تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

إنكار الكافرين للبعث وتأكيد وقوعه

تتحدث الآيات عن إنكار الكافرين للبعث والجزاء على الأعمال، وتؤكد قدرة الله تعالى على إعادة الخلق. يُبين الله تعالى قدرته على البعث كما خلقهم أول مرة.

تفسير الآيات القرآنية ومعانيها

يتناول المقطع تفسير الآيات من سورة التغابن ويوضح دلالاتها، مشيراً إلى أن الله يعلم ببواطن الأمور وظاهرها. يوم القيامة هو يوم التغابن حيث يفوز المؤمنون ويخسر الكافرون.

يوم التغابن وأحوال الفائزين والخاسرين

يوم التغابن هو يوم القيامة حيث يفوز المؤمنون بدخول الجنة ويخسر الكافرون بدخول النار. يتم تفسير الآيات المتعلقة بهذا اليوم وتوضيح مصير الفريقين.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾. قال المفسر رحمه الله: في قوله تعالى ﴿زعم الذين كفروا أن﴾ مخففة واسمها محذوف، أي أنهم لن يبعثوا، ﴿قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾، ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور﴾ القرآن الذي أنزلنا، ﴿والله بما تعملون خبير﴾. أذكر يوم يجمعكم ليوم الجمع يوم القيامة، ﴿ذلك يوم التغابن﴾ يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا، ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله﴾ وفي قراءة بالنون في الفعلين، ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾. ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ القرآن، ﴿أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة سورة التغابن، وفي هذه الآيات يذكر ربنا سبحانه وتعالى كذلك صفة من صفات الكافرين وعملًا من أعمالهم مما أوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة. فمن ذلك زعمهم وإنكارهم للبعث والنشور، وسماه ربنا سبحانه وتعالى زعمًا لأنه لا برهان له، وإنما دعاوى بغير حجج ولا براهين. وقوله سبحانه وتعالى ﴿أن لن يبعثوا﴾ إشارة إلى ما عليه عقيدة الكافرين من إنكار البعث والنشور. وقوله سبحانه ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾ قسم منه سبحانه وتعالى، وقسم الله سبحانه وتعالى عظيم، وأكد في ثلاثة مؤكدات في القسم: وباللام، وبالنون، وهكذا كذلك ﴿لتنبؤن﴾ بما يبين كذبهم وسط ما أخبر الله عز وجل به، وكذلك بما يكون من سوء عاقبتهم لكفرهم عمومًا، وجحودهم وكفرهم بالبعث والنشور خصوصًا، ﴿وذلك على الله يسير﴾ أي من خلق هذه المخلوقات العظيمة وما فيها من إتقان، قادر على أن يعيدها خلقها من العدم، فلا يعجزه أن يعيدها، إذ إيجاد هذه المخلوقات من العدم هو الذي يثبت أن الله عز وجل قادر على أن يعيد ذلك مرة أخرى، فكيف بهذا الإنسان الضعيف؟ فهو أيسر. وقوله سبحانه وتعالى ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور﴾، قال رحمه الله: القرآن، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فالنور فسر بالقرآن، وفسر بالإيمان والإسلام، وفسر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من نور الله عز وجل، وهو الحق الذي أنزله دينه سبحانه، وكتابه، ورسوله الذي بعث عليه الصلاة والسلام. وقوله ﴿الذي أنزلنا﴾ استدلى كثير من أهل العلم بهذه الجملة على أن المراد به القرآن هو المنزل من عند الله. وقال بعض أهل العلم: إن هذا للقرآن ولغيره كذلك؛ لأنه منزل من عند الله، أي الإسلام والإيمان والنبي صلى الله عليه وسلم، المقصود مبعثه كذلك منزل من عند الله. وهذه كلها التفسير لا تعارض بعضها، والله أعلم. وقوله ﴿والله بما تعملون خبير﴾ كما تقدم معنا وتكرر إذا ذكر وقرنا صفة العلم مع اسمه الخبير دل على علمه ببواطن الأمور مع علمه بظاهرها، وفي هذا إشارة إلى سعة علمه سبحانه وتعالى بما ظهر وخفي من أحوال عباده، وكذلك أمرهم مع رسله ودينه وشرعه. وقوله ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع﴾ قال: يوم القيامة، وسمي