شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 1

شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 1

الدرس في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة في أهمية معرفة تاريخ الدعاة

يبدأ الكتاب بمقدمة المؤلف التي تشدد على أهمية معرفة تاريخ الدعاة السابقين وتجاربهم في مواجهة المشاكل والمحن، مستشهدا بقصص الأنبياء والرسل في مواجهة الجاهلية والابتلاء. هذه المعرفة تسهل على الدعاة تحمل المشاق وتثبتهم على الحق.

امتحان الأنبياء والرسل عبر التاريخ

يتناول الكتاب امتحان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكيف تعرضوا للمحن والابتلاءات، ولكن كانت العاقبة للمتقين. يذكر أمثلة على ذلك مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، موضحا صبرهم وثباتهم.

الامتحان والابتلاء في حياة النبي والصحابة

يتناول الكتاب موضوع الامتحان والابتلاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، موضحا كيف تعرضوا للاضطهاد والإيذاء من قبل الكفار، وكيف صبروا وثبتوا على عقيدتهم. يبرز أمثلة على ثبات الصحابة مثل بلال الحبشي وآل ياسر وخبيب بن عدين.

مشاكل الدعوة الإسلامية عبر التاريخ وتطورها

يناقش الكتاب مشاكل الدعوة الإسلامية عبر التاريخ، موضحا أن الدعاة واجهوا صنوفا من الضغط والاضطهاد، وأن نوعية المشاكل اختلفت بين الماضي والحاضر، حيث كانت في الماضي من أعداء مكشوفين، بينما في العصر الحديث تأتي من المنتسبين إلى الإسلام وأحيانا من الدعاة أنفسهم.

التفريغ النصي الكامل

مجلس علم لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي رحمه الله تعالى. والآن مع الدرس الأول. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا رسالة صغيرة في مبناها، عظيمة في معناها، لعلم من أعلامنا ودعاتنا ومشايخنا، بل كبار مشايخ ودعاة أهل السنة والجماعة، وهو شيخنا فضيلة الدكتور محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله رحمة واسعة. هذه الرسالة جعلها رحمه الله في علاج مسائل مهمة من مسائل الدعوة والدعاة، وجعلها كالتنبيهات والتوجيهات، مع الاستفادة من حياتنا وسيرتنا، وأخبار الأنبياء وأتباعهم من العلماء والدعاة والمصلحين، وسماها «مشاكل الدعوة والدعاة في العصر الحديث». ﴿الحمد لله المنعم المتفضل تفضل علينا بنعمة الإسلام والدعوة إليه، وصلاة الله وسلامه وبركاته على رسوله المصطفى، والنبي المرتضى، نبينا محمد، وآله وصحبه، أئمة الهدى، ودعاة الحق، والتابعين لهم على منهاجهم في الدعوة إلى الله تعالى، وبعد، إن معرفة الدعاة سنة الله مع دعاة الحق قديما وحديثا، وكيف امتحن الله الرسل وأتباعهم، أن هذه المعرفة مما يخفف على الدعاة وطأة المشاكل والمحن إذا ما أوذوا في سبيل دعوتهم، ولا بد أن يؤذوا. ومما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما زاره في صحبة خديجة أم المؤمنين ليخبره ما جرى له في جبل حراء مع جبريل، مما قاله ورقة: «ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي». هذه مقدمة المؤلف رحمه الله، وقد بدأ بها ببسم الله الرحمن الرحيم، اقتداء بكتاب الله، إذ استفتح أول سورة فيه، سورة الفاتحة، بالبسملة. وهكذا اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كتاباته، بل هي سنة المرسلين، الأنبياء والمرسلين، كما أخبر الله عز وجل في كتاب سليمان: «إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم». ولم تزل هذه سنة العلماء في كتاباتهم ومؤلفاتهم ومصنفاتهم، يفتتحونها بالبسملة. ثم كذلك اقتداء بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبه وكلماته، إذ كان يفتتحها بالحمد لله. ومنها خطبة الحاجة المشهورة التي أثبتها في الصحيح مسلم. وها هنا تنبيه: نسبة لإسم شيخنا رحمه الله، إسم مركب: «محمد أمان بن علي الجامي»، فإسمه «محمد