كتاب الصيام 1

كتاب الصيام 1

الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في كتاب الصيام

يبدأ الشيخ درسًا جديدًا في كتاب الصيام من مختصر الإنصاف والشرح الكبير، مشيرًا إلى أهمية الكتاب وطريقة قراءته. يشرع في شرح معنى كلمة 'كتاب الصيام' والصيام لغة واصطلاحًا.

حكم وفوائد الصيام

الصيام شرعه الله تعالى رحمة وفضلًا، ومن حكمه تحصيل التقوى وتحقق خلق الصبر. الصيام يكفر السيئات ويرفع الدرجات، وأجر الصائم يعظم إلى أضعاف كثيرة.

فضل الأعمال الصالحة في رمضان

الله يضاعف الأعمال الصالحة في رمضان، ليس فقط الصيام بل الأعمال الأخرى مثل قراءة القرآن والصدقة. هذا الفضل يشجع على فعل الخيرات في هذا الشهر.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس بعد مقدمة مختصرة مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام. تم الإعلان عن استمرار الدروس في المستقبل.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم. والآن مع الدرس الأول، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا كتاب الصيام من كتاب «مختصر الإنصاف والشرح الكبير» لشيخ الإسلام الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. وقد مر معنا في مجالس ودروس سابقة أن هذا الكتاب، وله نظائر أخرى، تدل على أن الشيخ رحمه الله لم يكن متمذهبا على المعنى الذي يعرفه المتمذهبون وينشرونه عنه، رحمه الله تعالى، بل كان حريصًا على اتباع الدليل والترجيح في مسائل الخلاف، وكذلك النظر في أقوال العلماء سلفًا وخلفًا. وصدق من قال: الشيخ الحقيقي لشيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله، وشيخ الإسلام من التلميذية، وتلميذه من القيم، رحمهم الله رحمة واسعة. وفي هذا الكتاب، وفي ثنايا مسائله، سيظهر لنا ذلك جليًا، مما يؤكد ما سبق. وكذلك سيظهر كذلك تلك الترجيحات والتحقيقات والإشارات التي تؤكد هذا المعنى. والكتاب في أصله ومختصره من أنفع الكتب، فكتاب الإنصاف للمرداوي رحمه الله تعالى من أنفع الكتب بهذا الباب، فهو يعتني بالمسائل المتعلقة بالكتاب أو الباب، وينقل الخلاف أو الإجماع أو كذلك الافتراق، ويشير غالبًا إلى الترجيح، بل ينقل كذلك أحيانًا عن الشيخين، فينقل الراجح من كلام الإمام أحمد، ويعرج على تلامذة كلام تلامذته. ثم أحيانًا كذلك يشير إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما سيأتي معنا إن شاء الله في ثنايا مسائل هذا الكتاب. وطريقة القراءة في هذا الكتاب هي قراءة وتعليق يسير بما يناسب المقام والزمان. وإن شاء الله -يعني- نقتصر على أهم المسائل التي يحتاج إلى ذكرها أو التنبيه عليها في ثنايا هذه القراءة. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الصيام. مر معنا وتقدم فيما سبق أن «كتاب» فعال، ويأتي كثيرًا «فعال» بمعنى مفعول، فـ«كتاب» بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصيام. ولهذا نظائر مثل «لباس» بمعنى ملبوس، و«كساء» بمعنى مكسو، ونحو ذلك، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصيام. والصيام لغة له معاني، من أشهر معانيه الإمساك، ولكن الصحيح والراجح أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالصيام إمساك مخصوص، إمساك مخصوص ليس عين الإمساك، ولكنه إمساك مخصوص، ولهذا يخص بحسبه. فسمى الله عز وجل الصيام «صمتًا»، وكذلك سمي عن الإمساك عن الطعام والشراب صيامًا، فهو إمساك مخصوص. وأما في الشرع، فله تعريفات كثيرة، من أشهرها وأحسنها: التعبد لله بالإمساك عن الشراب والطعام وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، إلى غروب الشمس. هذا هو تعريف الصيام في الشرع، بما دلت عليه الأدلة الشرعية. والصيام شرعه الله عز وجل، وأوجبه على هذه الأمة رحمةً وفضلًا منه سبحانه وتعالى، وإلا فالله جل وعلا غني عن تعبنا ونصبنا ومشقتنا، ولكن لحكم وفوائد كثيرة شرع الله عز وجل هذا الصيام. من يذكر لنا بعض هذه الحكم والفوائد للصيام؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وهي من أعظم وأهم حكم وفوائد الصيام: تحصيل التقوى. كذلك من حكم وفوائد الصيام: تحقق خلق الصبر، فإن الصائم يصبر ويصبر نفسه على طاعة الله، ويصبر ويصبر نفسه بالامتناع عما حرم الله، ويصبر ويصبر نفسه على أقدار الله. فالصيام فيه مشقة، وفيه ألم وشدة، ولكن بالتعود يخف، ويجد الصائم لهذا التعب والنصب لذة. ولهذا سمي هذا الشهر بشهر الصبر، فهو من أعظم ما يعين المسلم على تطبيق، وكذلك فعلي، خلق الصبر. لأن الصائم الحقيقي ليس الذي يصوم عن الطعام والشراب فقط، ولكن يصوم عن الطعام والشراب وسائر المفطرات والقادحات التي تقدح في الصيام. فيصبر نفسه على طاعة الله ليكمل صيامه، ويصبر نفسه عن محارم الله وعما يغضب الله، وما يغضب الله كذلك ليكمل صيامه. