الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 125، الدرس الخامس والعشرون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا عبدالله بن مسلمة ... إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله.حدثنا حاتم قال نشأ بها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل عامر بن الأكوع ومكانته عند النبي وأصحابه، ودعاء النبي له بالرحمة واستجابة الله لدعائه. يبرز المقطع قصة عامر بن الأكوع وحديثه عن غزوة خيبر.
يذكر فضائل عامر بن الأكوع ومسائل فقهية مستنبطة من الحديث، منها جواز قول الشعر وتحريم الحمر الأهلية. يشمل أيضاً حسن عشرة النبي لأصحابه وسد الذرائع.
يتناول حكم قتل النفس وأثره على الأعمال الصالحة، ويبين خطأ دعاة التكفير والتفجير. يشرح أن قاتل النفس يحبط عمله حتى لو كان مجاهدا في سبيل الله.
يشير إلى انتهاء الحديث في موضوع معين، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء. ينهي المقطع بتوضيح أهمية العلم الإلهي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن مسلمة، وهو ابن قعنب، بالقعنبي، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، رضي الله عنه، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم، يقول: اللهم لولا أنت مهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداء لك ما اتقينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، وألقيا سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أبينا، وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع. قال: «يرحمه الله». قال رجل من القوم: وجبت، يا نبي الله! لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم. فلما أمس الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانا كثيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم. قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر الإنسية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهريقوها واكسروها». فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «أو ذاك». فلما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه. قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي، قال: «ما لك؟» قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا انحبط عمله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب من قاله، إن له لأجرين»، وجمع بين أصبعيه، يعني هكذا، «إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله». قال: وحدثنا حاتم، قال: نشأ بها. قال: وأخرجه مسلم. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكر دلائل نبوة نبينا، عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك هذا الفصل من أمر دلائل نبوته، إجابة الدعاء. ووجه الشاهد من هذا الحديث، قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع حداء عامر بن الأكوع: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر. ومعنى السائق: الذي يحدو، لأن الغالب أن الحداء يكون للسائق، أي: الذي يسوق الركب، وهو مأخوذ ليس من القيادة، ولكن مأخوذ ممن يكون في مؤخرة الجيش، فيرتجز ويحمس من ربما أثقلته الأحمال والأثقال، فيعينهم ذلك الرجز على النشاط والاستمرار في اللحاق بأول الجيش. فقول النبي عليه الصلاة والسلام حين قالوا له: عامر بن الأكوع، قال: «يرحمه الله»، دعا، وهو عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، فكان