شرح خمسون حديثا في العقيدة 35

شرح خمسون حديثا في العقيدة 35

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 35، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير النبي من مخاطر الدخول على الحكام الظالمين

يشرح الحديث الخامس والثلاثون عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، حيث حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على الأمراء الذين يكذبون ويظلمون. الدخول عليهم قد يؤدي إلى الفتنة سواء في الدين أو الدنيا.

ضوابط التعامل مع الحكام والسلاطين

ينبغي للمسلم عدم الدخول على الحكام والسلاطين إذا خاف الفتنة، والمناصحة تكون بواسطة الرسل أو الكتاب. كما يجب عدم تصديقهم في كذبهم وإنكار المنكر عليهم دون التشهير بهم.

أحكام طاعة ولاة الأمور وحدودها

يجب طاعة ولاة الأمور فيما يأمرون به إذا كان موافقا لطاعة الله ورسوله. طاعتهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الواجبة، والمحرمة، والمباحة، حسب ما يأمرون به.

تحذير من رواية الأحاديث الموضوعة

يحذر من رواية الأحاديث الموضوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن من يفعل ذلك لا يرد عليه الحوض. يدعو الله أن يجنبنا الفتن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث الخامس والثلاثون. قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده: حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، قال: حدثني أبو حصين عن الشعبي عن عاصم العدوي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دخل ونحن تسعة، وبيننا وسادة من أدم، فقال: «إنها ستكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ويعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض». قال شيخنا -غفر الله له- وصححه الشيخان الألباني في صحيح الترمذي رقم 259، والوادعي في الصحيح المسند، المجلد الثاني، صفحة 177. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة كذلك التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم، خصوصا في مثل هذا الزمان، بل هو من أصول أهل السنة والجماعة في معاملة ولاة الأمور. فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة طاعة ولاة الأمور بالمعروف، السمع والطاعة في المنشط والمكره واليسر والعسر، وفي الأثر: «ومع ذلك فهم لا يعرضون أنفسهم للفتن، فلا يطيعون ولاة الأمور في المعصية، ولا يصدقونهم في الكذب، ولا يعينونهم على الظلم، بل ولا يدخلون عليهم». ففي هذا الحديث مما يتعلق بهذا الباب ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: مسألة تتعلق بولاة الأمور والدخول عليهم، وأنه ينبغي للإنسان المسلم أن لا يدخل على الأمراء؛ لأن في الدخول عليهم فتنة. في الدخول عليهم فتنة، ولو لم يكن من الفتنة إلا أن يعرفوا شخصك، فيملوا عليك ويتعنتوا فيك. وهذا حال أكثر الظالمين، أنهم إذا عرفوا شخصا تعرضوا له. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الدخول على الأمراء. وقد صحب حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عباس أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ومن دخل على السلطان افتتن، ومن دخل على السلطان افتتن»، يعني دخلت عليه الفتنة، إما فتنة الدنيا وإما فتنة الدين. فتنة الدنيا بأن يغروه بشيء من الدنيا الذي معهم فيترك بعض الدين، وإما فتنة الدين، أي: لا يوافقهم على ما يريدون ولا على ما يطمعون، فيكون بذلك التعنت عليه والتعدي والعدوان. وهو إذا لم يدخل عليهم فهو في سلامة من هذا وهذا. ولا يعني ذلك عدم مناصحتهم، بل يناصحون، فإذا أمن على نفسه من الفتنة دخل عليهم للمناصحتهم، كما كان يفعل سلف الأمة، أو إذا وقع ما لا بد منه من الالتقاء بهم، فإنه يناصحهم. وإن لم يمكن أو خاف على نفسه من الفتنة، فإن المناصحة تكون بواسطة الرسل أو بواسطة الكتاب، أن يكتب كتابا. ولهذا، كما قلنا، كان من أصول أهل السنة والجماعة عدم الدخول على أبواب الأمراء والسلاطين؛ لما كان بذلك من الفتنة. وهكذا مما يلحق به بهذا الحديث ألا يصدقهم في كذبهم. وبهذا أولا التحذير من كذب الأمراء، تحذير الناس، وتحذير كذلك الأمراء. