شرح العقيدة الواسطية للهراس 81

شرح العقيدة الواسطية للهراس 81

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 81، الدرس الحادي والثمانون:من(وقوله في رقية المريض:ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ...ومرة مجيبا لمن سأله بقوله أين كان ربنا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تقييم صحة الأحاديث النبوية

يتناول المقطع تقييم صحة الأحاديث النبوية، حيث يبين ضعف حديث رقية المريض لضعف أحد رواته، ويشرح سبب إيراد شيخ الإسلام لهذا الحديث الضعيف. كما يقيّم صحة حديث آخر ويخلص إلى ضعفه لكن مع صحته في المعنى.

شرح أحاديث علو الله تعالى

يناقش الشارح أحاديث نبوية متعلقة بعلو الله تعالى واستدلالاتها، ويشرح معانيها ويربطها بآيات قرآنية، ويبين أنواع التوسل إلى الله تعالى، ويؤكد أهمية الإيمان بعلو الله كأحد أصول الإيمان.

التوسل المشروع والممنوع

يتناول المقطع التوسل المشروع الذي يكون بأسماء الله وصفاته أو بالأعمال الصالحة أو بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر، ويفرق بينه وبين التوسل الممنوع الذي يصل إلى حد الشرك، ويبين علو الله تعالى على عرشه وإحاطته بالموجودات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال، وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع» قال: فيبرأ، حديث حسن. يشير رحمه الله إلى الحديث الذي رواه أبو داود، وهكذا الترمذي، بما أشار إليه، وهو حديث ضعيف. ولهذا، كما أشار المعلق، ليس في النسخة المطبوعة ولا المخطوطة من كلام شيخ الإسلام في الواسطية ذكر حديث حسن. ولهذا ذكر بعضهم أنه من إضافة بعض النساخ، وليس هو من كلام شيخ الإسلام. فالحديث ضعيف، روي الحديث وفي إسناده زياد بن محمد الأنصاري، قال به البخاري: منكر الحديث، فهو حديث ضعيف. قد ذكرت ابن حبان رحمه الله في ترجمته أنه منكر الحديث جدًا، يروي المناكير عن المشاهير، قال: فاستحق الترك، ثم ذكر هذا الحديث بعينه. وهكذا ابن عدي ذكر الحديث ونقل كلام البخاري به، أي في زياد بن محمد الأنصاري، فالحديث ضعيف. وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع؛ لأنه ضعيف جدًا، وهكذا كذلك في المشكاة. والشاهد من أنه أراد أن يبين أن فيه إثبات العلو لله عز وجل، في قوله: «كما رحمتك في السماء»، أي في العلو، كما تقدم معنى أن «في» عند أهل اللغة قد تأتي بمعنى «على»، مثل: «لو صلبنكم في جذوع النخل»، أي على جذوع النخل. وهكذا كذلك لها معاني أخرى، مر معنا الكلام عليها في أوائل ما مر من آيات الصفات، فيما يتعلق بالعلو. والحديث ضعيف، فإن قال قائل: كيف الحديث ضعيف، ويورده مثل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؟ هل يخفى عليه ضعفه؟ الجواب: أولًا، قد يخفى ضعفه الشديد على مثله رحمه الله تعالى؛ لأن بعض الأحاديث قد يكون فيها بعض الضعف، ولكن يرى بعض الأئمة أنها لصحة معناها قد يوجد لها شواهد ومتابعات، ولهذا يتساهلون في رواية الضعيف الذي لا يشتد ضعفه على هذا المعنى. وأمر آخر، وهو أقرب من الذي قبله، هو أن بعض أئمة الاعتقاد يوردون بعض الأحاديث على ضعف فيها؛ لأن المقصود ليس هو عين الحديث وما ورد فيه، بقدر ما المقصود تلقي العلماء لمعناه الصحيح بالقبول، ولو كان سنده ضعيفًا. فكون السنة ضعيفًا شيء، وكون العلماء تلقوا معناه الصحيح بالقبول شيء آخر. وقد تكلم الذهب رحمه الله تعالى على معنى ذلك في مقدمة كتابه «العلو»، فيما مر معنا من