الدرس في كتاب البيع 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يشرح الحديث النبوي حول الربا وأقسامه الثلاثة: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا الدين أو القرض. ويتناول معاني الشروط المذكورة مثل التساوي ويدا بيد.
المقطع يبين تحريم التفاضل في بيع المطعومات من جنس واحد ويشرح الحكمة من هذا الحكم الشرعي في تجنب الربا. ويوضح ضرورة بيع الرديء أولًا بالدراهم ثم شراء الجيد.
يناقش المقطع حكم الزيادة في الأصناف الربوية ومسألة إلحاق أصناف أخرى بالأصناف الستة المذكورة في الحديث. ويبين اختلاف أهل العلم في العلة في الربا وتعدد آرائهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي بعض ما يتعلق بأوائل كتاب أوائل باب الربا، وعلمنا فيه أقسام الربا وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا الدين أو القرض. وعلمنا في أصل هذا الباب حديث عبادة، وجاء معناه عن نبي سعيد رضي الله تعالى عنه، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة» مجموعة من المسائل المتعلقة بهذا الحديث وإيضاحها ودخولها في أصناف أو أقسام الربا المتقدم ذكرها. فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث إلى أن قال: «مثلا بمثل، يدا بيد»، فاشتراط التساوي هذا تجنبًا للوقوع في أي نوع من أنواع الربا، نعم ربا الفضل. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يدا بيد» يدخل في أي نوع من أنواع الربا؟ نعم، ربا النسيئة يدخل في معنى النسيئة من الربا أو من أقسام الربا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم» إذا كان يدا بيد يدخل في أي قسم؟ عائض النسيئة. فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. وعلمنا فيما سبق أن هذا الذكر للذهب والفضة على الصحيح ليس حصرًا، بل هو ذكر لما كان مشاعًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه معنى الثمنية. فالذهب والفضة هما عملات أهل ذاك الزمان، فلهذا ألحق جمهور أهل العلم بالذهب والفضة ما كان بمعناه، وكان بمعنى الذهب والفضة مما فيه معنى الثمنية، مثل العملات الورقية، فيلحق بالذهب والفضة العملات الورقية، فيكون فيها ما سبق ذكره مما جاء في الحديث. ومر معنا معنى أمثلة في ذلك. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح»، كذلك ذكر لأصناف أربعة تتمة الستة، هي من الأصناف الربوية التي يجري فيها على ظاهر هذا الحديث ربا الفضل وربا النسيئة. وسيأتي معنا إن شاء الله أن ما ذكر في هذا الحديث جاء الترخيص في بعضه في أحاديث أخرى. ولهذا قال بعض أهل العلم: أن إجراء الربا في المطعوم نسخ بأحاديث السلم. وإجراء الربا في المطعومات نسخ بأحاديث السلم، ويريدون بأحاديث السلم حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، وكلاهما في الصحيح، وفيه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يسلفون السنة والسنتين. والسلم هو تقديم المال وتأخير قبض السلعة، تقديم المال وتأخير قبض السلعة. وأحيانًا لا يكون المشترى به مالًا وإنما يكون شيء آخر، كما جاء في بعض روايات الحديث أنهم كانوا يأخذون من أهل الشام الزيت ونحوه. فالشاهد كونهم يقبلون هذا الشراء مع تأخير القبض، استدل به العلماء على أن هذا يدل أن المطعومات لا يشترط فيها التقابض، يعني لشدة حاجة الناس إليها رخص فيها البيع والشراء مع عدم التقابض. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر»، كونه لا يجوز التفاضل إذا كان من جنس واحد، هذا باقٍ على ظاهر هذا الحديث، وعلى ما جاء في أحاديث أخرى. كذلك من هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وعبادة معًا رضي الله عنهما، في قصة من أتى للنبي صلى الله عليه وسلم في خيبر بتمر جنيب، يعني طيب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكل تمر خيبر مثل هذا؟» فقال: «لا والله يا رسول الله، إن لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة» يعني من غيره من الرديء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل»، وفي رواية لمسلم قال: «هذا الربا»، فأمر برده، فأمره أن يبيع يعني الأول بالدراهم، ثم يشتري الجنيب، أي يشتري الطيب. فعلى هذا لا يجوز شراء البر بالبر وهو غير متساوي، ولو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، ولكن بيع الرديء أو الجيد، واقبض ثمنه، ثم اشترِ الآخر. ومثله لا يجوز شراء الشعير بالشعير متفاضلًا، ولو كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، ولو كانت القيمة الحقيقية لأحدهما هي ضعف قيمة الآخر. فإن قال قائل: لماذا هذا التطويل؟ وهو في الحقيقة سيشتري الصاع من هذا بالصاعين إذا كان قيمته الضعف؟ فالجواب: أولًا امتثل سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإن الله عز وجل شرع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما فيه الصلاح للناس، علمت بالحكمة أو لم تعلم بالحكمة. وهذا هو الواجب على المسلم أن يستسلم للشرع، سواء علم بالحكمة أو لم يعلم بالحكمة. والأمر الثاني أن هذه المعاملات وإن كان في الغالب لا يظهر للناس فيها علة، إلا أن الشرع لحكمة عظيمة نهى عنها، وإن لم يعلم هذا الإنسان العلة. ومما ذكره أهل العلم في ذلك ألا يكون في ذلك استشراف، لأخذ حق الناس بالباطل، يعني إذا صار التمر والتمر الرديء يؤخذ بأضعاف بالنسبة لمقابل الجيد، هذا ليس له حد. إذا كان هذه السنة أخذ بصاعين، فربما إذا قل أخذوه بكم؟ بثلاث صاعات، وربما انتقل إلى أربعة إلى خمسة، فكان في هذا أخذ لحق الغير بغير حق. بخلاف ما إذا كان بيعًا بثمنه، الغالب أن الثمن يثبت قيمة التمر أو غيره من المبيعات إذا اشتري بالدراهم، فإنه في الغالب يثبت؛ لأن البيع والشراء بالدراهم ثابت. بخلاف ما إذا كان شراءه من جنسه، فإنه يحصل فيه الربح غالبًا، وفي هذا أخذ لحقوق الناس بغير حق، مع ما فيه من تعويد النفس على الجشع وعلى الطمع في أيدي الناس. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، الآخذ والمعطي فيه سواء. فمن زاد أو ازداد، زاد بالإعطاء أو ازداد أي طلب الزيادة. وفيه دليل أن حصول الزيادة بطلب أو بغير طلب لا يجوز، وأن الآخذ والمعطي سواء، وأن الطالب والآخذ بغير طلب سواء. لا يقول قائل: أنا ما طلبت، هو أعطاني بغير طلب، لا يجوز هذا، بل الإثم يلحق الجميع، ولو لم يحصل الطلب ولو لم يحصل الطلب للزيادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: «وفي إلحاق غيرها بها خلاف». وهذه مسألة أخرى من مسائل هذا الباب، هل يلحق بهذه الأصناف الستة غيرها من الأصناف؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب الظاهرية إلى القول بظاهر الحديث، وأنه لا يلحق بها غيرها، وأن الأصناف الربوية هي هذه الستة فقط. وذهب بعض أهل العلم، بل جمهور أهل العلم إلى أنه يلحق بها غيرها، ثم اختلفوا في علة الإلحاق. فذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن علة الإلحاق القوت، أي كونه مما يقتات ويطعم، وما يصلح يعني بمعنى التقوت، وهو في جنس المدخر، يعني في غالب عادة الناس وعرفهم. فإذا كان كذلك فعنده يلحق بهذه الأصناف الستة. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. ومثل هذا الحكم خصوصًا، خصوصًا وقد جاءت النصوص تؤيد هذا المعنى، ليس منحصرًا بهذه الأصناف الستة المذكورة. وقد رجح شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله أن العلة في الربا والفضل هو الكيل والوزن مع الطعم. ورجح ابن القيم رحمه الله هذا المعنى مع ما فيه معنى القوت والادخار. ومن تأمل هذه الأحاديث وجد أنها تدور على ثلاثة معاني: المعنى الأول المذكور في الذهب والفضة هو الثمنية، فكل ما كان فيه معنى الثمنية فيلحق بالذهب والفضة. والمعنى الثاني المذكور في أصناف ما ذكر في الحديث هو الاقتيات بأن يكون غالب قوت الناس والكيل أو الوزن، فليس هو منحصرًا بالكيل، سواء كيل أو وزن، فإنه يلحق به. وأشار الشارح رحمه الله إلى ما جاء في بعض روايات أحاديث معنى الربا إلى هذا المعنى. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام»، نهى عن ذلك كله. وفي لفظ لمسلم: «وعن كل ثمر يفرصه»، فهذا أولًا أدخل فيه الزبيب، وليس الزبيب من الأصناف الستة، وهذا يؤكد أن الأصناف الستة ليست للحصر. وفي الصحيحين في رواية حديث أبي سعيد وعبادة في قصة تمر خيبر، جاء في لفظ بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابتع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»، يعني بيع الرديء أولًا وقبض دراهم الرديء، ثم اشترِ بهذه الدراهم التمر الجيد. ثم قال الراوي: «وقال في الميزان مثل ذلك»، وفسر العلماء معنى قوله: «وقال في الميزان مثل ذلك»، أي قال النبي صلى الله عليه وسلم في الموزونات مثل ما قال في المكيلات، أي حكم الموزون مثل حكم المكيل، لا فرق بين الموزون وبين المكيل؛ لأن العلة تجمع الأمرين معًا. نكتفي بهذا ونترك الباقي لدرس قادم.