا من قوم يعظمون البدن -يعني إذا أقبل على بيت الله- فإنه إذا بعثها إليه أورث له ما يستوجب اللين في هذا الجانب. قال: "واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله". يعني هذا المشرك. قال: "سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت". فرجع إلى أصحابه فأخبرهم. فبينهم كذلك إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم". فقال: "هات، اكتب بيننا وبينك كتابًا". فدعا الكاتب، وهو علي بن أبي طالب، فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: "أمر رحمن، فما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم". وفيه أن المشركين كان عندهم كذلك شيء من إنكار بعض الصفات والأسماء لله عز وجل؛ فشركهم لم يكن مقتصرًا في الربوبية، كان في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. أو نقول: ليس مقتصرًا في الألوهية، بل في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولكنه كان في الألوهية أكثر. قال رحمه الله تعالى: "ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب". فقال المسلمون: "والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم". فقال صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم؛ لأنها حق، وذاك حق". فترك النبي صلى الله عليه وسلم الحق الذي قد لا تحصل به مصالح لما دونه، وهو حق وليس بباطل. ثم قال: "اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: "والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله". فقال: "إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: "والله لا تحدث العرب أننا أخذنا ضغطة -يعني أننا ضعفاء- فما استطعنا أن نردكم هذا العام". قال: "ولكن ذاك من العام المقبل". يعني ليس في هذا العام، ولكن العام الآتي؛ لأجل أن لا تقول العرب: إنهم جبنوا فخرًا وخيلاء. قال: "فكتب". فقال سهيل: "وعلى أن لا يأتيك رجل منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". فقال المسلمون: "سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟". فبينهم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل، وقد خرج من أسفل مكة يرسف في قيوده، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: "هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد". فقال: "إذن والله لا أصالحك على شيء أبدًا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي". قال: "ما أنا بفعل". قال أبو جندل: "يا معشر المسلمين، كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟". وكان قد عذب في الله عذابًا شديدًا. قال عمر بن الخطاب: "والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ". ويريد بالشك -رحمه الله ورضي الله تعالى عنه- ليس الشك في الإسلام ولا في الرسالة ولا في الحق، ولكن في كونه ظن أن شيئًا وقع فيه شيء من التنازل ما كان ينبغي أن يقع؛ هذا الذي شك وسماه شكًا، ولكن تبين له بعد ذلك أنه حق. قال: "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟" قال: "بلى". قلت: "ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟" قال: "بلى". قلت: "أفما نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟" فقال: "إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه". يعني ما أفعله ليس هو شيء فيه معصية، ولن أفعل ذلك. وهذا لا يشك فيه من هو رسول ونبي، وهذا الواجب. والمعنى أنه مؤيد بوحي الله. قال: "قلت ألست كنت تحدثنا أن نأتي البيت ونطوف به؟" قال: "بلى". قال: "أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟" قلت: "لا". قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: "فأتيت أبا بكر، فقلت له مثل ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد علي كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت". فوالله إنه لعلى الحق. فعملت لذلك أعمالًا. يعني لهذا الكلام الذي تكلم به. وأكثر هذا قد ورد في الصحيحين في حديث المسور وغيره، وبعضه ورد ألفاظًا بأحاديث أخرى، وهو بجملته صحيح. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.