الدرس في شرح مختصر السيرة 10، الدرس العاشر : وفيه : ( ثم لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين ... نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً ويعيذنا من علم لا ينفع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كفر اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم رغم معرفتهم بصفته، بينما أسلم الأنصار وأمر النبي بالهجرة إلى المدينة. تمت الإشارة إلى حسد اليهود وجحودهم للنبي.
شرح الآيات المتعلقة بالمستضعفين والمهاجرين، وتوضيح حكم البقاء بين الكفار وعذر المستضعفين. تم التأكيد على أهمية الهجرة والتمييز بين القدرة والعجز.
التحذير من العلم غير النافع واعتبار النفس على صواب دون تقييم حقيقي. الطلب من الله الرزق بالعلم النافع والحماية من العلم الذي لا ينفع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال الشيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: «قال هم، لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين، أسلم الأنصار أهل المدينة بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود، وذكرهم لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صفته، وأن هذا زمانه. وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ويتوعدون به لمعرفتهم أن العزة لمن اتبعه، يكفرون به ويعادونه، فهو قول الله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾». ومر معنا في أوائل آل الكتاب أن بشارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت عند أهل الكتاب، علم بها اليهود وعلم بها النصارى، وذكر ذلك في التوراة والإنجيل، وأخبروا بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام وموضع المكان الذي يبعث به، وأنه يبعث من المدينة، كما جاء في بعض ما جاء في التوراة أنه يبعث من جبال فاران، وهي جبال حول المدينة. وهكذا كذلك جاء في الإنجيل، كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. وهكذا ما جاء في قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، وما أخبر به بعض علماء أهل الكتاب بعلامات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: خاتم النبوة بين كتفين، وهكذا كذلك أنه يقبل الهدية، يأكل من الهدية ويقبلها، ولا يأخذ الصدقة ولا يأكل منها، وأنه يبعث من موضع به نخل، وهي المدينة. وهكذا كذلك ما مر معنا من قصة في رقيم العظيم الروم، وما كان قد ذكر لقومه أنه أوان ظهور نبي، وهكذا ما وافقه به كذلك صاحب مصر، وغير ذلك من الآيات الكثيرة. ومنها هذا الذي ذكره الله جل وعلا أنهم كانوا يتهددون أهل المدينة، أي اليهود، أنه آن أوان نبي أن يظهر، وأنهم سيكونون معه؛ لأنهم يرون أنفسهم أهل دين، ويرون أهل المدينة أهل شر، فيرون أنهم سيؤمنون بالنبي ويقاتلون معه أهل الشر. وكان الأمر على خلاف ذلك، إذ أنهم كفروا به - أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما لم يكن منهم، حسدا وكفرا وجحودا. قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يعني لما كان معهم من الكتاب، ولما كان معهم من أخبار النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، أي يشهدون على أنفسهم أنهم كانوا يتحدثون ويستفتحون، أي يتحدون بأنه هذا أوان استفتاح وظهور نبي على الذين كفروا. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، أي ما عرفوا في قرارة أنفسهم أنه هو النبي الذي أخبر به في التوراة والإنجيل، كفروا به. فلعنة الله على الكافرين. قال رحمه الله: لما أسلم الأنصار، أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كان بمكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا إليها، وعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة. فهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تُخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال رحمه الله: فوعد الحجرة والمسائل التي فيها كثيرة، لكن نذكر منها مسألة واحدة، وهي أن ناسا من المسلمين لم يهاجروا، كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب. وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْغَبُونَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي أن هذه الآية وإن كانت لفظها نزلت في عين هذه القضية، لكنها آية عامة تحكي واقع بعض من تخلف، أي تخلف في مكة ولم يهاجر مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بخلاف الذين منعوا والذين استضعفوا، أي لم يسمح لهم أهل مكة بالخروج، ولم كذلك يستطيعوا الفرار. فهؤلاء هم المستضعفون، كما سيأتي. قال: فلما خرجت قريش إلى بدر، خرجوا معهم كرها، فقتل بعضهم بالرمي. أي أن الصحابة يرمون بالسهم من بعيد، فيصيب خطأ بعض المسلمين المستضعفين. وإلا لو علموا أن هذا مسلم، ولو كان في صف الكفار، فإنهم لم يقتلوه. ولكنهم ربما رموا بالسهم من بعيد، فيصيب بعض المستضعفين من المسلمين في صفوف الكفار. قال: فلما علم الصحابة أن هذا قتل، وهذا قتل، تأسفوا على ذلك، وقالوا: «قتلنا إخواننا». فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وسبب نزول هذه الآية كما جاء في البخاري من حديث عبد الله بن عباس: «أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، وذكر المعنى الذي تقدم من أنهم أخرجوا إلى الغزو إلى القتال». فكان هذا. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، أو الآيات التي فيها بيان أنه أنهم ظلموا أنفسهم، وليس إثم على المسلمين فيما قتلوا به بعض هؤلاء الذين في صفوف المشركين. قال رحمه الله: فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة وما أنزل الله فيها من الآيات. فإن أولئك تكلموا بكلام الكفر وفعلوا كفرا ظاهرا، يرضون به قومهم. لم يتأسف الصحابة على قتلهم؛ لأن الله بيّن لهم. وهم بمكة لما عتبوا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. يعني أن هذا الحكم كان أول الأمر، وهي الرفقة أن يظهر الإنسان الكفر بلسانه مع وجود الطمأنينة في قلبه؛ ذلك ليتخلص من عذاب الكفار. قال: فلو سمعوا عنهم كلاما، أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه، ما كانوا يقولون: «قتلنا إخواننا». ويوضح قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. ولم يقولوا: «كيف عقيدتكم؟ أو كيف فعلكم؟». بل قالوا: «في أي فريقين كنتم؟». فاعتبروا بقولهم: «كنا مستضعفين في الأرض». وفي هذا دليل على أنه ليس الشأن كل الشأن فقط أن تتمسك بعقيدتك وأن تتمسك بإسلامك بين الكفار؛ فإن هذا لا يكفي. ولو كنت تدعي أنك تتمسك بدينك وعقيدتك في بلاد الكفار أو بين الكفار، فإن هذا ليس الذي أمرك الشرع فحسب. بل أمرك الشرع بشيء زائد عن ذلك، وهو الخروج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، والخروج من بين المشركين إلى بين المؤمنين. كما مر معنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن - وفي رواية المسلم - والمشرك لا تتراءى نارهما». أي لا يمكن أن تكون نارهما نارهما قريبا من بعض، بل نار كل واحد بعيد من الآخر. وهذا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». فانظر إلى لفتة المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: قال فاعتذروا بقولهم: «كنا مستضعفين في الأرض». يعني ضعفا ما نستطيع أن نخرج. قال: فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا، يعني عند قبض الأرواح. بل قالوا لهم: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟». ومعناه أنه لا عذر لكم؛ لأن أرض الله واسعة، ليس بشرط أن تصل إلى المكان الكلاني، لكن يجب أن تخرج من بلاد الكفر ومن بين المشركين إلى بلاد الإسلام، وفي وسط المسلمين، ولو كان ذلك في أي أرض من أرض الله