أمان». وكثيرا، خصوصا أهل أفريقيا، يتبركون بإسم «محمد» فيجعلونه مركبا مع الإسم، مثل «محمد الأمين»، و«محمد الصادق»، أو «محمد محمد». فالأول للتبرك، والثاني هو الإسم. فـ«محمد أمان» هو الإسم، فـ«محمد» للتبرك، و«أمان» هو الإسم. وهل هذا مستحب؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح والله أعلم: الأولى تركه، فإنه لم يكن من سنة الصحابة والتابعين، ولا كان عليه عمل أئمة الدين المشهورين، محمدهم الله تعالى. لكن الأمر واسع. ذكر الشيخ رحمه الله في هذه المقدمة التوطئة، وهذا من براعة الاستهلال من الشيخ رحمه الله تعالى، بأن معرفة الدعاة، وهو يخاطب دعاة زمانه ومن بعدهم، سنة الله مع دعاة الحق قديما وحديثا، وكيف امتحن الرسل وأتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، يخفف على الدعاة وطأة المشاكل والمحن. لأن ذلك يسلي الداعي إلى الله. ولهذا ذكرنا الله عز وجل قصص الأنبياء والمرسلين، لأجل أن نأخذ منها العضات والعبر، ولأجل أن نتسلى، فنعلم أنهم أفضل منا، ولهم منزل عظيم عند الله، ولهم كذلك من المكانة والقدرة العلمية والعملية والإيمانية. ومع ذلك لقوا من المشاق والمصاعب والامتحان والابتلاء، كما قال الله عز وجل: «قد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب». ففي قصص الأنبياء والمرسلين العضات والعبر، وفيها كذلك سنة الله في الامتحان والابتلاء. وهذا كما ذكر رحمه الله، يخفف على الدعاة وطأة المشاكل والمحن التي يلقونها، فيكون ما أصاب من قبلهم تسليا فيما يصيبهم، ويعينهم على الاستمرار على الخير والصبر على الأذى الذي يلقونه. وهذه سنة الله، كما قال سبحانه وتعالى: «إن نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا، فاصبر لحكم ربك، ولا تطع منهم آثما أو كفورا». فإن سنة الله لمن نزل عليه الحق: أن يبتلى ويمتحن، وأن يكون كذلك في الشدة. ولا ينبغي أن يكون ذلك سببا في التراجع، بل ينبغي أن يكون سببا في الثبات. ولهذا قال الله عز وجل: «ولا تطع منهم آثما أو كفورا»، أي: كافر أو فاجر. بل ينبغي أن يزداد الإنسان ثباتا، ويعلم أن طريق الخير لن يفرش بالورود، بل هو مقرونا بالامتحان والابتلاء. مع أن المتوقع مع نزول القرآن: أن يقال: «فاشكر». لكن لم يأتي الذكر بالشكر، وإنما جاء الأمر بالصبر، لأن هذا هو الأعظم، وهو الذي ينبغي أن يتنبه له من وفقه الله لهذا الدين، وتحمل هذه الأمانة. بل قال الله عز وجل: «كذلك، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ما فعله، فذرهم وما يفترون». وذكر حديث عائشة المشهور، الذي جاء في الصحيحين، في قصة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في جبل حراء، وما قاله ورقة بن نوفل حين قال: «ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي». فهذه سنة الله مع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعهم. قال رحمه الله تعالى: «تلك هي سنة الله مع دعاة الحق، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا». ولو ذهبنا لنرى كيف عاشت أول رسالة إلى أهل الأرض، وهي رسالة نوح عليه السلام، رأينا الرسول نوحا يقاسي من قومه صنوفا من المشاكل، من سخرية السفهاء وعناد المعاندين. وعلى الرغم من ذلك نراه يجابه الجاهلية ويصدع بالحق: «أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون». وثارت الجاهلية وعاندت وكابرت، وأخيرا أخذ نوح يجأر إلى الله ويدعو عليهم الدعاء الأخير: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا». ولو تركنا نوحا وتمرد الجاهلية ودعاء نوح بالهلاك، لترى تلك المحنة التي عاشها خليل الرحمن إبراهيم، إذ جاء إبراهيم قومه بإسلوب لا يتوقعونه، إذ قام من توه بإسلوب يهدم الجاهلية، ليبني على أنقاضها الإسلام، الإسلام الذي لا يقبل الله سواه. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. صاح فيهم صيحة الحق قائلا: «أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم؟ أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أفل لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟». فهاجت الجاهلية وجن جنونها، وقررت أخيرا التخلص من الرسول ورسالته، وأثرت قرارها القائل: «حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين». بيد أنه صدر من السماء قرار: «يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم». وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين. فأبطل هذا القرار مفعول قرار الجاهلية. ولله الحمد والمنة. هكذا امتحن الرسولان الكريمان، ولكن العاقبة للمتقين. وكذلك من التوطئة: أنه بدأ بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبدأ بأولي العزم من الرسل: نوح عليه الصلاة والسلام، ثم إبراهيم، ثم موسى عليه السلام، ثم عيسى، ثم محمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل. فنوح عليه الصلاة والسلام لقي شيئا عظيما، حتى أنه دعا على قومه، فاستجاب الله دعاءه. والأمر كما قال الله عز وجل: «والعاقبة للمتقين». وهكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما سمعنا. وما لفر الله في عدد من السور في خبر وقصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، مليئة بالعضات والعبر في الامتحان والابتلاء والصبر في الدعوة إلى الله، مع ذلك الامتحان والابتلاء، حتى نجى الله عز وجل هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وكانت العاقبة كما ذكر رحمه الله: للمتقين، لمن صبر وثبت على الحق. قال رحمه الله تعالى: «موسى عليه السلام، أما موسى عليه السلام، فقد تنوعت المشاكل معه، ورافقته المحن والمخاوف، وهو رضيع، ثم شاب. معه حيث أخذ يحاول الطاغية فرعون التخلص منه، وهو رضيع، ثم بدأ يؤذيه سفهاء قومه من جهة، فتجلد حتى بلغ رسالة ربه في وسط تلك الأمواج المتلاطمة من المحن المتنوعة. فيخبر القرآن آخر قصة موسى مع فرعون فيقول: «ولقد جاء آل فرعون النذر، كذبوا بآياتنا كلها، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر». وهذا كذلك موسى عليه الصلاة والسلام من الصديقين، وما وقع معهم عبار عظام، كما ذكر رحمه الله. صاحبته المحن من يوم ولادته، بل وقبل ذلك. فإن قومه تحنوا من قبل فرعون الطاغية امتحانا عظيما. فلما بلغ فرعون من قبل السحرة والمشعوذين الذين يستعينون بالجن، فاسترقوا السمع في السماء، فبلغهم ولادة نبي يكون على يده زوال ملك فرعون. وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أن هؤلاء يكذبون مئة كذبة، ويسترقوا السمع في السماء. فأمر بتفتير كل مواليد بني إسرائيل الذكور. فأراد الله عز وجل أن ينجي موسى عليه السلام، بأن أوحى إلى أمه أن ترميه في اليم، أي: في النهر. ويحفظه الله سبحانه وتعالى حتى يصل إلى فرعون، فيترعرع في بيت فرعون، ليكون هلاك فرعون على يده. وما مر به بعد ذلك، كما أخبرنا الله عز وجل في عدد من الآيات والسور، إلى أن وقع أشد الامتحان والامتلاء حين ظهر برسالته عليه الصلاة والسلام، حتى قال لسحرة تلك المقولة العظيمة الشنيعة: «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لأصلبنكم أجمعين». الآيات. بل وحربه قومه على ما عنده من الظلم، حربه قومه الكفار. فقالوا لفرعون، كما قال الله: «وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليسفكوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟» انظر: سموا الإصلاح فسادا، سموا الإصلاح فسادا. فكان حكمه الجائر: «سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون». فماذا كان رد موسى عليه الصلاة والسلام؟ كان رده لقومه: «استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء، والعاقبة للمتقين». هذه سنة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «عيسى عليه السلام، إذا كان موسى عليه السلام وقد رافقته المحن كما قلنا منذ أن كان في المهد صبيا، بأن عيسى عليه السلام قد واجهته ألوان من الشكوك موجهة إليه وإلى والدته، فور أن وجد في هذه الدنيا، فقاسى ضربا من العنت. إذا اختلف فيه القوم بين قائل: هو ابن الله، أو الله نفسه، وبين قائل: هو ولد بغي. فجعل عيسى عليه السلام يعرف القوم نفسه وحقيقته، فيما تخبرنا به سورة مريم. قال: «إني عبد الله، آتاني الكتاب، وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي، ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أبعث حيا». «ذلك عيسى بن مريم، قول الحق الذي فيه يمترون». وعلى الرغم من هذه الحقيقة التي شرحها القرآن، لم يزل القوم يتمردون عليه ويؤذونه. ولكنه كان يقابل كل ذلك بالصبر الجميل والتحمل. وكان محاطا بعناية الله تعالى. وقد تآمروا على قتله وصلبه، ولكن الله جعل فداه ذلك الرجل الذي كان دليلا لهم يدلهم على مخبأه، فقتلوه ثم صلبوه، جزاء وفاقا. فأشاعوا بينهم بأنهم قتلوا عيسى وصلبوه. فيوضح القرآن هذه الحقيقة، ويخبر أن تلك الإشاعة عنه ليس لها أصل من الصحة. فيقول الله تعالى: «وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزا حكيما». وهذا كذلك عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو أحد أولي العزم من الرسل. قال رحمه الله تعالى: «محمد رسول الله، والذين آمنوا به واتبعوا...». قال: «مضت الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور، والدهور تلو الدهور، ليحين وقت رزوغ فجر الإسلام من جديد، من واد غير ذي زرع، من عند بيت الله المحرم بمكة. فورد محمد عليه الصلاة والسلام بمكة، وترعرع فيها، فعرف عند قومه منذ صغره بالصدق والأمانة. فكانت له شخصية، وكسب شعبية بأخلاقه الكريمة. وإنك لعلى خلق عظيم. فلما كلفه ربه بتبليغ رسالته، وإن يصدع بالحق، فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين. فدعاهم إلى الإسلام، واستنكر القوم هذه الدعوة، واستغربوا هذا الأسلوب الجديد الذي لا عهد لهم به. والرسول ينادي فيهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فأدرك القوم معنى هذه الكلمة، وأنها تعني القضاء على آلهتهم، وبالقضاء عليها يقضى على نفوذهم الواسع، وسلطانهم. فلما كان لصاحب الدعوة من المكانة في أنفسهم سابقا، لم يتجرأوا في أول الأمر على قتله، وقتل دعوته في مهدها. بل اتبعوا أساليب شتى قبل قرار القتل الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله. فعرضوا عليه المال، أو الجاه والرياسة. ولم ينجح العرض، إذ رأوا أنه ليس لديه أدنى ميل إلى هذه الأمور التي يرونها عظيمة. فأمدوا إلى أسلوب خسيس، يريدون به تدمير أعصاب الرسول، لو استطاعوا، والقضاء على الروح المعنوية العالية. فأخذوا يقترحون اقتراحات ساخرة، يحدثنا القرآن عن شيء من ذلك. فيقول: «وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه». ولما لم ينجح هذا النوع من الأسلوب أيضا، أخذوا يفترون على من سموه من قبل «الصادق الأمين»، ويلقبونه بألقاب مفتريات، ويشيعون ضد دعوته إشاعات، هم يعلمون عدم صحتها قبل غيرهم. ومن يتركوا بابا من المكر والمكيدة إلا طرقوه. وها هو القرآن يحدثنا عن مكرهم: «وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال». وهذه بداية الدخول في أمر الامتحان والابتلاء في الإسلام، ما قبل هذا في الديانات الأخرى، وفي قصص وأخبار الأنبياء وأتباعهم، على وجه الاختصار. ولما شرع في دين الإسلام ونبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، محمد بن عبد الله، رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة والسلام، لأن في هذا زيادة عظة واعتبار، ومحل وقفة وذكر. فكل من في هذه الأمة قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباعه