شرح خمسون حديثا في العقيدة 36

شرح خمسون حديثا في العقيدة 36

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 36، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تمهيد وافتتاحية الدرس

يبدأ الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد، ويشير إلى الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله. يتم التمهيد للدرس بذكر بعض العبارات الدينية.

نصيحة ولاة الأمور وطريقة مناصحتهم

يشرح الدرس كيفية نصح ولاة الأمور سرا وليس علانية، ويتناول سند الحديث وعلتين محتملتين فيه. كما يبين جواب الشيخ الألباني عن هاتين العلتين.

تحذير من المناصحة العلنية وبيان مخاطرها

يناقش الدرس مخاطر المناصحة العلنية للسلطان، ويحذر من أنها قد تؤدي إلى الخروج على الحاكم وتهييج الشعوب وانتشار الفتنة. يشير إلى أن المناصحة السرية هي الأفضل كما فعل أسامة بن زيد.

أسلوب إنكار المنكر والأمر بالمعروف

يُنبه على أن مناصحة ولاة الأمور تكون بالسر وليس بالعلن، مع ضرورة إنكار المنكر والأمر بالمعروف دون الإشارة إلى الأشخاص. يستند في ذلك إلى أصول أهل السنة والجماعة والأدلة من الكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين-: الحديث السادس والثلاثون، قال الإمام ابن عاصم -رحمه الله تعالى-: حدثنا عمر بن عثمان قال: حدثنا بقية قال: حدثنا صفوان بن عمر عن شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم: «ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينصح لسلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه؟». قال شيخنا -غفر الله له-: وإسناده صحيح، قاله الشيخ الألباني -رحمه الله- في تقريج السنة رقم (196). الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث التي تعتبر أصلا في نصيحة ولاة الأمور، وهو مما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، خصوصا في نصحه وتوجيهه ودعوته إلى الله. ففيه أصل معاملة ولاة الأمور ونصيحتهم. ولهذا بوب له ابن أبي عاصم -رحمه الله تعالى- بكتاب السنة، فقال: «باب مناصحة ولاة الأمور كيف تكون؟» يعني: كيف تكون مناصحة ولاة الأمور؟ هل تكون من على المنابر، أو تكون بالتهييج والمظاهرات والاعتصامات وغير ذلك مما يفعله الناس اليوم؟ الجواب: هذا الحديث، وهذا الحديث إن كان قد وجدت فيه علتان: العلة الأولى: بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد صرح بالسماع فيمن بعده، لكن وجد فيه ما ظاهره ليس في السماع بين شريح بن عبيد ومن بعده. وهكذا كذلك ما ذكر مما ذكره الهيثمي وغيره: أن شريح بن عبيد لم يسمع من هشام بن حكيم، وابن معن. وهاتان العلتان تجتمعان في علة واحدة، وهي مسألة السماع بين شريح بن عبيد وهشام بن حكيم. وقد أجاب عن هذه العلة الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- بأنه قد وجد لهذا السند متابعات، بل وللحديث متابعات أكثر من ذلك، وشواهد كثيرة. وقد كان هذا الحديث محل توقف بسبب هذه العلة، وكان شيخنا مقبل -رحمه الله تعالى- ينبه على الضعف الذي في هذا الإسناد. لكن الظاهر -والله أعلم- أن طرق الحديث أكثر من أن يتوقف فيه بمثل هذه العلة. بل للحديث كذلك شواهد من فعل الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- خلاف شواهد هذا الحديث الكثير. ففي صحيح مسلم في قصة أسامة بن زيد حين ذكر له بعض الناس أمر عثمان وعدم مناصحته، فقال لهم: «أو كلما نصحته ذكرت ذلك لكم؟» وأراد -رضي الله عنه وأرضاه- أن مناصحته تكون بالسر، ولا تكون بالعلانية. حتى قال -رضي الله عنه وأرضاه-: «والله ما أكون مفتتحا باب فتنة -أو قال: باب شر-». فجعل المناصحة بالعلانية هي من افتتاح باب الفتنة، وهي من افتتاح باب الشر. ولهذا ذكر العلماء أن من طوائف الخوارج من يخرج على ولاة الأمور بالمنابر، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، ومن قبل ابن حزم وغيره من أهل العلم. فإن ذلك نوع من أنواع الخروج. وفي المناصحة العلنية مفاسد، فمن مفاسدها أولا: أنها سبب لعدم الثقة بأهل العلم، وسوء الظن بهم وكراهتهم؛ لأن في ذلك تشهير بولاة الأمور. وذلك موجب للبغض والكراهية. هذا إذا نقلت النصيحة على الوجه الصحيح، فكيف إذا نقلت النصيحة على غير الوجه الصحيح؟ وهذا هو الغالب من ضعفاء السوء الذين ينقلون الكلام على غير وجهه، ويريدون الإفساد لسوء الدين، وللتملق والتزلف بالباطل والكذب والبهتان. فإن هذا يورث مفسدة أعظم من الأولى. ومن مفاسده كذلك: تهييج الشعوب، وفتح باب الشر، وكذلك حصول الفتنة بين الراعي والرعية؛ لأنه قد توجد بعض المنكرات هي منكرات لا تقتضي الخروج على السلطان، لكن مثل هذه المناصحات العلنية تورث البغض العام والتسخط العام والكراهية، مما يكون فيها نزع يد من طاعة. وعند ذلك لا تسأل عن المفاسد التي تعم المجتمع، ليست فقط في ذرائع ووسائل الخروج على السلطان، بل كذلك بإفساد الأمن الذي يكون في المجتمع؛ لأنه يكون تسخط عام، فلا يعمل أحد بالطاعة. إن كان موظفا فهو يكون في وظيفته؛ لأنه يرى أن السلطان قد صار الناس يشيرون بعيوبه، فهو يبدأ ينزع يده من طاعة. وإن كان كذلك من الجند فإنه تسول له نفسه بالخيانة. وهكذا تعم هذه المفاسد المجتمع حتى يخسر الناس الدين والدنيا. يخسر الناس الدين والدنيا بمثل هذا. وفي هذا كذلك مفسدة أخرى، وهو فتح الذرائع لأعداء هذا الدين للتطاول على بلاد المسلمين. ولا شك أن الحاكم المسلم الظالم خير من الكافر العادل. خير من الكافر العادل. كيف إذا علم أنه ليس بعد الكفر معصية؟ ليس بعد الكفر معصية. ويجهل الدين والعقل والشرع والفطرة من ظن أنه يجد العدل عند كافر. وهكذا كذلك من مفاسده: عدم انتفاع هؤلاء المنصوحين بالنصيحة؛ لأنه أراد بهذه النصيحة انتفاعهم بها، وبالحقيقة لا ينتفعون؛ لأنها بالغالب لا تصل إليهم سليمة، بل تصل مشوهة. وإذا وصلت سليمة فإن الكبر، وكذلك عزة النفس تمنع من قبول مثل هذه النصيحة. وغيرها من المفاسد الأخرى الكثيرة. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة في مناصحة ولاة الأمور أنها لا تكون بالعلن، بل تكون بالسر. إن استطاع أن يدخل عليهم كما سبق من دون فتنة على دينه ولا على دنياه، دخل عليهم وناصحهم. وإن لم يمكنه ذلك أرسل إليهم الكتب، كتب كتابا أو رسالة فيها مناصحة بما يرى أنه تجب المناصحة فيه. وأخيرا ننبه هنا بتنبيه: أنه لا يعني عدم مناصحتهم على الوجه العلني عدم إنكار المنكر وعدم الأمر بالمعروف. فبين المسألتين فرق. المنكر ينكر، لكن من دون أن يقال: فعله فلان. والمأمور به من المعروف يؤمر به، لكن من دون أن يقال: فلان ينهى عنه. فأنت تنهى عن الربا، وتنهى عن الخمور، وتأمر بالصلاة، وتأمر بالصيام، وتأمر بالتوحيد، وتنهى عن الشرك، وغير ذلك مما علمت من دين الله جل وعلا. لكن ليس بلازم أن تقول: المسؤول الفلاني فتح بنكا في المكان الفلاني، أو أن المسؤول الفلاني فتح فندقا واستدعى عاهرات من البلد الفلاني، أو أن المسؤول الفلاني أدخل الخمور وأعطى ترخيصا وإذنا لفتح محل الخمور في المدينة الفلانية. ليس هذا مما فيه مصلحة، لكن حذر من هذه المنكرات، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر. وهذا بإذن الله تعالى لا يسبب مفسدة، وهو مما أوجبه الله جل وعلا: «مر منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». وغيرها من الآيات الكثير من الكتاب والسنة. هذا خلاصة ما ينكر بهذا الحديث، وبه نكتفي. والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.