يوم القيامة بيوم الجمع؛ لأن الناس يجتمعون فيه في صعيد واحد يوم البعث والنشور، وهذا كذلك مما ينكره ويجحده هؤلاء الكافرون، أي سترون ذلك حقًا وصدقًا. وقوله ﴿ذلك يوم التغابن﴾ قال: يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا. والتغابن صفة تذكر في باب التجارة، وذلك أن التجارة مع الله عز وجل تجارة معنوية، فالله عز وجل جعل هذه الدنيا دار عمل والتجار، فمن آمن به وأخذ بشرعه ودينه واتبع ما جاءت به رسله فهو الذي فاز بهذه التجارة، ولذلك قال بعدها في الآية ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ في حق أهل الجنة. ومن لم يعمل بذلك فهو الخاسر الذي خسر الدنيا والآخرة، وذلك الخسران المبين. وأشار هنا في قوله ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله﴾، قال: في قراءة بالنون في الفعلين، يعني نكفر وندخله، كما أشار بالتعليق أنها قراءة سبعية، وهي قراءة نافع بن عامر، وكذلك قراءة أبي جعفر، فقرأت ثلاثة بالنون، وقرأ البقية بالياء. وهكذا كذلك ﴿يوم يجمعكم﴾ و﴿يوم نجمعكم﴾ قرأ يعقوب بن نون، وهي قراءة سبعية مشهورة كذلك. واختلاف هذه المباني ليس فيها شيء من التعارض، بل فيها زيادة معنى، فبالنون على التعظيم لله سبحانه وتعالى. وقول سبحانه ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ هذا تفسير لهذا اليوم يوم التغابن؛ فإنا أهل الجنة يفوزون في ذلك اليوم بدخول الجنات التي يكون لهم فيها الخلود الأبدي، مع ما فيها من النعيم المقيم ورضوان رب العالمين. وقوله ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ قال: القرآن، وهذا من التفسير ببعض المعنى، بآيات الله الشرعية كثيرة، ومنها القرآن، وآياته الكونية كثيرة، ومنها ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كـ«انشقاق القمر»، وكذلك غيرها من الآيات التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أيد نبينا صلى الله عليه وسلم بالآيات الشرعية التي منها القرآن، ومبعثه عليه الصلاة والسلام، وتصديق أخبار من سبق من الأنبياء والرسل، وغير ذلك من الآيات الشرعية. وهكذا الآيات الكونية التي بعث بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما وقع في زمانه، وجهد بذلك وكفر المشركون. وفي هذا إشارة إلى أن الله عز وجل عذب أو سيعذب من يعذب، وعذب من عذب في الدنيا، وسيعذب من يعذب في الآخرة بعد أن قامت عليهم الحجة، بل الحجج والبراهين. وذلك يستفاد من هذا الجمع ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾، فلم تأتهم آية واحدة، بل آيات متتابعات كثيرات شرعية وكونية، ومع ذلك كفروا وكذبوا بها، فاستحقوا العقوبة والعذاب في الدنيا والآخرة، وعذاب الآخرة أشد، وهو الخسارة الحقيقية. وقوله ﴿أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾ أي قال: هي، أي النار، بئس المصير، بئس العاقبة، وبئس كذلك المنتهى. وهذه الخسارة الحقيقية أن يخسر الإنسان ليس فقط رأس المال، بل ويخسر نفسه. حب أن إنسانًا ذهب للتجارة يرجو الربح، فلم يستفد شيئًا من الربح، هذا خاسر، وزاد على ذلك خسر رأس المال، هذا خاسر أكثر، وزاد فوق ذلك أن خسر كذلك روحه في هذه التجارة، فهذه الخسارة العظمى. فكيف في يوم مقداره خمسين ألف سنة يُعذَّب فيها أهل النار، لا ينقطع عنهم العذاب، ويكون إلى أبد الآبدين؟ فإنها أعظم الغبن والخسارة، ولهذا سمي ذلكم اليوم العظيم بيوم التغابن، أي الذي تكون فيه خسارة ليس بعدها خسارة. ولهذا يقول بعض أهل العلم كما جاء معناه عن عدد من الصحابة والتابعين: إنه لا خسارة أعظم من أن يدخل النار من كان له سبيلًا يدخل الجنة، فإنها أعظم الخسارة. وجاء عن ابن عباس ومجاهد وجماعة في تفسير ذلك يوم التغابن قال: إنه يوم القيامة؛ لما يكون من خسارة الكافرين في ذلكم اليوم العظيم، وفوز المؤمنين. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.