الدرس في كتاب البيع 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ناقش الشيخ مسائل الربا المتعلقة بالإلحاق بالأصناف الستة والتقابض عند اختلاف الأجناس، مع استثناء المطعومات وتطرق إلى خلاف العلماء في شراء الطعام بالطعام بدون تقابض. وأوضح أن هذه المسائل تشمل ضوابط الإلحاق واختلاف العلماء في بعض الحالات.
أوضح المقطع تحريم بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي، مثل بيع كيس بر بكوم بر، وشراء صاع تمر بصاعين تمر، لما ورد في الحديث النبوي عن النهي عن بيع الغرر والمجهول. الجهل بالتساوي يعتبر كالعلم بالتفاضل في تحريم البيع.
ناقش المقطع أحكام بيع الرطب بالتمر، وبيع العرايا، وبيع اللحم بالحيوان، وبيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه، وتحريم بيع العينة والتحايل على الربا. كما تطرق إلى التفرقة بين بيع العينة والتورق، وشروط جواز التورق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض المسائل من مسائل باب الربا، وكان مما أخذناه ما يتعلق بمسألة الإلحاق، فهل يلحق بالأصناف الستة غيرها مما لم يذكر في هذه الأصناف الستة؟ الجواب نعم، يلحق. وما هو الضابط في هذا الإلحاق؟ إن قال لك قائل: التفاح يوزن، التفاح يوزن، فكيف نلحق التفاح؟ نعم، ليس من غالب القوت، إذن الضابط هو أن يكون من غالب القوت، وهو أن نقول: ما كان بمعنى هذا المذكور أحد الستة المذكورة، إما أن يكون من غالب القوت، فما يوزن بما يوزن، وما يكال بما يكال. نعم، فيلحق بالبر والشعير سائر أنواع الطعام مما هو غالب القوت، كالذرة والشام، وكذلك الأرز وما كان بمعناه من غالب الحبوب المطعومة مما هو غالب قوت الناس. وما هو الدليل على هذا الإلحاق؟ نعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في ذلك الطعام: «بالطعام مثلا بمثل» حديث معمر بن عبد الله في صحيح مسلم. وهكذا يلحق بالتمر ما كان بمعناه مما يقتات وهو حلو، ما كان بمعناه مما يقتات وهو حلو، فإن وجد شيء مثله فكذلك. وقد جاء النص في ذكر ماذا؟ الزبيب، الزبيب، جاء النص بزيادة الزبيب، وأشار الشارح رحمه الله إلى ذلك، إذن ليس هذا محصورًا بالستة. وهل يلحق شيء آخر غير الزبيب؟ نعم، قال بعض أهل العلم: يلحق به إذا كان مما يقتات، فهو كالتمر والزبيب، مثل ماذا؟ مما يؤكل رطبًا وجافًا ويقتات به، التين، التين يلحق بالتمر والزبيب؛ لأنه يقتات رطبًا ويابسًا كالتمر يقتات رطبًا ويابسًا، والعنب يقتات رطبًا ويابسًا، والتين يقتاته كذلك رطبًا ويابسًا. عندكم شيء آخر؟ فيندر، يقتات رطبًا ويابسًا، المشمش يؤكل رطبًا ويابسًا، نعم، إذا كان كذلك فنعم، إن كان مما يقتات رطبًا ويابسًا فيلحق به. يقول أخونا واصل: عندهم المشمش والموز، هكذا يواصل، الموز يجفف، طيب، كذلك يقال. وهكذا يلحق بالملح كل ما كان بمعناه مما هو مكملات الطعام، كسائر البهارات التي يقتات بها، التي يقتات بها. قال رحمه الله: «وفي الحاق غيرها بها خلاف» ومر معنا أنه إن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد. وهذه مسألة أخرى من مسائل الربا، أن الأجناس إذا اختلفت فلا بأس بتفاضلها إذا كان يدا بيد، ومعناه أنه يسقط شرط التفاضل، ويبقى شرط ماذا؟ التقابض، يسقط شرط التساوي، ويجوز التفاضل، ويبقى شرط التقابض. وأشار في الشرح إلى حديث عبد الله أو عباد بن الصامت، ومر معنا في أحد ألفاظه: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» إذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، يجوز أن تشتري الذهب بالفضة غير متساوي؛ لأن قيمة الذهب غير قيمة الفضة، لكن لابد من التقابض. ويجوز أن تشتري الشعير بالبر كذلك غير متساوي؛ لأن قيمة البر غير قيمة الشعير، لكن لابد من التقابض، هذا هو الأصل في هذا الباب. فإذا اختلفت قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» وهكذا كل ما يلحق بمعنى الأصناف الستة، فالذهب والفضة يلحق به العملات الورقية لعلة الثمانية، فيجوز شراء مثلا الريال اليمني بالريال السعودي مختلفًا؛ لأن قيمة هذا غير قيمة هذا، لكن بشرط أن يكون ماذا؟ التقابض في نفس المجلس. ومر معنا التنبيه على مسألة الحوالات التي يختلف فيها الصرف ولا يحصل التقابض، فلا يجوز إلا للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات على ما سبق تفصيله وذكره في أوائل هذا الباب. وهكذا كذلك يقال في الذهب والفضة وسائر الأصناف الستة، هذا هو الأصل، إلا أن العلماء استثنوا المطعوم من هذه المسألة، استثنوا المطعومات، واستدلوا على ذلك بأحاديث السلم، حديث السلم، حديث عبد الله بن أبي أوفى وعبد الله بن عباس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم» فهذا الحديث وسيأتي معنا إن شاء الله تفصيله وشروط التعامل بالسلم في باب خاص سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. فهذه الأحاديث مع حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري وغيره، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهود لطعام أخذه منه، فقالوا: هذا فيه دليل على جواز شراء المطعوم بغير تقابض، شراء المطعوم بغير تقابض، وهذا إذا كان بالدينار والدرهم. وهل إذا كان بغير الدينار والدرهم يلحق به؟ يعني يجوز أن تشتري البر بالدين، ويجوز أن تشتري الملح بالدين مع أن الأصل في هذا الحديث: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم إذا كان ماذا؟ يدا بيد» ظاهره أنه لا يجوز إلا التقابض فيه في كل الأصناف الستة وما كان بمعناها. لكن هذه الأحاديث، أحاديث السلم، وهكذا حديث عائشة في شراء النبي صلى الله عليه وسلم الطعام من اليهود بالرهن، دل على أنه يجوز مع عدم التقابض شراء أحد الأصناف الربوية إذا كان مطعومًا مع عدم التقابض. أما بالمال فحديث عائشة صريح فيه، أي يجوز بدون التقابض. وأما إذا كان بغيره مما هو من الأصناف الربوية، فهل يجوز؟ هل يجوز شراء بر بشعير أو بر بملح مع عدم التقابض؟ أما التفاضل فلا شك؛ لأن قيمة الملح غير قيمة البر، وقيمة الشعير غير قيمة البر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت فبيعوا كيف شئتم» لكن قال: «إذا كان يدا بيد» فهل يبقى إذا كان يدا بيد؟ معنى أنه لا بد أن يحصل التقابض فيه. قال بهذا جمع من أهل العلم، وقال آخرون: أنه يجوز؛ لأحاديث السلم؛ لأن أحاديث السلم مطلقة، وفيها أنهم كانوا يسلمون في الطعام السنة والسنتين، فيأخذون من أهل الشام الزيت وغيره، فاستدل فاستدل به العلماء على أن هذا معناه جواز شراء الطعام بالطعام مع عدم التقابض ولو كان هذا الطعام من الأصناف الربوية؛ لأن هذا مما رخص فيه. فإذا يقال: إذا كان بالدينار والدرهم فهذا ورد فيه النص، فلا بأس به، يجوز أن تشتري البر بالمال مع عدم التقابض بالدين. وإذا كان بصنف آخر من الأصناف الربوية، ففيه خلاف، والأحوط تركه. وإذا احتاج الإنسان إليه، فلا حرج؛ لأحاديث السلم في هذا الباب، وتأتي في هذا أو في معنى هذه المسألة مسألة أخرى، وهي: إذا كانت الزيادة في نفس الجنس، لكن ليس على وجه الربا، مثل ما يكون في سداد الديون. هل يجوز استلفت من رجل مثلا كيس بر أو قل نصف كيس بر، ثم رددت له كيسًا كاملًا أو كيسًا إلا قليلًا، فرددت له كيسًا كاملًا؟ هل يجوز هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصواب أنه يجوز؛ لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء» وهذا عام. وورد حديث خاص في حديث جابر بن عبد الله في دين أبيه رضي الله تعالى عنهما، فكان على أبيه دين ثلاثين وسق من التمر ليهودي، فلما مات ولم يكن له سداد إلا ما في الشجر من تمر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحاولوا مع اليهودي أن يضع من الدين، يعني سامح، فأبى اليهودي إلا أن يأخذ ما له كاملًا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج مع جابر ما في الشجر من تمر، فصار ثلاثين وزيادة سبعة عشر وزقًا، فأعطاه أي لليهودي بالزيادة. فدل هذا على جواز الإعطاء بالزيادة في الدين إذا كان على غير الشرط. أما إذا كان بشرط، فهو ربا، لا يجوز أن يقول الإنسان: سأعطيك مئة على أن ترد لي مئة وعشرة، هذا هو عين الربا، وهو ربا الفضل الذي سبقت الإشارة إليه، وأنه مما كان يتعامل به في الجاهلية، هو محرم. وحديث جابر بن عبد الله جاء في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي، وإن صحبه غيره» وهذه مسألة أخرى من مسائل الربا كذلك، وهي أنه لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة، وهو قوله: «مع عدم العلم بالتساوي» مر معنا أنه لا يجوز التفاضل في الأصناف الربوية، ووضع العلماء هنا قاعدة فهمت من النصوص، وهي: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. كما أنه لا يجوز شراء صاع من تمر بصاعين من تمر، وكيس من بر بكيسين من بر، ما دام جنس واحد لا يجوز، كذلك لا يجوز شراء كيس من بر بكوم بجانبه من بر، ولا يجوز شراء صاع من تمر في الأرض بما في الشجرة، فهذا لا يجوز؛ لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. ودليل ذلك ما تقدم أولًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء» فأمر بالتساوي، فإذا كان جنس واحد فلا يجوز إلا أن يكون متساويًا، فإذا وقع الجهل لم يحصل التساوي. ولهذا قال العلماء: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتساوي، فكون أحد هذين الطرفين مجهول الكم أو الوزن أو العدد، هذا معناه أنه لم يحصل التساوي، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتساوي، قال: «مثلا بمثل وسواء بسواء» ويؤكده أحاديث، وأشار المؤلف رحمه الله في شرحه إلى حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر. ومعنى الصبرة: أي الكوم، الكوم من التمر بالكيل المسمى من التمر، لا يجوز مثل هذا البيع؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، فيدخل فيه النهي من جهتين، ما هاتان الجهتان؟ النهي فيه من جهتين هات يا بشير؟ الجهالة، نعم، وعدم التساوي، كونه من الأصناف الربوية، فالنهي من جهتين: الأولَى الجهالة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وهو كل بيع فيه جهالة. والثاني كونه من الأصناف الربوية، ولم يحصل التساوي، فالنهي وقع من جهتين. ومثله ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة والمحاقلة، بيع المزابنة والمحاقلة، وهكذا كذلك بيع المحاقلة هو بيع الحب على الأرض بما على الحقل، بما على الحقل، فهذا بيع معلوم بمجهول، ومثله بيع المزابنة، بيع التمر على الأرض بما على الأشجار، فهذا بيع معلوم بمجهول، ولا يجوز، والأحاديث في هذا كثيرة، فقد جاءت أحاديث كثيرة في النهي عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. فهذه الأحاديث كلها تدل على هذا المعنى: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، يعني في الأصناف الربوية، فلا يجوز بيع شيء بشيء مع عدم العلم بالتساوي فيه. وقوله: «وإن صحبه غيره» هذا ما يسمى عند الفقهاء بمسألة مد عجوة، وأشار في الشرح إلى حديث فضال بن عبيد في صحيح مسلم، أنه اشترى قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، والخرز لفصوص، قال: ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تباع حتى تفصل» استدل العلماء بهذا أنه لا يجوز شراء ذهب بذهب مع عدم تساوي الذهبين لوجود الفص في أحد الطرفين أو الفصوص في أحد الطرفين؛ لما سبق من النهي الذي ورد من الأمر بالتساوي في الذهب بالذهب. ولهذه القاعدة: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، كما أنه لا يجوز بيع شيء من الأصناف الربوية بجنسه متفاضلًا، كذلك لا يجوز بيع شيء من الأصناف الربوية بجنسه مع الجهل بالتساوي، مع الجهل بالتساوي؛ لأنه إذا حصل الجهل بالتساوي وقع النهي من جهتين: الجهة الأولى أنه بيع غرر، بيع جهالة، ولا يجوز بيع الجهالة. والنهي الثاني أنه بيع صنف من الأصناف الربوية غير متساوي، وهذا قد ورد النهي فيه. وهذا الكلام ليس فقط في الذهب والفضة، وإن كان هو يقع كثيرًا في الذهب والفضة، بعض الناس اليوم يبيع ذهب قديم بذهب جديد، يكون مثلًا الذهب القديم فيه فص، وزنه مثلًا خمسين جرام، يشتري به ذهب جديد وزنه أو العكس، عنده ذهب قديم صافي خمسين جرام، ويشتري به ذهب جديد خمسين جرام، لكن معه فصوص، فيكون ربح البائع من الذهب في ماذا؟ في الفصوص، فيرضى بأن يكون هذا مقابل هذا، فهل هذا يجوز بحجة أن الوزن واحد؟ الجواب لا، هذا لا يجوز؛ لأن الوزن ليس واحدًا في الحقيقة، ففي أحد الطرفين فصوص لا يعلم كم قدرها، فالجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لا يجوز هذا. وكما أنه لا يجوز في الذهب والفضة، فهو كذلك لا يجوز في غيره من الأشياء الأخرى، مثاله: لو أن شيئًا يوضع في علب، وزنه مع العلبة كيلو، مثلًا بر في علبة وزنه مع العلبة كيلو، فتشتري هذه العلبة كيلو بماذا؟ ببر على الأرض كيلو بر صافي، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن هذا خلط معه غيره، ولا يجوز مثل ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ولا بيع الرطب بما كان يابسًا إلا لأهل العرايا» كذلك من المسائل أنه لا يجوز بيع الرطب بجنسه إذا كان يابسًا، وهذا يدخل في معنى المسألة السابقة: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لكن هذا من ذكر الخاص بعد العام، تنبيهًا عليه لأهميته؛ لما كانت هذه المسائل يكثر الوقوع فيها، وربما كان من الفائدة تنبيه الناس على أعيانها، جاء في الشرع التنبيه عليها، كحديث فضال بن عبيد في الفصل، وهكذا كذلك أحاديث النهي عن بيع الرطب بالتمر. فقد جاء بالصحيحين من حديث سهل بن أبي حاتمة رضي الله تعالى عنه، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر، يعني ثمر التمر وهو الرطب. وقوله: «الثمر» هذا عام يشمل ثمر كل نوع من أنواع الثمار، فلا يجوز بيع العنب بالزبيب، لا يجوز بيع الرطب بالتمر. وفي السنن عند أبي داود، ورواه كذلك الإمام مالك، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم يا رسول الله، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فهذان الحديثان يدلان على عدم جواز بيع الرطب بالتمر، وأن بيع الرطب بالتمر مما يدخل فيه النهي من جهتين: أولًا لأنه بيع فيه جهالة. والثاني لأنه كذلك بيع في الأصناف الربوية مع عدم العلم بالتساوي، وسبق أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. ومثله كذلك كل جنس رطب بجنسه يابسًا، كالبر الذي على الأرض يابس بالبر الذي على الشجر أخضر، ونحوه كل ما كان بمعناه. ومنه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المحاقلة، وهو ما على الحقل بما على الأرض، وما كان بمعناه كذلك. وقوله: «إلا أنه رخص في بيع العرايا» أشار بالشرح إلى معنى بيع