الواسعة. قال: ويوضحه قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. انظر إلى رحمة الله وحلمه وحكمته بخلقه سبحانه. لما كان هذا الحكم في الحقيقة يحتاج إلى قوة وشيء من الإعداد، فإنه لم يكن العذر على من عنده قوة وشيء من الاستعداد، ولو ادعى أنه مستضعف. ولكنه فيه عذر لمن لم يستطع ذلك حقيقة، كالضعيف من الرجال والنساء والولدان، المرأة الغالب عليها الضعف، والولد الصغير كذلك الغالب عليه الضعف، فهذا يُعذر، وهذه تُعذر. والرجل المريض أو الزمن أو من به كذلك عاهة لا يستطيع أن ينتقل بنفسه، ولو كان لا يملك المال. ومشى على رجليه لا يستطيع أن يمشي على رجليه، كأنه ضعيف. أما القوي فإنه لو لم يكن عنده مال، عنده قوة، أو كذلك عنده مال وليس عنده قوة، وكذلك عنده الاستطاعة. وهذا الحكم كما نرى الذي كان في حق الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، فهو في غيرهم من باب أولى؛ فإن الشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فما كان علة في هذا الحكم، وفي هذا الوعيد في حق من تخلف من الصحابة رضي الله عنهم، فهو في حق غيرهم من باب أولى. قال: بهذا بغاية الوضوح. فإذا كان هذا بالسابقين الأولين من الصحابة، فكيف بغيرهم؟! هذا الاستفهام من المؤلف رحمه الله إنكاري، يعني معناه: إذا كان هذا التشديد بحق الصحابة السابقين الأولين في الإسلام والإيمان، فكيف بحق غيرهم الذين ليس عندهم من سابقة الإيمان والإسلام وصحبة النبي عليه الصلاة والسلام ما عند أولئك؟ فإنهم أحق وأحرى بهذا الحكم. قال: ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه دينا. يعني البقاء بين المشركين وببلاد الكافرين صار عند بعض الناس في زمن المؤلف رحمه الله ليس بدين يفعلونه، كما يفعل سائر ما أحله الله من المباحات. وهذا من المؤلف رحمه الله لفتة إلى أن الكثير من الناس جهل دين الله. قال: فإذا فهمت ما أنزل الله فهما جيدا، وفهمت ما عنده من يدعي الدين اليوم، تبين لك أمور. يعني أن من الناس من يدعي الدين، لكنه ليس على الدين على الوجه الشرعي الذي يحبه الله ويرضاه، بل إنهم على خلاف ذلك. قال: تبين لك أمور، منها - وهذا الأول - أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم؛ فإن هذه وأمثالها لا تعرف إلا بالتنبيه. فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية، فكيف بغيرهم؟! يعني إذا كان هذا كان سببا للإشكال لمعظم الصحابة قبل نزول هذه الآية، وكما قلنا لما بلغت هذه الآية ذلك من رجل الذي قال له ضمرة وهو مريض، بادر رحمه الله رضي الله عنه بالخروج من مكة إلى المدينة وهو مريض، فصلت له حكم المسألة بالشرح حقيقة. فكذلك غيرهم من المسلمين يحتاجون إلى طلب العلم الذي به يمثلون أو يعرفون ويمتثلون حكم الله بكثير من المسائل التي لا يعرفون حكمها قبل تعلمهم العلم. قال رحمه الله: ومنها أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم، بل كما قال الحسن البصري فيما روى عنه البخاري - والصحيح أنه لم يروه البخاري كما نبه المعلق، وقد أصاب بذلك - وكذلك الصحيح أنه لم يصح عن الحسن البصري رحمه الله تعالى - يروى مرفوعا ولا يصح، ويروى كذلك موقوفا على الحسن، وهو كذلك الثابت، يعني من حيث السند. وأما معناه فصحيح. قال: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال». ومراده رحمه الله تعالى أن يبين أن مسألة الإيمان والإسلام والتمسك بالدين ليس هو بالتمني، لكن بالعرض على شريعة الله ودين الله. فما وافق دين الله فهو الصواب، وما لا ففيه تقصير. فإذا كان هذا بحق الصحابة، ظنوا أنفسهم أنهم على دين - أي الذين تخلفوا في مكة - ومع ذلك صاروا مبطئين وظالمين لأنفسهم من الظالمين لأنفسهم. فغيرهم من باب أولى. قال رحمه الله: «نسأل الله أن يرزقنا علما نافعا، ويعيذنا من علم لا ينفع». نقف هنا، ونقيم ما تلا بفضل الله والحمد لله رب العالمين.