الدرس في تفسير سورة التغابن من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتحدث الآيات عن علم الله الشامل وتحذر الكافرين بمصير الأمم السابقة. يُبين المفسر أن الله يعلم كل شيء ويجازي عليه.
يشرح العذاب الذي ينتظر الأمم المكذبة في الدنيا والآخرة، ويبدأ عذاب الآخرة من القبر حتى يوم القيامة. كما يشير إلى حكمة الله في إرسال الرسل.
يشرح دلالة آية على غنى الله عز وجل عن خلقه ويبين معنى استغناء الله عن إيمان الناس، ويقدم تفسيرين للآية ويبرز صفات الله كالغنى والحمد.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعبر عن التقدير والاحترام للنبي.
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ قال المفسر رحمه الله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما فيها من الأسرار والمعتقدات، أَلَمْ يَأْتِكُمْ يا كفار مكة نبأ، خبر الذين كفروا من قبل، فذاقوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ عقوبة الكفر في الدنيا، وَلَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ أَلِيمٌ مؤلم، ذَلِكَ أي عذاب الدنيا، بِأَنَّهُ ضمير الشأن كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الحجج الظاهرات على الإيمان، فَقَالُوا أَبَشَرٌ أريد به الجنس يَهْدُونَنَا، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا عن الإيمان، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن خلقه، حَمِيدٌ محمود في أفعاله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة سورة التغابن، وبعد أن ذكر عموم خلقه سبحانه وتعالى السماوات والأرض، وحسن كذلك تصويره لهذا الإنسان، وذكر وأعذر وأنذر، ووعظ بالرجوع إليه، أتبع بهذه الآية في سعة علمه سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه من خلقه شيء من أمرهم، لا سره ولا علنه، فالكل يعلمه سبحانه وتعالى، وهي مناسبة للآيات التي قبلها: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قال: بما فيها من الأسرار والمعتقدات. وإذا كان يعلمها فهو سبحانه وتعالى يجازي عليها، يجازي حسنها بالحسن، للحسن، وسيئها بعدله سبحانه وتعالى، في الذين أحسنوا الحسن وزيادة. وقوله سبحانه: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ» قال: يا كفار مكة؛ لأن الخطاب لأهل مكة والآيات مكية، «نَبَأُ» قال: خبر، والنبأ أبلغ وأكبر من الخبر، والمعنى ألم يأتيكم ما شاع وذاع من أخبار الأمم السالفة والسابقة، فالله عز وجل جعل لها أنباء أي أخبار شائعة يكون فيها العظة والعبرة، فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه لم يبلغ ذلك؛ لأن أمرهم صار من الأنباء أي الأخبار الشائعة المشهورة التي صار يضرب الناس بها الأمثال. وقوله: «الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» يعني الأمم السابقة: عاد وثمود، وهم من أقرب الأمم للعرب، وهكذا كذلك ما أصاب أمم الأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام، «فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ» قال: عقوبة الكفر في الدنيا، وأمرهم يشمل الكفر وكل ما يلحق به مما كان سببا، فتلك العقوبات، فمنهم من عذب بالكفر، وبخص الميزان، ومنهم من عذب بسبب الكفر وفعلهم الرديلة، ومنهم من عذب بسبب الكفر وغيرها من أنواع المظالم والسيئات والموبقات، ولهذا قال: «وَبَالَ أَمْرِهِمْ»، فكل أمة لها أمرها، ولها خبرها، وأنباءها التي علمها القاصي والداني، وصار يضرب بها الأمثال. وقوله: «وَلَهُمْ» قال: في الآخرة؛ لأنه ذكر أمر الدنيا، فعلم أن التالي أمر الآخرة، «عَذَابٌ أَلِيمٌ» يعني فوق العقوبة التي أصابتهم فأهلكتهم، فإنهم ينتظرهم عذاب أليم، وأول منازل الآخرة القبر، يعذبون فيها، أعادنا الله وإياكم من عذاب القبر، ثم بعد ذلك عذاب يوم القيامة، إلى أن يدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، كل هذه المراحل من الآخر. كما قال الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فعلم أن هناك نار غير النار يوم القيامة، وهي النار التي يعذب فيها الكافر والفاجر في قبره، فإنه إما أن يفتح له نافذة إلى الجنة إن كان من أهلها، أو إلى النار إن كان من أهلها، فالأول يأتيه من نعيمها وسرورها، والثاني يأتيه من عذابها وسمومها، وهذا عدل الله سبحانه وتعالى. وقوله: «ذَلِكَ» قال: أي عذاب الدنيا، الإشارة إلى القريب بالبعيد فيه لفتة بلاغية عظيمة، وذلك لأجل وضع العظة والعبرة، فإذا بعد القريب أفاد ذلك معنى زائدا عن مجرد الإشارة، وذلك ما أريد التعرض به، فكأنه يقول: مهما