العرايا، وأنه بيع رخص لأهل الإسلام لأجل حاجة الفقراء إلى الرطب، وليس عندهم ما يشترون به الرطب، ولكن عندهم تمر، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتري هؤلاء الفقراء الرطب بالتمر، لكن بشروط. فمن شروط العرايا: الشرط الأول أن يكون في خمسة أوسق أو أقل؛ لما جاء في صحيح البخاري وغيره، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: «رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من شروطه أن يكون مآل الرطب مثل التمر، يعني أن تخرص، ولهذا جاء في بعض الروايات الأمر بالخرص، أي أن تقدر من قبل أهل الخبرة أن تقدر من قبل أهل الخبرة. ويدل على ذلك ما جاء في حديث بن عمر وحديث سهل بن أبي حاتمة رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالخرص. وجاء بحديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها، الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، والحديث في السنن، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، فقوله: «بخرصها» أي بتقدير أهل الخبرة بأن يكون مآل الرطب مثل التمر. والشرط الثالث أن يكون الرطب على رؤوس النخل، أن يكون الرطب على رؤوس النخل، ويدل عليه حديث سهل في صحيح مسلم، أنه رخص أي النبي صلى الله عليه وسلم في العرية النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها ثمرًا يأكلونها رطبًا. وهذا يدل أنها لا تؤخذ من الأرض، أي الرطب. وجاء في بعض الروايات أن بعض الرواة قال: في بيع العراية هو الرطب في رؤوس النخل، هو الرطب في رؤوس النخل. فلأن الفقراء يحتاجون إلى الرطب، وليس عندهم إلا التمر، وأجاز لهم الشرع أن يأخذوه بهذا المعنى، أي وهو في الأشجار بأن يقدر من قبل أهل الخبرة. والشرط الرابع أن يكون للأكل لا للبيع والكنز، أن يكون للأكل لا للبيع والكنز. وأن يكون الشرط الخامس محتاجًا للرطب. والشرط السادس أن لا يجد إلا التمر. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ثمري حتى يطيب، ولا يباع منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا» إلا العرايا. وجاء في بعض الروايات ما يدل أنهم كانوا أي الفقراء ليس عندهم الدينار والدرهم، ولكن عندهم التمر، عندهم التمر. هذا خلاصة ما ذكروه أهل العلم في شروط بيع العرايا. قال رحمه الله تعالى: «ولا بيع اللحم بالحيوان، ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه» كذلك من مسائل هذا الباب أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، وتقدم الكلام عليه على التفصيل الصحيح في هذه المسألة، وعلمنا خلاصة ما ذكر فيها. وقوله: «ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه» أشار بالشرح إلى دليل ذلك الجواز، وهو ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبدًا بعبدين، قالوا: من باب أولى أنه يجوز في الحيوان. وهكذا كذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس، يعني رؤوس من دحي الكلبي، وهذا يدل على جواز ذلك في الرقيق، ففي الحيوان من باب أولى. ويدل عليه ما جاء صريحًا من حديث عبد الله بن عمر، وقال في الشرح: حديث عبد الله بن عمر، وهو خطأ، والصواب أنه جاء من حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود والدارقطني، وحسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعوز أو احتاج لبعض جيشه بعض الإبل، حين لم يجد الناس في تلك الغزوة الظهر، يعني ما يركبون عليه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشراء الإبل بالقلائص، البعير بالقلوصين والثلاثة، يعني إلى أن يأتي إبل الصدقة، إلى أن يأتي إبل الصدقة. وفي أول هذا الحديث قصة، فقد جاء في رواية