أنه قد يورد الحديث الضعيف، ولكن ليس لأجل الاستدلال به، وإنما للمعنى الموجود فيه، والمتلقى عند العلماء بالقبول، وما يلحق به مما يتبع ذلك. قال رحمه الله تعالى: «رواه أبو داود وغيره»، وقوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، حديث صحيح، وسيأتي أنه حديث صحيح في الصحيحين في قصة ذي الخويصرة الخارجي، حين قال: ما قال: اعدل يا محمد، فإنها قسمة ما أريد بها وجه الله، أو كما قال. فقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء ببعض الروايات-: «ويحك، فمن يعدل إن لم أعدل؟ ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني الوحي صباحًا ومساءً». وفيه دليل على أن بعض البدع قد تكون مبتدأ شرها بسبب الطمع في الدنيا، فينبغي الحذر من ذلك والانتباه له. قال: قال، وقوله: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه»، قال: حديث حسن، رواه أبو داود وغيره. وفي نسخة: «رواه أبو داود والترمذي وغيره». وفي المخطوط -كما أشار المعلق- ليس فيه حديث حسن، وهذا هو الصواب؛ لأن الحديث ضعيف. فمعناه جاء مرفوعًا من حديث أبي رزين، وتقدم معنا أنه حديث ضعيف، فيه وكيع بن حدس، رواه ابن ماجه وغيره، ويقال: ابن عدس. وجاء موقوفًا عن عبد الله بن مسعود. وأشار المعلق إلى ذلك، وأنه ذكره الشيخ العلامة الألباني في «مختصر العلو»، وصححه. والذهبي قبله وصححه. وكذلك ذكره اللالكائي عن ابن سلم به، وكذلك الطبراني في الكبير، كل ذلك عن ابن مسعود موقوفًا. قال: وقوله للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء»، قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله»، قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة»، رواه مسلم. والحديث تقدم معنا، قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «ربنا الله الذي في السماء» إلى آخره، الحديث الأول والثاني صريح في علوه تعالى وفوقيته، فهو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ومر معنا الكلام على هذه الآية، أي: أأمنتم من في السماء. وأن للعلماء فيها ثلاثة تفاسير: أأمنتم من في السماء، أي: من في العلو، وأمنتم من في السماء، أي: من على السماء، إلى آخره. قال: وقد سبق أن قلنا: إن هذه النصوص ليس المراد منها أن السماء ظرف حاوٍ له سبحانه، بل «في» إما أن تكون بمعنى «على»، كما قالوا كثير من أهل العلم واللغة، و«في» تكون بمعنى «على» في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ صَلَبْنَاكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. وإما أن يكون المراد من السماء جهة العلو. وعلى الوجهين فهي نص في علوه تعالى على خلقه. وفي حديث الرقية المذكور توسل إلى الله عز وجل بالثناء عليه بربوبيته وإلهيته، وتقديس اسمه، وعلوه على خلقه، وعموم أمره الشرعي وأمره القدري، ثم توسل إليه برحمته التي شملت أهل سماواته جميعًا، أن يجعل لأهل الأرض نصيبًا منها، ثم توسل إليه بسؤال مغفرة الحوب -وهو الذنب العظيم- ثم الخطايا التي دونه. فالحوب: الدم الكبير العظيم، بعضهم قال: الكبائر، وبعضهم قال: غير ذلك. قال: ثم توسل إليه بربوبيته الخاصة للطيبين من عباده، وهم الأنبياء وأتباعهم، التي كان من آثارها أن غمرهم بنعم الدين والدنيا الظاهرة والباطنة. فهذه الوسائل المتنوعة إلى الله لا يكاد يرد دعاء من توسل بها. ولهذا دعا الله بعدها بالشفاء الذي هو شفاء الله الذي لا يدع مرضًا إلا أزاله، ولا تعلق فيه لغير الله. والتوسل نوعان: توسل مشروع، وتوسل ممنوع. فأما التوسل المشروع، فهو ما كان بأحد أمور ثلاثة. ما هي هذه الأمور الثلاثة؟ أسماء الله وصفاته، بالأعمال الصالحة، ودعاء الرجل الصالح يضاف الحي الحاضر فيما يقدر عليه. فليس دعاء رجل صالح ميت، ولا غائب، ولا فيما لا يقدر عليه. قال: فهل يفقه هذا عباد القبور من المتوسلين بالذوات والأشخاص، والحق والجاه والحرم ونحو ذلك؟ فعباد القبور لم يفرقوا بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، فهم أخذوا معنى التوسل ولفظه، ثم توسعوا فيه توسعًا لم يفرق بينهم وبين فعل المشركين من عبدة الأصنام والأوثان، وعبدة الأنبياء والملائكة والصالحين ممن سبق. فصار فعلهم كفعل أولئك المشركين لا فرق، وهذا هو عين الشرك. ولكن الأدلة الشرعية فرقت بين التوسل الممنوع والتوسل المشروع على ما تقدم. قال: وأما قوله: «والعرش فوق الماء» إلى آخره، ففيه الجمع بين الإيمان بعلوه تعالى على عرشه، وبإحاطة علمه بالموجودات كلها. فسبحان من هو علي في دنوه، قريب في علوه. ومر معنا الكلام على هذا المعنى بما يغني عن الإعادة. فإن الأدلة الشرعية أثبتت علو الرب جل وعلا، وهي صفة ذات، واستواه على العرش، وهي صفة فعل تتعلق بمشيئته سبحانه وتعالى. وإحاطته بالمخلوقات، وهو سبحانه وتعالى في علوه، لا ينافي ذلك علوه سبحانه. ولهذا قال: «فسبحان من هو علي في دنوه، قريب في علوه»، علي في دنوه بإحاطته وقدرته وعلمه سبحانه وتعالى، وسمعه وبصره، قريب في علوه كذلك. قال: وأما الحديث الرابع، فقد تضمن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان للجارية التي اعترفت بعلوه تعالى على خلقه، فدل ذلك على أن وصف العلو من أعظم أوصاف الباري جل شأنه، حيث خصه بالسؤال عنه دون بقية الأوصاف. ودل أيضًا على أن الإيمان بعلوه المطلق من كل وجه هو من أعظم أصول الإيمان، فمن أنكره فقد حرم الإيمان الصحيح. وقد ذكر العلماء أن فيه كذلك أن من الإيمان بالله الإيمان بعلوه سبحانه وتعالى. وقد استدل نبينا عليه الصلاة والسلام على إيمانها بهذا السؤال، فدل على أن من لم يؤمن بعلو الله عز وجل فهو ليس بمؤمن. وقد نص جماعة من العلماء من الأئمة على أن منكر العلو كافر بنص القرآن ونص السنة. فقد وافق في ذلك فرعون الذي كذب موسى عليه الصلاة والسلام إذ أخبر بعلو الله عز وجل، وقال فرعون: إنه يظنه كاذبًا. وكذلك وافق في ذلك قول من كذب ذلك من الكفار. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام جعل علامة إيمان هذه الجارية إثباتها لعلو الله عز وجل، فدل أن من لم يثبته فهو كافر بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: والعجب من هؤلاء الحمقى من المعطلين النافين، زعمهم أنهم أعلم بالله من رسوله، فينفون عنه الأين بعدما وقع هذا اللفظ بعينه من الرسول صلى الله عليه وسلم مرة سائلًا غيره -كما في هذا الحديث- ومرة مجيبًا لمن سأله بقوله: «أين كان ربنا؟». فأما الأول، فهو حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي فيه قصة الجارية كما تقدم. وأما الثاني، في قوله: «أين كان ربنا؟» فهو يشير إلى الحديث الذي أشار إليه: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وما ثم خلق عرشه على الماء». والحديث ضعيف، وهو المشار إليه في حديث أبي رزين وكيع بن عدس الذي في سنده الضعيف وكيع بن عدس أو حدس كما تقدم معنا. لكن معنى أو بعض معنى صحيح، دلت عليه أدلة أخرى كثيرة. نفتف بهذا، والله تعالى أعلم.