في هذا بشارة بشهادة أو استشهاد عامر بن الأكوع، رضي الله عنه، أرضه. ولهذا قال الرجل من القوم: وجبت، يا نبي الله! يعني: أنك مجاب الدعوة، فما دمت قد قلت ذلك، فإنه سيكون. فقال بعدها: «لولا أمتعتنا به»، يعني: إن كنا نحب له الشهادة، لكن نحب أن يبقى معنا في هذه الدنيا قليلا، مما يكون به ما يكون بين الأحبة والأخوة. فهذا موضع الشاهد من الحديث، فإن الله عز وجل استجاب دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فرزق عامر بن الأكوع، رضي الله عنه، الشهادة. وكما قال في آخر الحديث: «إن له لأجرين»، وجمع بين أصبعيه، «إنه لجاهد مجاهد». ومعناه: مات على خير ما يموت عليه المجاهدون، ليس مجاهدا فحسب، بل مجاهدا مجتهدا. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها فضل عامر بن الأكوع، رضي الله عنه، أرضاه. وقد ذكرت أحاديث في فضائله، رضي الله عنه، أرضاه. ويدلنا على ذلك في هذا الحديث مواضع، فضلا عن الأحاديث الأخرى. منها: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، ولا يدعو نبينا عليه الصلاة والسلام إلا لخير، وأهل للدعاء. ومنها: إجابة الله لدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يجيب ربنا جل وعلا لنبيه إلا لمن رضي عنه. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام استغفر أو استأذن ربه أن يستغفر لأمه، فلم يأذن له، واستغفر لعمه، فنهي عنه. فدل على أنه إذا دعا لأحد، فأجاب الله دعاءه، فهو من المرضيين عنه. ومنها: أنه، رضي الله عنه، أرضاه، كان محبوبا عند أصحابه، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في أرضه»، حين جئ بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال: «وجبت». وجئ بأخرى، فذكروها بغير ذلك، فقال: «وجبت». ثم قال: «أنتم شهداء الله في أرضه». وبهذا الحديث حب الصحابة لعامر بن الأكوع، رضي الله عنه، في قولهم: «لولا أمتعتنا به، يا رسول الله!». وهكذا كذلك من أوجه فضله، رضي الله عنه، أرضاه: أنه كان ممن يكون في الساقة، وأهل هذا الموضع هم من خيار الناس. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع في الساقة من كان يرى أنهم أهل لذلك، لما فيه من العمل الشاق مع الثناء القليل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي ذر: «وإن كان في الساقة، كان في الساقة». ومن تأمل الأحاديث الكثيرة، وجد أن أهل هذا العمل في الجهاد هم من خيار الصحابة، هم من خيار الصحابة، كانوا يوكلون مثل هذا العمل. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يكون معهم، أي: في مؤخرة الجيش، رضي الله عنه، أرضاه. ومن فضائله في هذا الحديث كذلك: أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام أنه مات شهيدا، فهو ليس ممن رضي الله عنهم فحسب، بل نال الشهادة. وشهادة الصحابة ليست كشهادة غيرهم، فهم من أوائل من لهم فضل الشهداء. ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله. وهكذا كذلك من ذلك: أن الله كتب له الأجر مرتين، أجر الجهاد وأجر الخطأ. «إن له لأجرين»، وجمع بين إصبعيه، عليه الصلاة والسلام. وقل أن يكون ذلك لأحد. ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له أنه من المجاهدين المجاهدين، الجاهدين المجتهدين، لقوله: «إنه لجاهد مجاهد». ويدلك على ذلك ما كان عليه من عمله، رضي الله عنه. وفوق ذلك كان يسلّي الصحابة ببعض أشعاره، رضي الله عنه، أرضاه. ومنها الأبيات التي سمعناها. وفيها كذلك، ومن فضائله كذلك: قوله: «قل عربي مشى بها بمثله». ومعنى ذلك: أنه قليل في العرب من يكون كعامر بن الأكوع، رضي الله عنه، أرضاه، يعني: في صدقه، وفي قيامه بالعمل الصالح. ومن ذلك: أن توفاه الله على الشهادة. وفي الحديث مسائل أخرى كذلك، من هذه المسائل في هذا الحديث: فضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. ونرى ذلك من قيامهم بهذه الأعمال، وتعاونهم عليها في نصرة دين الله عز وجل. وبهذا نعرف شيئا من الكثير الذي به كان لهم الفضل، بما كان من سابقتهم ونصرتهم لدين الله عز وجل، ومناصرة نبيه عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك: خلق عظيم من أخلاق الصحابة، وكثيرة أخلاقهم الجميلة العظيمة، من ذلك: حب بعضهم لبعض، وود بعضهم لبعض، ورحمة بعضهم لبعض. ويدلك على هذه الأخوة الجميلة التي كانوا يعيشونها، وفي مثل هذه الأحوال. وقل أن يوجد مثل ذلك، مع ما فيه من طمأنينتهم، وكذلك سلو خاطرهم، وشجاعتهم في مثل هذه الأحوال. وفيه من المسائل كذلك: جواز قول الشعر، خصوصا في مثل هذه الأحوال، فإنه مما أقره نبينا عليه الصلاة والسلام. وليس هو بالغناء، حتى لا يقال: إن الغناء يجوز للرجال. فرق بين الشعر الذي يكون فيه إعانة على الخير والبر، بل وما قد يحتاجه الإنسان من أعمال الدنيا، ليس فيه ما يخالف الشرع، ولا في معانيه من الصدف. فهذا من المباح، بل قد يكون بعضه مستحبا. وأما ما نافى الشرع، أو كانت فيه معاني فاسدة، أو كان معه شيء من آلات اللهو والطرب، فهو لا يجوز، ولو ادعي أنه أريد به وجه الله. فإنما يتقرب إلى وجه الله سبحانه وتعالى بما أذن فيه، مما قصد به وجهه، ووافق فيه شريعته. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: جواز الحداء في الشعر. وحداء الشعر: هو تلحينه على حسب ما جرى به عرف الناس، بما لا يخالف الشرع. وللناس في ذلك أعراف، ما دامت لا تخالف الشرع، فلا بأس بذلك. واستدل به بعض أهل العلم: أنه كذلك يجوز قراءة كتب أهل العلم بشيء من اللحن، إذا كان ذلك أنشط للقارئ والسامع. وعلى هذا جرى العمل عند الكثير من أهل العلم في بعض الجهات. ولا يزال موجودا أثره إلى زماننا هذا، خصوصا إذا كانت القراءة طويلة ومستمرة، فإنه ربما يكون ذلك أنشط للقارئ والسامع. وهكذا كذلك في الحديث من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن عشرته لأصحابه، رضي الله عنه، وتفقده لأحوالهم وأمورهم، عليه الصلاة والسلام. فهو الإمام، الأسوة، القدوة. وهو كذلك القريب، الهيّن، الليّن، الرفيق، عليه الصلاة والسلام. فما علو منزلته، وعظيم قدره، عليه الصلاة والسلام، وكثير مهامه، كان سهلا، قريبا من أصحابه، رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا يدلك على عظيم خلقه، عليه الصلاة والسلام. وقل أن يوجد ذلك في إنسان. ولهذا وصفه الله عز وجل بأنه على خلق عظيم. وهذا قليل من كثير من عظيم خلقه، عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك: بعض ما وقع في غزوة خيبر، فإنه وقع في غزوة خيبر قتال، خلافا لمن قال: إنه لم يقع فيه قتال، بل وقع قتال. وهذا مما يدلنا على ذلك. وفيه كذلك من المسائل: جواز محاصرة الأعداء. وفي الأحاديث الأخرى كذلك: تفاصيل تدلنا على مسألة من مسائل الجهاد والقتال، وهي كذلك من السياسة الشرعية في مسألة درء المفسدة الكبرى بالصغرى، وكذلك ارتكاب بعض المحظور لإقامة بعض الواجبات، ودفع محظور أكبر منه. فإنه لا شك أن في الحصار، وفي مثل هذه الأحوال، يكون فيه إضرار بمن لا يستحق القتال، كالنساء والأطفال ونحوهم. لكن