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من سابه أحد أن يقول: «إني صائم»، فلا يرد السفيه بسفهه، والجاهل بجهالته، ولكن يمُسك حتى في الرد. مع أن الله عز وجل يقول: ﴿وَ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ومع ذلك في هذا المقام أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول: «إني صائم»، لأجل يذكر نفسه، ويذكر غيره بهذا المقام العظيم. وهكذا كذلك من فوائده وحكمه: فضل امتثال أوامر الله عز وجل. وفي هذا الامتثال حكمة، ما هذه الحكمة؟ مثال حكمة كل طاعات امتثال، ولكن حكمة مع هذا الامتثال طلب المغفرة والأجر، تمام طلب الأجر حسنات. ولهذا جاء في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث أبي هريرة الصيح مسلم: «رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما»، فالصيام وما يلحق به في رمضان من طاعات يكفر السيئات، وكذلك يرفع الدرجات. دليل رفع الدرجات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، أجَلْ، عام، لكن في الصيام خاصة: «والصوم لي وأنا أجزي به»، «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»، ومعناه أن أجر الصائم أعظم من سبعمائة ضعف، فيضاعفه الله عز وجل إلى أضعاف كثيرة. بل من فضل الله وعظيم كرمه لأهل هذا الدين والصائمين في هذا الشهر: أنه يضاعف لهم أعمالهم في هذا الشهر، حتى الأعمال الأخرى غير الصيام تضاعف في هذا الشهر. دليل دليل على ذلك؟ ها، من يذكر لنا دليلًا؟ لا، أنا قلت: في غير الصيام، الصيام خلاص عرفنا أنها تضاعف الأضعاف ما شاء الله فوق سبعمائة ضعف، فضلًا. نعم، صحيح، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عمره في رمضان كحجة معي». وحديث ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». وهذا من فضائل وفوائد وحكم الله عز وجل في الصيام وشهر الصيام: أن الأعمال فيه تضاعف، ليس فقط الصيام، بل الأعمال الأخرى. إراءة القرآن يضاعف، العمرة تضاعف، الصدقة تضاعف، والإنفاق يضاعف. ولذلك صار بفضل من الله من سنة أهل الإسلام: حب فعل الخيرات في شهر رمضان، لأن الأعمال فيه تضاعف. الذي يبني مسجدًا في شهر رمضان ليس مثل الذي يبني مسجدًا في غير شهر رمضان، الذي يطعم الطعام في شهر رمضان ليس مثل الذي يطعم الطعام في غير شهر رمضان، وهكذا، قل في سائر الأعمال الصالحة، فإنها تضاعف في شهر رمضان. لكن -كما- وهذا من باب الفائدة والتنبيه: قد يكون للمفضول ما هو أولى وحق من الفاضل إذا احتفت به قرائن. مثاله: نريد مثالًا، لأن الآن بعض الناس ما يريد يفعل الخير إلا في رمضان، وقد هذا لا يصح على هذا الإطلاق، فيمنع الخير في سائر الأوقات. فمثال: يأتي في بعض البلاد أن مهنة الناس مرتبطة بموسم معين، مثلًا أهل البحر في السمك تأتي ثلاثة أشهر عندهم الخريف ما في سمك، إذن ما في عمل، فالناس فقراء، بل هؤلاء الذين هم في هذا الحال يكونوا أشد من فقراء في هذه الأشهر الثلاثة. وهكذا كذلك في بعض البلاد الذين يعتمدون على الزرع في الصيف ما شاء الله أمورهم طيبة، لكن في الشتاء لا زرع، فيكونون من الفقراء. ففي مثل هذه الحالة يكون الإنفاق على هؤلاء أعظم وأفضل أجرًا من الإنفاق في شهر رمضان. من يدلنا على ذلك؟ نعم، «يوم ذي مزغبة شدة». وهكذا كذلك لما ولَّى النبي صلى الله عليه وسلم عليًا في غزوة تبوك، جعل له في ولايته ما هو أعظم من خروج المجاهد في سبيل الله، ها، لماذا؟ لأنه غطى مقامًا مهمًا، لو لم يغط حصل ضرر. وهكذا كذلك يقال، ولهذا نوادر وأمور كثيرة. طيب، نكتفي بهذه المقدمة في هذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم، نكمل إن شاء الله بدرس اللاحق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.