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أن هذا من أعظم الذنوب، الإمام الذي يكذب ذنبه من أعظم الذنوب؛ لأنه ليس بحاجة إلى الكذب والخيانة، فإذا كذب فقد وقع في أعظم الذنوب. قرنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالشيخ الزاني، الشيخ الزاني لا حاجة له للزنا، فإذا زنا صار ذلك عظيما عليه. وهكذا ينبغي للمسلم أن لا يصدقهم في كذبهم. وتصديق الكذب يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول أن يصدقهم بكذبهم، بما يعينهم على نشر هذا الكذب، سواء أكان ذلك في تغيير شيء من أحكام الله، أو عدم إقامة بعض الحدود، أو الاعتداء على بعض الناس، أو غير ذلك مما فيه كذب، كذب على الله أو على رسوله أو على الخلق. ومن ذلك تصديقهم في كذبهم أن يكون كذلك غير آمرا بالمعروف ولا ناهيا عن المنكر في ذلك الكذب الذي صدر منهم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غير ما حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العامة والخاصة. فمن ذلك حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ومنها حديث جرير: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم». ومنها حديث زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فمن تابعهم فقد هلك، ومن خالفهم أو أنكر عليهم فقد سلم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ومن سكت أو لم يذكر الإنكار، فإنه برق يبرق، ولكنه لا يسلم. فلا يسلم الإنسان إلا بإنكار المنكر؛ ولأن ذلك فيه إقامة دين الله جل وعلا في الأرض، لكن بما لا يكون فيه مفسدة. ليس من إنكار المنكر الإنكار العلني والتشهير بالحكام، فليس هذا من مذهب أهل السنة والجماعة، وليس من ذلك كذلك إشاعة ذلك في المجتمع على وجه الطعن في الأمراء والحكام، لا. لكن أنكر المنكر بعينه، أنكر على تحريم القمار، وأن هذا مما لا يجوز، تكلم في الرذيلة، تكلم في الزنا، تكلم في اللواط، تكلم في الرشوة، تكلم في غيرها من المنكرات التي في المجتمع، ولا تقصد بذلك شخصا بعينه، لا تقول: الوزير الفلاني قرر كذا وكذا، والأمير الفلاني أمر بكذا وكذا، ليس هذا من دعوة أهل السنة والجماعة؛ لأن في ذلك مفاسد. ومن النوع الثالث من تصديقهم في كذبهم -قلنا الأول أن يعينهم على ذلك، الثاني أن لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر- الثالث أن يكون تساكتا ومقرا لهذا الأمر، فإذا قره بقول أو فعل أعانهم كذلك على ظلمهم. قال: «ولم يعنهم على ظلمهم»، كذلك مما يكون في هذا، أي: مما يكون من معاملة الحكام كذلك أن لا يعانوا على ظلم، ومفهومه: إذا كان بغير ظلم فإنهم يعانون، وهو من الطاعة. ولهذا قال العلماء: إن طاعة ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أن يأمروا بطاعة الله ورسوله، مما أمر الله به أو أمر به رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا يجب طاعتهم فيه. الثاني: أن يأمروا بما يخالف طاعة الله وطاعة رسوله، وهذا لا طاعة لهم فيه، وإنما الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية الله. والثالث: أن يأمروا بما لم يرد فيه أمر ولا نهي من الأمور المباحة، وهذا على القول الصحيح أنه كذلك يجب طاعتهم فيه، ما دام أمروا به، خصوصا إذا لم يخالف شيء من الشرع، ولم يكن فيه إضرار بالعرف، فإن ذلك كذلك يلحق فيه طاعتهم؛ لأنه مما تكون به المصالح المرسلة، مما تكون به مصالح الناس. مثل: يأمر بأن البيع والشراء يقسم يكون مثلا في المكان الفلاني لأصحاب المحلات وأصحاب العربيات يذهبون إلى المكان الآخر، لا يقول قائل: هذا الذي يلزمهم الرزق، هذا ما يجوز، لا. هذا مما فيه مصلحة الناس؛ لأنك إذا أتيت لهذا المكان، هم رأوا أن في ذلك مفسدة، فإذا رأوا أن في ذلك مفسدة وحل النزاع لا يكون إلا بذلك، فتجب طاعتهم بذلك. أو كذلك فرضوا بعض ما فيه شيء من المصالح المرسلة، كأنظمة المرور. وكذلك أحكام المرور، قد يقول قائل: لماذا نلتزم بإشارة حمراء، إشارة صفراء، نمشي ما في إله في الكتاب ولا في السنة، إشارة حمراء ولا إشارة خضراء ولا إشارة صفراء، هذا تحصل به مفاسد، بل يطاع ولو كان هذا في الأمور المباحة؛ لأن به تحصل مصالح الناس وتندر به مفاسد. وهكذا كذلك في هذا الحديث أخيرا أعلم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصدق رسالته؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك في هذا الحديث، ووقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام. وأخيرا فيه عقوبة وجرم من فعل ذلك بأنه ليس من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس منه، ولا يرد عليه الحوض. فدل ذلك على عظم هذا الذنب. نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن. الحمد لله رب العالمين.