بعد فهو ليس عنكم بقريب، ليس عنكم ببعيد، مهما بعد فليس عنكم ببعيد، فانظروا كم أصاب الأمم مع تباعد أزمانها، فصارت جميعا في خبر كان، وكذلك أنتم لا تأمنون أن يصيبكم ما أصابهم. وقوله: «بِأَنَّهُ» قال: ضمير الشأن، لأجل أن يشير رحمه الله أن الآية تضمنت مشارا إليه، وهو ما ذكرها هنا من أمر هؤلاء الكفار وما أصابهم، فما أصابهم له شأن، ولهذا أشير إليه وذكر في ضمير الشأن: «كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ» قال: الحجج الظاهرات، والبينات أعظم من الظهور؛ فما سميت بينات لوضوحها وظهورها وقيام قيام الحجة والبرهان بها، وهكذا الرسل عليهم الصلاة والسلام يرسلون بالآيات الواضحات البينات الظاهرات التي فيها حجج وبراهين على أممهم، من الأمر بالإيمان، وغير ذلك مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقوله: «فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا» قال: أريد به الجنس، يشير بهذا رحمه الله إلى أن «بشر» لفظ يطلق على الفرد والجماعة، ليس له واحد من جنسه، ولهذا قال بعده: «يَهْدُونَنَا» والمراد بهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فظاهر لفظه واحد، ولكنه يعبر به عن الجماعة، أي الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقد استنكر واستنكف المشركون أن تكون الرسالات في بشر، وزعموا أنها إن جاءت في ملائكة لقبلوا، ولكنهم كاذبون في ذلك، والله عز وجل لعظيم حكمته أرسل الرسل من نفس جنس البشر؛ لكي يحصل بهم الاتعاظ والاعتبار والانتفاع والتعليم والاكتساب وغير ذلك من المعاني الأخرى. بل لو جاءت الرسل من الملائكة لكان هذا مدعاة لامتناع الكثير بادعائهم أن هؤلاء جنس غير جنسنا، فنحن لا نستطيع أن نفعل ما يفعلون، ولهذا لما طالب المشركون بهذا الطلب، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يعني: حتى لو جاءكم الملك فإنه سيأتيكم في صورة البشر؛ ليحصل منه الانتفاع والاتعاظ. وقد وقع هذا، وقد أرسل الله عز وجل جبريل عليه الصلاة والسلام في صورة بشر يعلم الناس دينهم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، ومعناه في حديث عمر في صحيح مسلم، جاء يعلم الدين ومراتبه: الإسلام والإيمان والإحسان، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب ويصدقه على جوابه، حتى تعجب الصحابة رضي الله عنهم، وإنما أراد أن يعلم الصحابة والناس دينهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «أن هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». وقوله رحمه الله تعالى: «فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا» قال: عن الإيمان، كما قلنا هذا بعض المعنى، كفروا بأصل رسالة الرسل والكتب المنزلة والإيمان الذي دعوا إليه، وغير ذلك من التفاصيل التي جاءت بها الرسل كل بحسبه، وجعل الله عز وجل لكل نبي ورسول شريعة بحكمة منه سبحانه وتعالى، بحسب حاجة الناس وأمم أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام. وأما أصل التوحيد والعقيدة فدعوة الأنبياء والرسل واحدة عليهم الصلاة والسلام. وقوله: «وَاسْتَغْنَى اللَّهُ» قال رحمه الله: عن إيمانهم، وذلك أن كل من أعرض استغنى الله عز وجل عنه، وسرت الآية بتفسيرين: التفسير الأول: «وَاسْتَغْنَى اللَّهُ» أي: لما أعرضوا قوبلوا بالمثل، ولما زاغوا زاغ الله قلوبهم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وتفسير آخر: «وَاسْتَغْنَى اللَّهُ» أي: بمن أطاعه عن من عصاه، وبمن أجابه عن من لم يجب، وكل التفسيرين صحيح. وعلى المعنى الأول يكون تفسير قوله: «عَنْ إيمَانِهِمْ»، وعلى المعنى الثاني: عن من آمن لم يؤمن. وقوله: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ» قال: عن خلقه، وهو سبحانه وتعالى له الغنى المطلق جل وعلا، والمراد بهم ها هنا أهل الشرك والعناد، «حَمِيدٌ» أي: محمود في أفعاله، وفيه إشارة كذلك إلى أن قدر الله عز وجل وما يقع للناس من إيمان وكفر كله مما يمدح عليه الرب سبحانه وتعالى؛ إذ به يظهر عدل الرب جل وعلا في إكرام المؤمنين وتعذيب الكافرين. فالله عز وجل أقام الحجج والبراهين والبينات الواضحات، ومع ذلك كفر من كفر وأعرض من أعرض، فإذا عذبهم عذبهم بعدله سبحانه وتعالى، وهو الغني جل وعلا، وهكذا كذلك يحمد على إجازة المحسنين وعاقبة الكافرين، فهذا هو العدل، ألا تستوي عاقبة أهل الإجابة والإحسان وأهل الإباء والعصيان، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، ولهذا فهو يحمد عليه على ذلك كله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه السلام.