الدرس في مفيد المستفيد 17، الدرس السابع عشر:من( المسألة الثانية:الإقرارا بأن هذا هو الشرك الأكبر ... وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش بداية الشبهة التي يثيرها أهل الشرك والعناد حول الكفر بفعل الشرك الأكبر، ويبدأ في توضيح بطلان هذه الشبهة. يبين أن من فعل موجب الكفر وعلمه فهو كافر مرتد.
يتناول تفصيل الرد على مزاعم أهل الشرك باستخدام الآيات القرآنية والاستدلالات الشرعية، ويبين أن الشرك الأكبر يكفر صاحبه حتى وإن ظل يدعي الإسلام. يشرح أيضًا بطلان قولهم من خلال الأدلة.
يشرح خطورة الشرك على الأعمال الصالحة، حيث يحبطها حتى لو كان فاعلها نبيًا، ويبين عظم جريمة الشرك وأنه لا يمكن أن يكون الشخص مسلمًا مع وجود الشرك في دينه. يدلل على ذلك بالأدلة الشرعية.
يرد على قول باطل ويعتبره فضيعة عظيمة، مشيرًا إلى أن هذا المعنى تمت مناقشته سابقًا، ويعتبر هذا الرد كافيًا لإبطال الشبهة المثارة. ينهي الكلام هنا معتبرًا أن هذا كافٍ للرد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر، ولكن لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول والقرآن، واتبع يهودية أو نصرانية أو غيرهما. وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات. وهذه شبهة أخرى، فيزعمون أنه لا يكفر ولا يرتد إلا من خرج من دين الإسلام جملة، لا من فعل شيئًا واحدًا حتى يصير يهوديًا أو نصرانيًا أو ملحدًا كما تقدم. وهذا ليس بصحيح، بل من فعل موجب الكفر وعلمه، فهو كافر مرتد، ولو كانت في خصلة واحدة، ولكن بشرط أن يكون ذلك الفعل فعله كفرًا في دين الإسلام، وثانيًا علمه بذلك. قال: وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات، وإلا المسألة الأولى قل الجدال فيها ولله الحمد. وهذا بزمن المؤلف، رحمه الله، ولا يلزم أن يكون كل زمان كذلك، فإن أحوال الناس وعلومهم ومعارفهم وشبههم وملبسي الشبه عليهم يختلفون في كل زمان ومكان. قال رحمه الله: «قل الجدال فيها ولله الحمد؛ لما وقع من إقرار العلماء المشركين بها؛ لأن الناس الذين كانوا على ذلك لهم علماء سوء من أهل الشرك، فلما أقر علماء السوء - وهم قدوتهم - أقروا تبعًا لذلك». قال: «فاعلم أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها من غير دليل خاص؛ لوجهين»، يعني: أنك لو تصورت المسألة تصورًا صحيحًا، علمت أنها باطلة؛ لأنه قد علم من أدلة كثيرة أن في أحكام الإسلام أشياء قد يفعل الواحد منها فعلًا واحدًا يكون موجبًا للكفر. فأولئك القوم الذين استهزأوا بالنبي، عليه الصلاة والسلام، والقراء، نزل قرآن في تكفيرهم، وهم يصلون ويصومون ويحجون، بل ويجاهدون، بل وكانوا في وقت جهاد، لكن قالوا الذي قالوا، فنزل قرآن يكفرهم. قالوا: «ما رأينا مثل قراء هؤلاء؛ أكبروا بطونا، وأجبنوا عند اللقاء»، فنزل القرآن في تكفيرهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. جاءوا إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، قالوا: «يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونعب، وإنما هو من مجالس - من حديث المجالس الذي تملأ به المجالس - أو كما قالوا»، فما زاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تلا عليهم الآيات، ولا يجيب بغيرها: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «يكفي فاعلم أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها من غير دليل خاص»، يعني: في عين المسألة، لوجهين: الأول: أن مقتضى قولهم: أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير؛ لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن، فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان - كاليهود - فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر؛ لأنه مسلم، يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويفتعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، أو العمى، أو العرج. فإن كان صاحبه يدعي الإسلام، فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها، فهو كافر. وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفضيع. معنى هذا الوجه يقول رحمه الله: لو كان الأمر كما زعم هؤلاء: أن فاعل الشرك لا يكفر حتى يخرج من دين الإسلام جملة، فيصير يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا بالجملة، لا بفعل أحد الشرك. قال: «لزم من ذلك أنه يفعل الشرك الأكبر، ويقول: لا إله إلا الله، فيكفي أن يكون مسلمًا»، وهذا باطل. قال: «ويلزم من ذلك أن يكون حاله كحال من به عاهة، وهو حي، فتقول: هذا رجل أبيض، فيه شامة سوداء، هذا رجل صحيح، في رجله عرج»، فكأنهم يزعمون أن خصال الشرك ليست موجبة للكفر والشرك، ولكنها موجبة للنقص فقط، فكأنهم يقولون: «هذا مسلم، يقول: لا إله إلا الله، لكن عنده خطأ، يسجد لغير الله، ويدبح لغير الله، ويدعو غير الله»، وهذا باطل، ليس بصحيح؛ لأن أدلة القرآن والسنة دلت على أن العمل الكثير يبطل، ولو فعل شركًا صغيرًا، ما دام أنه شرك أكبر، يخرج من دين الإسلام. قال الله عز وجل لنبيه، عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله المنزه عن الشرك، لكن لأجل أن يبين ربنا جل وعلا للناس أن أمر الشرك في دينه سبحانه عظيم، وهو كذلك أمر أخضر به الأنبياء من قبله، قال ربنا سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ما هو هذا العمل الذي يحبط عمل نبي؟ ما تظنون بعمل النبي؟ فيه لا إله إلا الله، فيه صلاة كثيرة، وصيام كثير، وأشياء عظيمة من الطاعات والقربات، ومع ذلك إذا وقع الشرك، فإن ذلك كله يحبط، يزول، وينتهي، ولا يكون له وزن. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فأفاد ذلك بطلان هذه الدعوة التي هي دعوة باطلة، ليست بالصحيحة؛ فليس الشرك مثل المعاصي، المسلم ممكن يكون عاصيًا، نقول: مسلم ناقص في إسلامه، مؤمن ناقص في إيمانه، لكن لا يمكن أن يكون مسلمًا معه شرك أبدًا. ويدل على ذلك هذه الأدلة، وأدلة خاصة كثيرة. ومن ذلك حديث «ذات أنواق»، حديث «بواقد الليثي»، فإنهم مروا بسدرة، فقالوا: «يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواق»، يعني: كما أن للقوم - للمشركين - ذات أنواق. فقال النبي، عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله»، وفي رواية: «الله أكبر، إنها السنن». والله لقد كلتم كما قال أصحاب موسى: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». لما قالوا هذه الكلمة بجهل بيّن لهم النبي، عليه الصلاة والسلام، أنها شرك، ولو أصروا، ماذا يكون الحكم؟ يكون أنهم طلبوا الشرك، فيقع لهم ما وقع لأصحاب موسى، لكن لما تبين لهم ورجعوا، فكان ذلك عذر وعفو. فهو عمل واحد: جعل شجرة يظنون أنها تنفع وتضر، يعلقون عليها الأسلحة للنصر والقوة. فكيف بمن يأتي إلى قبر، ويذبح، وينذر، ويدعو، ويطوف، ويسجد، ويصلي، ويفعل أنواعًا من العبادات لا تجوز أن تكون إلا لله سبحانه وتعالى؟ كيف لا يكون هذا شركًا ومحبطًا لعمل صاحبه؟ ومر معنا كذلك في أوائل الكتاب أشياء كثيرة تؤيد هذا المعنى. فلهذا قال: «واكتفى بقوله: رحمه الله: وإن ادعى ملة غيره فهو كافر». وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفضيع؛ لأنه سبق الكلام على هذا المعنى في كلامه المتقدم. طيب، نكتهي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.