من بعده. فذكرها هنا، هذه التوطئة والتمهيد، لبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطفاه الله بعدد من الصفات، وأكرمه الله كذلك بما مثله. لا ينبغي أن يكذب، ولكن سنة الله: الامتحان والابتلاء. فكان ما قد سمعنا مما ذكره الله، وهو ينقل على وجه الاختصار، ممن سبقه، مما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وفي كذلك كتب السير. وكله محل عظة وعبرة وتأمل، ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق الأمين، لأجل أن تعلم أنك يا أيها الداعي لله، مهما بلغت في الصدق والأمانة، فإنك لن تسلم من الامتحان والابتلاء. قال رحمه الله تعالى: «ولما لم تنجح جميع الوسائل التي أشرنا إليها من أرض المال والرياسة، والسفريهة، والشائعات، والافتراءات، وهي ما يسمونه بالحرب النفسية. لجأ القوم إلى الحرب الحسية، ينالون بها من صاحب الرسالة وأصحابه، حيث تفجرت أحقادهم. فعقدت جلسة خاصة ومهمة لسادات قريش في الحجر، واستعرضوا الموقف، ودرسوه، وعددوا ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما قال في حقهم، وفي حق آلهتهم. قالوا: «ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفها أحلامنا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا». إلى آخر ما عددوه. ومن باب الموافقة: أن يمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يتحدثون في أمره. فوثبوا عليه، وثب رجل واحد، وأحاطوا به من كل جانب، وصاحوا به قائلين: «أنت الذي تقول كذا وكذا». فيجيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ثقة وثبات: «نعم، أنا أقول كذا وكذا». وأرادوا قتله، فأدركهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فانبرى للدفاع عنه. فأخذ يدفع هذا، ويجذ هذا في بطنه، وهو يقول: «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟». ولما عجزتهم جميع الحيل، أقدموا مؤتمرا خطيرا في زعمهم، في الأيام التي أخذ المسلمون يهاجرون فيها إلى المدينة، وظنوا أن الفرصة سانحة فلا تفوت. ومن الاقتراحات المهمة التي طرحت على بساط البحث والمناقشة، للتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، هي الآتية: أولا: أن يسجن سجنا مؤبدا، ولا يفك. ثانيا: أن يقتل على أيدي عدد من شباب قريش، ينتخبون من عدة قبائل، ليتفرق دمه بين القبائل. ثالثا: أن ينفى من البلد. ولما وضعوا خطتهم، وحزبوا أمرهم، كشف الله السميع القريب أسرار مؤتمرهم: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين». وهذه كانت المحنة على ضراوتها وقسوتها، لا تزيد محمدا عليه الصلاة والسلام وصحبه إلا صلابة وتصميما، تصميما في المضي، مهما كانت التضحيات. قال رحمه الله تعالى: «وفي الوقت الذي كانوا يؤذونه عليه الصلاة والسلام هذا الإذاء، كانوا يؤذون المؤمنين به، ويعذبونهم بألوان العذاب. وقد سجل التاريخ ما فعل أمية بن خلف ببلال الحبشي في بطحاء مكة، ليكفر بمحمد، ويعبد اللات والعزة. ولا يزيد بلال على قوله: «أحد أحد». وهو تحت تلك الصخرة. ولكن إيمانه كان أعظم وأثبت. وكانت هذه الكلمة من بلال تعني الهتاف بلا إله إلا الله، وقل هو الله أحد. وفي مكان آخر من مكة أيضا، نرى آل ياسر يؤذبون ويفتنون ليكفروا بالإسلام، ويعبدون اللات والعزة. ويموت الأب وهو شيخ كبير تحت التعذيب من توه، كما تقول بعض روايات السير. أما الأم الشجاعة، فقد أغلظت القول على أبي جهل، فطعنها لشدة جهله برمحه، برمحه، فقتلها. فهي أول شهيدة في الإسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بآل ياسر وهم يعذبون، فيقول لهم: «صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وقد شهدت أيام النبوة أبطالا خلد التاريخ بطولتهم وشجاعتهم وثباتهم على عقيدتهم، مهما كلفهم ذلك من الثمن، ولو كان الثمن إزهاق أرواحهم الطاهرة. فلنتخذ منهم خبيب بن عدين كمثال