الدرس في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش التحذير من بدعة الكلام وآثارها السلبية على فهم العقيدة الإسلامية، ويبرز أهمية التخلية من الباطل قبل التحلية بالحق. يُظهر كيف صرفت بدعة الكلام شباب المسلمين عن دراسة العقيدة الصحيحة.
يؤكد على أهمية التصور الصحيح للإسلام لدى الدعاة وتطبيقه في حياتهم، ويشير إلى ضرورة أن يكونوا على بصيرة وفهم لما يدعون إليه. يُبرز التناقض بين قول وفعل بعض الدعاة.
يتناول انتقاد المناهج التعليمية التي تدرس في الجامعات والتي يخرج منها الدعاة، ويشير إلى أنها مناهج عقيمة. يركز على مادة التوحيد التي تدرس باستخدام كتب فلسفية بعيدة عن معاني التوحيد الحقيقية.
يتناول التحذير من الكتب والمصادر التي تحتوي على علم الكلام والفلسفة، ويشير إلى أنها ليست من كتب أهل السنة. يلمح إلى أهمية معرفة منهج هذه الكتب والتمييز بينها وبين كتب أهل السنة.
مجلس علم لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي رحمه الله تعالى. والآن مع الدرس الثاني. بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله إلينا وإليكم. قال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى: حقًا إنه لا يكون ديننا اليوم ما لم يكن ديننا أمس في عهد النبوة. ولعمري لقد عظمت المصيبة على الأمة الإسلامية في العصر الحديث بهاتين البدعتين: بدعة الكلام وبدعة الطرق الصوفية. أما بدعة الكلام، فقد صرفت شباب الجامعات وكثيرًا من طلاب العلم في المساجد في كثير من البلدان الإسلامية عن دراسة العقيدة الإسلامية التي كان عليها سلف هذه الأمة، والتي نطق بها الكتاب وشرحتها السنة. فقد جهلها كثير من شبابنا المخدوعين بذلك الكلام المذموم الذي ذمه أئمة المسلمين وحذروا منه. ومن المغالطات الغريبة أن يطلق على عقيدة طائفة من أهل الكلام أنها عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي بعيدة عن السنة وعما كانت عليه الجماعة. وهم يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. وقد شغلت تلك المغالطة وزخرت قول فراغ قلوبهم، واستولت على عقولهم، ولم يبقَ مكانًا لقبول الحق إلا من رحم ربك وأدركه بنور الإيمان. ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه: «قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، هكذا كما أنه في الأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات. فإذا كان القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة، لم يبقَ فيه للاعتقاد الحق ومحبته موضع». وهذا عليه كل مسائل الدين، فهي نفي وإثبات. «لا إله إلا الله» نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله عز وجل، فالنفي قبل الإثبات، والتخلية قبل التحلية. فالدين عقيدة التوحيد، وطريق النبي عليه الصلاة والسلام هو السنة، بالانقياد والاستسلام لدين الله عز وجل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». لماذا؟ لأن هذا منافي للحق. وهؤلاء الذين سيكتبهم الله إن شاء الله جمعوا بين المتناقضات، فحصل الضلال والشر في هذه الأمة. قال رحمه الله تعالى: فلنسمع ما قاله بعض أئمة الهدى في ذم الكلام وأهله. أولًا، قال الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة وصاحبه: «من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب». قال الإمام الشافعي: «حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم في القبائل والعشائر، ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام». وقال الإمام مالك رحمه الله: «أَوَكُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِجَدَلِ هَؤُلَاءِ؟». فهؤلاء الأئمة أوضحوا وأجلوا ما أراد أن يشير إليه رحمه الله فيما قبله من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله. ومعنى عبارة أبي يوسف: «من طلب الدين بالكلام تزندق»، لأن الدين ينافيه علم الكلام، وعلم الكلام هو علم الفلسفة الذي تبعهم من قبلهم من المجوس والفلاسفة والوثنيين. قال رحمه الله تعالى: فكم كان غريبًا ومثيرًا أن ينتسب هؤلاء الكلاميون إلى الأئمة المذكورين في الفروع الفقهية، ثم يخالفونهم في أصول الدين فيما يعتقدون نحو ربهم. فهل يعتقد هؤلاء البلداء أن الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة السلف كانوا على ضلال في عقيدتهم؟ هذا ما يستنتج من موقفهم. وأما بدعة طرق الصوفية، فهي الأخرى قد حجبت كثيرًا من المخدوعين لها عن فهم حقيقة العبادة في الإسلام، حتى ظن جمهور المخدوعين أن التعبد أو التنسك معناه التصوف. وبالتالي غيرت الصوفية لديهم مفهوم الذكر، فقد ظن أكثرهم أن ذكر الله عبارة عن اجتماع لفيف من الناس في مكان ما، وفي الغالب يكون عند ضريح من أضرحة المشايخ والسادة، ويعقد حلقات يطلق عليها ظلمًا وعدوانًا حلقات الذكر. ثم يأخذون في التمايل يمينًا ويسارًا وهم يقولون «الله الله» أو «هو هو». وإذا حمي الوطيس، فلا تسمع إلا حوا أو حاء. وقد يطفأ السراج إن أقيمت الحضرة ليلة ليأخذ الذاكرون حريتهم وليصل الذكر إلى حد الكمال. ويصل الواصلون. يا للإسلام، ما أعظم مصيبة أتباعه! قال رحمه الله تعالى: التناقض. إذا تحدثنا عن حاجة الدعاة إلى التصور الصحيح للإسلام، وأن عدم تصورهم للمفهوم الصحيح للإسلام هو عقبة من العقبات في سبيل الدعوة، إذا أثبتنا حاجتهم تلك، فهم إلى التطبيق العملي والتفاني مع الأصول والتفاني مع الإسلام أحوج. بحيث تكون حياتهم ترجمة واضحة لمنطوق الإسلام، صورة كريمة تمثل الإسلام وتحببه إلى الناس. فالدعاة الناجحون هم الذين يهذبون الناس بسيرتهم قبل أن يهذبهم بلسانهم، ويدعونهم إلى الله بخلقهم وحسن سلوكهم قبل أن يقولوا شيئًا بلسانهم. فكم تشكو الدعوة الإسلامية في العصر الحديث من تناقض الدعاة! تشكو من دعاة يعظون ولا يتعظون، يقولون ما لا يفعلون، يأمرون ولا يأتمرون، ينهون ولا ينتهون. قال رحمه الله تعالى: النفرة وعدم الإنسجام. توجد في العصر الحديث جماعات تدعو إلى الله، ولكنها في الغالب تتخبط على غير بصيرة. فالواجب على دعاة الحق أن يكونوا على بصيرة، فاهمين ما يدعون إليه، ومتصورين له، ومؤمنين به. قل: «هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». هاتان صفتان لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام: الأولى القيام بواجب الدعوة، الثانية أن يكونوا على بصيرة قبل أن يشرعوا في الدعوة. البصيرة هي العلم الذي مصدره الوحي، والفقه الدقيق الذي يستفيد منه الداعية الحكمة وحسن الأسلوب وكسب القلوب والتحبب إلى الناس دون تملق ولا نفاق. والتحابب بين المسلمين عامة، وبين الدعاة خاصة، أمر ضروري لحياة الدعوة، بل سبب لرضى الرب تعالى ودخول دار الكرامة. «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحاببوا. ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». قال رحمه الله تعالى: المناهج التعليمية. مما منيت به الدعوة الإسلامية في هذا العصر أن كثيرًا ممن يتصدون للدعوة إلى الإسلام أولئك الذين يتخرجون في الجامعات التي تدرس تلك المناهج العقيمة البالية التي لا تنتج إلا الجمود الفكري وبرودة الهمة. فيتخرج الطالب وليس أمامه أي هدف إلا البحث عن وسيلة العيش فقط. فيأخذ يطرق جميع الأبواب التي تؤمن له العيش. فإذا لم يجد سبيلًا إلى ما يريد أن يوظف كداعي، أخذ شهادته المزخرفة في طولها وعرضها على الجهة المسؤولة عن الدعوة رسمية، فوظف تحت عنوان الداعية. قال: فينزل الداعية الجديد إلى الميدان ليدعو إلى الله، وليس لديه أي تصور للدعوة في أسلوبها وسياستها وآدابها ودراسة أحوال المدعوين. فيتخبط تخبطًا ليلًا ونهارًا على حساب الدعوة الإسلامية المظلومة التي أصبحت مكيجة لداعية جميع كل مرتب من العيش. قال رحمه الله تعالى: نوعية المنهج. يحسن بنا أن نعرف شيئًا عن هذا المنهج الذي تحدثنا عنه ووصفناه بأنه منهج غير صالح، وأنه عقيم. لئلا يكون كلامنا مجرد دعوة لا بينة لها. فلنتخذ من مواد المنهج كله ثلاث مواد رئيسية لتمثل المنهج كله فيما قلنا عنه. أولًا: مادة التوحيد. ليس لها قسم خاص، وإنما تدرس في قسم الفلسفة. وهذا يعني أن التوحيد عندهم مادة من مواد الفلسفة. وفي الواقع أن الفلسفة شيء والتوحيد شيء آخر لا صلة له بها. إن كان التوحيد هو ذلك الذي نطق به الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: بعض الكتب المقررة في مادة التوحيد. من أمهات الكتب التي تدرس هذه المادة الخطيرة: أولًا «أم البراهين»، ثانيًا «حاشية الباجور على السنوسية»، ثالثًا «حاشية الباجور على جوهرة التوحيد»، رابعًا «حاشية الدسوقي»، خامسًا «الهدهدي»، سادسًا «الشرقاوي» إلى آخره. فهذه بعض كتب هؤلاء التي هي في الحقيقة كتب عبارة عن مباحث فلسفية، وهي من أبعد الكتب عن معاني التوحيد التي دلت عليها دلالة الكتاب والسنة. وهذه متون وكتب وحواشي وشروح من كتب هؤلاء المليئة بعلم الكلام والفلسفة، وهي ليست من كتب أهل السنة، بل هي من كتب الأشاعرة والباطنية ونحوهم من الضلال الصوفي. قال رحمه الله تعالى: ونوعية المنهج. يحسن بنا أن نعرف شيئًا عن هذا المنهج... (يتبع في الدرس اللاحق).