كما يقال: هذا مما قد تقتضيه الضرورة. وللضرورة أحكام. وفيه من المسائل: تحريم الحمر الأهلية. وأن تحريمها كان في عام خيبر، كما صحت به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث علي، وهكذا حديث سلمة الذي بين أيدينا، وأحاديث أخرى. والحمر الأهلية أو الإنسية: محرمة بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك: الأمر بإهراق كل حرام. وأنه لا ينبغي أن يبقى عليه بعد حرمته. وأنه لا قيمة له. فكل مال حرام ليس له قيمة في الشرع، ولو كان له قيمة عند صاحبه، فهو هدر. وسدل العلماء بهذا على نظائر كثيرة، كآلات اللهو والطرب، فإنها تهدر وتكسر. والتصاوير وغيرها. لكن هل يكون ذلك بغير إذن ولي الأمر؟ الصحيح: لا بد أن يكون بإذن ولي الأمر، إما بأمره أو بإذنه، سواء كان الإذن قوليا أو عرفيا. فقد يأذن ولي الأمر لبعض الناس في المجتمع أن يقوم بما يقوم به. وليس معنى هذا تخصيص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد لولي الأمر، ولكن بما تقتضيه المصلحة، بما تقتضيه المصلحة. ومن ذلك في بعض الأحوال: يكون لولي الأمر، ولمن يأذن له ولي الأمر. وفيه من المسائل كذلك: سد الذرائع، والتغليظ في النهي إذا اقتضى ذلك التأديب والتأكيد. وجواز ترك ذلك التأكيد إذا كان الأمر يبلغ بدونه. فالنبي عليه الصلاة والسلام عزم في أول الأمر على كسر الآنية. فلما علم أنهم استجابوا، وأنهم كذلك امتثلوا، فاستأذنوه أن لا تكسر الآنية، وأن تغسل. فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن تغسل، ولا تكسر. وعلى هذا يجمع بين هذا الحديث وحديث ابن عمر، وما جاء معنا في حديث أنس في أمر قراب الخمر التي كسرت وخرقت في سكك المدينة. فهل معناه: أن الخمر آنيته تكسر، وغير الخمر آنيته لا تكسر؟ الصحيح: أنه يفصل. إن كان استعمال هؤلاء في هذه الآنية في هذه المرة لا يمنع أن يستعملوا مرة أخرى فيها، فإنها تكسر، حتى يكونوا أعظم زجرا لهم، وسدا لذريعة العودة إلى هذا المنكر. وأما إذا علم أنهم استجابوا، وامتثلوا، وحسنت توبتهم، فتترك لهم آنيتهم، لينتفعوا بها في الحلال، على أن يغسلوها ويطهروها. وبهذا يكون الجمع بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وليس هذا يدل على تخصيص الحكم بالخمر، والتفرقة بينه وبين غيره، على الصحيح. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: جواز بيان شيء من العلم في مثل هذا المقام. أي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال لسلمة: «ما قال سلمة؟» قال: «زعموا أن عامرا حبط عمله». نقل كلاما ربما يكون في مثل هذا المقام، نقله فيه شيء بالنسبة للآخرين. لكن لما كان فيه تبرئة لعامر، وتوضيح للحكم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بقول مثل ذلك، وبين أنه خطأ. فكذلك كل مستفت احتاج أن يسأل، ولو كان فيه ذكر لبعض أقوال الناس، فليس هو من النقل المذموم. لكن إن استطاع أن لا يسمي، كما فعل سلمة، رضي الله عنه، فهو أحسن. يعني: مثلا لو أن إنسانا أخطأ، وأنت تشعر أنه أخطأ، لا حاجة أن تقول: يا شيخ، ما رأيك بقول الشيخ فلان؟ يقول كذا وكذا. ليس من الأدب أن تذكر اسم هذا الشيخ، إذا علمت أنه صاحب فضل، بخلاف أهل الباطل وللأهواء، فإنه قد يذكرون؛ لأجل أن يحذروا. وأما ما يصدر من أهل الفضل، فإنه ينبغي أن يكون إصلاح ذلك بما يبقي لهم فضلهم. فلا حاجة أن تذكره باسمه. كما أنه ليس ينافي فضلهم أن تذكر قولهم الخطأ، إذا احتاج ذلك لإيضاح، إما لرد حق لمحله، وإما كذلك لتوضيح حكم ومسألة، قد يساء في فهمها، ويخطأ في تصورها. وعلى هذا كان هذا السؤال، وهذا الجواب. وبه نعرف فقه السلف، وحسن أدبهم في العلم. وما أحسن أن يتأدب طالب العلم بمثل هذا الأدب، بل المسلم كذلك. فإننا نحتاج إلى ذلك. وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وفي الحديث كذلك: العذر بالخطأ، حتى في مثل هذا المقام. وأن المخطئ في مثل هذا المقام له الأجر مرتين، أجر عمله، وأجر خطأه، ما دامت كانت نيته حسنة. وفيه دليل كذلك على فضل النية الحسنة، وإقترانها بالعمل الصالح. فإنها عون لتصحيح الأخطاء، ولمضاعفة الأجور. فما أحسن أن يخلص الإنسان، ويصلح نيته. وأعظم من ذلك: أن تكون هذه النية مقترنة بعمل، فإنه مهما أخطأ، فإن الخطأ يجبر في ذلك العمل الصالح. ويقاس عليه غيره من إحسان المحسنين، وما يقع معه من خطأ. خطأ مدعي النية الحسنة مع عدم عمله: لا يعدره. كما أن خطأ العامل مع سوء النية لا يعدره. وإنما الذي يعدر: كونه صاحب نية حسنة، وعمل يبرهن صدق نيته. فأمثال هؤلاء ما أخطأوا، فإنهم عند الله يكون لهم الأجر مرتين. وهم كذلك عند الناس: ينبغي أن تبقى كرامتهم وفضلهم، وأن يكون لهم الإعظام والتقدير مرتين. وكما قيل: «هل يبلغ الإنسان مراتب الكمالات إلا بتدرجه في درجات النقص؟» يعني: الإنسان ما يكمل إلا بنقص. ما يكمل إلا بنقص. فهو يتدرج من نقص إلى كمال. فكونه أخطأ، وهو صاحب نية حسنة وعمل صالح، هذا يزيد في فضله، ولا ينقص من ماذا؟ من فضله، ولا من أجره. بل العكس: من كان هذا حاله، في الغالب تكون أخطاؤه محصورة محدودة. وكما قيل: «كفى المرأة نبلا أن تعد معايبها». «كفى المرأة نبلا أن تعد معايبها». فكيف إذا كان في مثل هذا المقام؟ من الذي يريد أن يقتل نفسه؟ ما أحد. وفيه من المسائل كذلك: حبطان عمل قاتل النفس. أن قاتل النفس يحبط عمله، حتى ولو كان من المجاهدين في سبيل الله. فلا يجوز للمجاهد في سبيل الله أن يقتل نفسه. وبه نعرف خطأ ما عليه دعاة التكفير والتفجير، الذين يدفعون صغار الشباب لقتل أنفسهم. فإن هذا من الأعمال المنكر المحرم. وأصحاب هذه الأعمال أحبطوا أعمالهم الصالحة، فضلا عن فعلهم لهذه الكبيرة العظيمة، وهي قتل أنفسهم، مع ما في ذلك من المفاسد الكثيرة على الفرد وعلى المجتمع، وفتح الذرائع لأعداء الإسلام أن يتطاولوا على الإسلام والمسلمين. حتى صارت تلك الأعمال مما يصل بها أعداء الإسلام والمسلمين إلى الوسائل الكثيرة للتسلط على المسلمين. وربما دفع أولئك الأعداء بعض أولئك المغفلين لفعل مثل هذه الأعمال؛ ليفتحوا بها الذرائع للدخول في بعض البلاد، والتسلط على بعض المواضع، بأنواع من القوانين، وفرض الكثير من العقوبات والتشديدات، مما الإسلام والمسلمون عنه في غنية. فيدل ذلك على عدم فقههم للواقع، مع زعمهم أنهم يفقهون، وهم أبعد الناس عن فقه. مع ما فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة العظيمة. وهذا الباب: باب ما يزعمون أنه عمليات استشهادية. في الحقيقة: باب شر وفساد عظيم على المجتمع وعلى المسلمين، خصوصا في هذا الزمان. والعجيب: أنك تجد هؤلاء المفسدين يدفعون بالصغار. وربما إذا سئل: أين أبناؤكم؟ تجد رؤوس هؤلاء دعاة التكفير: أبناؤهم إما يدرسون في الشرق أو في الغرب، فهم في حفظ. ويدفعون بالمساكين من أبناء المسلمين الصغار، المتحمسين العاطفيين، إلى مثل هذه الأعمال التي تخرب عليهم الدنيا والدين. فنسأل الله عز وجل الهداية لنا ولجميع المسلمين. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. والله تعالى أعلم.