فقط، لندرك أثر العقيدة في نفوسهم. يقول علماء السيرة: أن خبيب أحد الذين بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض القبائل التي تسكن بين مكة والمدينة، وهي قبيلة عضل، وما جاورها من القبائل. فبينما هو في طريقه اعتقل، ثم حمل إلى مكة، وباعه المجرمون لبن الحارث بن عامر بن نوفل، ليقتلوه بحارث بن عامر، الذي قتله خبيب يوم بدر. وفي اليوم المحدد لقتله، خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه في الحل، بعد أن يصلبوه. فسأذن منهم ليصلي ركعتين يناجي فيهما ربه، وهو ساجد. فأذنوا له، فصل ركعتين أسنتين. فلما فرغ، أقبل عليهم فقال: «أما والله لولا أن تظنوا أنني جزع، لاستكثرت». فرفع خبيب على الخشبة. فقيل: «أرجع عن الإسلام، نخلي سبيلك». فقال: «لا والله، ما أحب أن أرجع عن الإسلام، وأن لي ما في الدنيا جميعا». وله دعوة مستجابة على الكفار في هذه المناسبة، مسجلة في كتب السير، وكتب الحديث. ولا نطيل بذكرها. ومما قاله خبيب وهو معلق مصلوب: «اللهم إني لا أرى إلا وجه العدو، اللهم إنه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه عني أنت». فبلغ جبريل سلامه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. فأخذوا يمزقون جلده أشلاء برماحهم، وهو يترنم بأبياته المشهورة، التي منها: «لقد أجمع الأحزاب حولي، وألبوا قبائلهم، واستجمعوا كل مجمعي، إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي، وما أرسل الأحزاب عند مصرعي، وذلك في ذات الإله، وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع، ولست أبالي إن قتلت مسلما، على أي جنب كان في الله مصرعي». قال رحمه الله تعالى: «ولله العزة، ولرسوله، وللمؤمنين، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون». ثم سلم الرسول الزمام لرجال أملاء، تسلموا الدعوة، وساروا بها سيرتها الأولى، لم يغيروا ولم يبدلوا. فأخذوا يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا البلاد. فأقبل الناس على الإسلام محبة وتقديرا لحملته، لما رأوا فيهم الرحمة والإنصاف والعدل، وعدم التناقض. وهي الصفات التي جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. هكذا مثل الإسلام أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأتباعهم، وحببته إلى الناس. ثم انتهت تلك القرون التي هي بحق خير هذه الأمة، التي هي بحق خير هذه الأمة: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم خلف من بعدهم، خلف أضاعوا الدعوة، وشوهوا الإسلام، وأدخلوا فيه ما ليس منه». فاشتدت غربة الدين من جديد. فوقع الدعاة في مشاكل ومحن غير متوقعة، إذ واجهت الدعوة صنوفا من الضغط والاضطهاد، من أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، بل في زعمهم أنهم أتباع صاحب الرسالة، والمحبين له. «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهندي». قال رحمه الله تعالى: «مشاكل الدعوة بين الماضي والحاضر». قال: «وقد استعرضنا أرضا سريعاً مشاكل الدعوة عبر التاريخ الطويل للدعوة، اعتبارا من عهد نوح عليه السلام إلى العصر الحديث، محاولين الربط بين ماضي الدعوة وحاضرها، لنقارن بين المشاكل والمحن المحدقة بالدعوة والدعاة فيهما. وتبين لنا من هذا العرض: أن المشاكل التي واجهتها الدعوة في الماضي البعيد والقريب، كان مصدرها أعداء الدعوة المكشوفة عداوتهم، الذين يعادونها علنا، لما جعل الدعاة يحذرونهم، ويحتاطون لمكائدهم، ولا يفاجأون بها إذا ظهرت. بل يقابلونها بكل ثقة وثبات، دون اضطراب أو قلق. أما في العصر الحديث، فتواجه الدعوة الإسلامية ودعاتها مشاكل ومحن لا قبل لهم بها، من المنتسبين إلى الإسلام، بل من المنتسبين إلى الدعوة نفسها أحيانا، كما سيأتي بيان ذلك». قال رحمه الله تعالى: «نوعية المشاكل في الماضي». قال: «أما نوعية المشاكل والمحن في الماضي، قريبا كان أو بعيدا، تتجلى فيما يلي: أولا: إذاء الدعاة في أنفسهم وأتباعهم، وتأذيبهم، لمحاولة إيقاف الدعوة. ثانيا: وربما قدموا لهم بعض المغريات، كالأموال والمناصب والرياسة، ولكن دون جدوى. ثالثا: محاولة القضاء على الدعوة في مهدها، بقتل صاحب الدعوة، أو حبسه، أو نفيه، وإخراجه من أرضه، وإبعاده في الآفاق». كما بينا تفصيل ذلك. هكذا كانت نوعية المشاكل في العصور الغابرة، وكلها باءت بالفشل، إذ جعل الله العاقبة للرسل وأتباعهم، ونصرهم على أعدائهم. ومن نصر إلا من عند الله؟ «ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون». قال رحمه الله تعالى: «نوعية المشاكل في العصر الحديث». قال: «تعيش الدعوة الإسلامية في العصر الحديث حياة لا تعرف لها مثلا في العصور الغابرة. وقد تنوعت المشاكل وتعددت، مما دعا دعاة الحق يحتارون في أمر الدعوة، ومشاكلها المتنوعة، وكيفية التغلب عليها، حتى صار هذا التفكير شغلهم الشاغل. وفي الإمكان أن نوجز أهم تلك المشاكل فيما يلي: أ- الجهل، أي: عدم تصور الإسلام تصورا صحيحا. ب- التناقض الذي يصيب بعض الدعاة أحيانا. ج- النفرة وعدم الانسجام بين المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية. د- وجود بعض الطوائف الضالة التي تعمل في بعض البلاد باسم الإسلام، كالقاديانية. هـ- المناهج العقيمة المقررة في كثير من جامعاتنا. و- آثار الاستعمار الباقية في كثير من البلدان الإسلامية». قال رحمه الله تعالى: «تفصيل الكلام على المشاكل الست». «الجهل حقا، إن الجهل داء، فعلى الداعية أن يبدأ بتكوين نفسه، وإعدادها قبل أن ينزل الميدان للدعوة، وذلك بالفهم الصحيح، بأن يوجه اهتمامه إلى أخذ العلم من مصدره الأصيل: الكتاب والسنة، على أنهما هما المصدران للشريعة، أصولها وفرعها. وبدراستهما يحصل العلم النافع، والهدى، والسيادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أوتيت القرآن ومثله معه». كما أن بغي له أن يدرس السيرة العطرة، ولا بأس أن يطلع على ما تزخر به المكتبة الإسلامية الحديثة من كتب قيمة، تستند إلى القرآن الكريم، والسنة المطهرة، في بحوثها ومعالجاتها للحوادث العلمية. وبذلك يتكون لدى الدارس تصور صحيح لهذا الدين، في أحكامه وتشريعاته، وعقيدته، وعباداته، وأخلاقه. وبذلك يحصل له الفقه في الدين. وهو التصور الصحيح للإسلام، كما قلنا: يتصور ويفهم فهما دقيقا معنى الألوهية، ومعنى العبادة، ومعنى الجاهلية. وما أصدق كلام عمر بن الخطاب، إذ يقول: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية». هو الفقه الذي يريده النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». وعدم هذا الفقه هو الذي جعل أهل الكلام يسمون فلسفتهم توحيدا، وتعطيلا لهم، وتنزيها وإثباتا، وغيرهم تشبيها. وألفوا في ذلك مؤلفات تدرس اليوم في كثير من معاهدنا وجامعاتنا، باسم التوحيد، وليس فيها طعم التوحيد، ولا روحه. بل قد أبعدوا النجعة. فهم كما قال القائل: «نزلوا بمكة في قبائل هاشم، ونزلت بالبطحاء أبعد منزلي». وهؤلاء في واد، والتوحيد والعقيدة في واد. فكم حالت تلك المؤلفات بين شبابنا وبين فهم العقيدة الإسلامية، التي نطق بها الكتاب والسنة، كنتيجة للتصور الخاطئ للإسلام وعقيدته. ولقد أحسن من قال: «العلم قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، ليس بالتمويه، ما العلم نصفك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه، كلا ولا جهد الصفات ونفيها، حذرا من التمثيل والتشبيه». وهذا، وإن عدم الفقه الدقيق هو الذي حمل العباد، أو المنتسبين إلى التنسك والتعبد على ابتداع طقوس بعيدة عن روح الإسلام، وأطلقوا عليها أسماء من عند أنفسهم، على حساب الإسلام. وفرقوا بها جماعة المسلمين، ووزعوهم على تلك البدع، وأعلنوا عن أنفسهم أنهم أهل الله وأحباؤه، ولهم صلاحية ليست للأنبياء والرسل، إذ في إمكانهم أن ي