أبي داود أن عمر بن حريش الزبيدي أتى إلى عبد الله بن عمر بن العاص، فسأله، فقال له: إن بأرض لا نجد فيها الدينار والدرهم، وإنما أموالنا المواشي، فذكر له أنهم يشترون بالمواشي فيفاضلون، فقال له عبد الله بن عمر: على الخبير سقط، يعني جئت على من عنده خبر وعلم فيما تحتاج من جواب، فذكر له هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدل على جواز شراء هذه البهائم بعضها ببعض متفاضلًا، وقد فعله الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز بيع العينة» وهذا آخر مسائل أو هذا من آخر مسائل الباب، وختم بها هذا الباب. وبيع العينة هو كل بيع فيه حيلة على الربا، ودليله ما أشار إليه في حديث بن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بكم بلاء أو سلط الله عز وجل عليكم عدوًا حتى تراجعوا دينكم» له روايات، وأشار هنا إلى رواية: «أنزل الله بهم بلاء» فلا يرفعوا حتى تراجعوا أي يراجعوا دينهم، والحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح. فالشاهد بيع العينة، وكل بيع فيه حيلة على الربا، ومن صوره ما أشار إليه رحمه الله من أن يبيع الرجل السلعة، ثم يشتريها، يبيعها آجلًا بثمن، ثم يشتريها من هذا المشتري بأقل مما باعه له حالًا، فكأنه ماذا؟ فكأنه في الحقيقة أعطاه مئة ألف، وطلب منه أن يردها مئة وعشرين، وهذا هو عين الربا. صار الناس يتحايلون على الربا، ومن الحيل على الربا أن يبيع الشيء ليس لقصد البيع، ولكن لقصد الربح من الدين، هذا الذي يبيع مثلا يبيع له عشر أكياس من الرز بمئة ألف، كل كيس بعشرة آلاف، ثم يبيعها له بالآجل، يقول له: هذه عشرة أكياس من الرز بمئة ألف، خذها، فعليك دين كم؟ مئة ألف، وهذا في الحقيقة ما يريد الرز، هو يريد المال، يقول: أنا ما عندي إلا رز، خذها، هذه مئة ألف، بمئة ألف، عليك دين مئة ألف، ثم يقول له: تعال بالغد، أنا أشتريها منك بثمانين ألفًا، فيعطيه نقدًا كم؟ ثمانين، ومحسوبًا عليه دين كم؟ مئة، إذن صار الربا في عشرين ألفًا، الربا في عشرين ألفًا. هذه المسألة هي ما يسميها العلماء ببيع العينة، وليست بيع العينة محصورًا بها، من بيع العينة كل بيع فيه تحايل على الربا. ومنه مثلا ما يتعامل به بعض البنوك الربوية اليوم، أو حتى من تسمي نفسها بالبنوك الإسلامية، مما يسمى ببيع المرابحة، مما يسمى ببيع المرابحة، فهو من معاني بيع العينة؛ لأنه تحايل على الربا؛ لأنه تحايل على الربا. يأتي الرجل عندهم، ويقول: أريد منكم دين، يقول له: نحن ما عندنا دين، نحن نبيع، نبيع لك شيء، ماذا تريد؟ تريد إسمنت، تريد حديد، تريد كذا، تريد كذا، نحن نبيع لك هذا، وهم لا يملكون الحديد ولا الإسمنت ولا غيره، فيشترون له بقيمة، ويبيعون له بأكثر، يشترون لهم بقيمة، ويبيعون له بأكثر، وربما إذا أرادوا يبيع، اشتروا منه مرة أخرى، فصار العينة في هذه الصورة إذا كان كذلك أشد من العينة التي ذكرها العلماء. فالعينة التي ذكرها العلماء صار الربا مرة واحدة، وأما في بيع المرابحة إذا اشترى البنك هذه السلعة من المشتري، صار الربا فيه مرتين: المرة الأولى بكونهم باعوا ما لا يملكون، وربحوا منه بالدين. والثاني أنهم اشتروا منه السلعة بأقل مما باعوها عليه، فكان فيه معنى بيع العينة واضح. وهنا تأتي مسألة وهي مسألة التورق، ومسألة التورق هي بيع العينة، لكن أن يبيعها لغير من اشترى منه. نحن علمنا الآن قبل قليل أن البائع لو اشترى السلعة من المشتري بأقل منها، صار حيلة على الربا، فهو بيع العينة. لكن إذا كان البائع لا يشتري هو، اشترى إنسان آخر مثلا، هذا الرجل جاء فاشترى من زيد عشر كياس من الرز، قيمة كل كيس عشرة آلاف، كم الدين عليه؟ مئة ألف، اشترى من زيد، لكنه باعها لعمر بناقص عشرين ألفًا، هل يجوز هذا؟ اختلف أهل العلم في هذه الصورة، وهي ما تسمى ببيع التورق. والصحيح فيها التفصيل: فإن كان فيه معنى الحيلة على الربا، فلا يجوز، وهو من معاني بيع العينة. وإن لم يكن كذلك، فينظر فيه: هل فيه إعانة على الخير أو هو ليس فيه إعانة على الخير، بل إعانة على الفساد؟ فإن كان الأول فجائز، وهو من التعاون على البر والتقوى. وإن كان الثاني فمحرم، ولا يجوز، وهو من التعاون على الإثم والعدوان. مثال الأول الذي فيه حيلة على الربا: لو أن زيد البائع حصل بينه وبين عمر تواطؤ على هذه المعاملة، صارت هذه حيلة على الربا، يعني زيد يبيع فقط، وعمر يشتري، عمر يشتري، زيد عند الناس أنه فقط يبيع بالدين، أي واحد يريد دين يذهب إلى زيد، يشتري منه رز، وزيد قد دل هذا المشتري أن هناك رجل يقال له عمر، سيشتري منك بماذا؟ بناقص عشرين ألفًا، والربح بينهما بين زيد وعمر، هذه الصورة فيها تواطع على الربا، أليس كذلك؟ الجواب لا، فإذا كان كذلك فهو من بيع العينة. وقد ذكر لي الإخوان أن رجلًا في مدينة قريبة منا كان يبيع لبعض الناس بهذه الطريقة، ويأمر ولده جاره أن يشتريها منهم بأقل؛ ليخرج من ماذا؟ من بيع العينة، وهو بالحقيقة وقع في ماذا؟ في بيع العينة، حتى ذكروا أن بعض الناس نصحه، قال: أنا ما وقع في بيع العينة، إنما مسألتنا مسألة التورق، وفيها خلاف، مسألتنا مسألة التورق، وفيها خلاف، سبحان الله، يعني استطاع أن يتفقه ليقع في الحيلة على الحرام، وهو لا يزداد بهذا إلا حرمة، لا يزداد بهذا إلا حرمة، فالحيلة لا تزيد الحرام إلا حرمة. فهذا معنى الربا موجود فيه، فلما كان كذلك لم يجز، وحرمة هذا النوع من المعاملة لأجل هذا المعنى. مثال الثاني: لو أن رجلًا صحيحًا محتاجًا، ولم يجد أحدًا يدينه، فاضطر أن يأخذ شيئًا بالدين، تلاجة أو غسالة أو بر أو رز أو غير ذلك، ثم أراد أن يبيعه، وبيعه لا شك أنه لن يكون كقيمته في الدكان، إذا كان في الدكان بعشرة آلاف، ففي عرف الناس إذا خرج إلى خارج الدكان فإنه يباع بأقل من عشرة آلاف، خصوصًا إذا كان كمية أو إذا كانت تلاجة، في الدكان بمئة ألف، فإذا خرجت من الدكان ولو كانت جديدة فإنها تباع مثلا بتسعين ألفًا. فهل يجوز لأحد أن يشتري مثل هذه الثلاجة، وهو محتاج إلى الثلاجة، ويريد بهذا كذلك إعانة هذا الرجل في حاجته؟ الجواب: يجوز، إذا كان ليس فيه حيلة على ربا، وهذا هو سعرها في السوق، سعر الثلاجة إذا خرجت من الدكان ليس مثل الدكان؛ لأن الدكان فيه ضمان، وفيه وفيه، فإذا خرجت سيكون سعره أقل، فهل يجوز؟ الجواب: يجوز، وهذا من التعاون على البر والتقوى، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، وهذا من نفع إخوانك المحتاجين، فلا بأس به، وهو أمر حسن. ومثال الثالث: أن يكون تعاون على الإثم والعدوان، أن تعلم أن هذا الرجل لعاب يأخذ أموال الناس ولا يسددها، تارة يأخذ ديونًا وتارة يأخذ سلعًا بالدين، ثم يبيعها للعبث واللعب، كأكثر المخزنين والعابثين الذين تتراكم عليهم الديون، ونهايتهم إلى السجون، فأمثال هؤلاء ليس إعانتهم من البر والتقوى، بل من الإثم والعدوان. ومثله كذلك لو أنك تشتري منه بالإضرار به، يشتريها بمئة ألف، وتقول له: أنا ما سأشتري منك إلا بخمسين، فيقول: حرام، ما سعرها خمسين، وبالفعل سعرها في السوق لو صبر ربما تباع بتسعين، فتضطره حتى تشتريها منه بستين أو بسبعين، فيكون في هذا بخس لثمنها مع حاجته إلى ذلك، وهذا لا يجوز، وهو من الإضرار، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الضرر والضرار. هذا خلاصة ما يذكر في مسائل هذا الباب، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.