الصحيح المسند من دلائل النبوة  141

الصحيح المسند من دلائل النبوة 141

الدرس الحادي والأربعون بعد المائة:( قال البخاري رحمه الله:حدثنا المكي بن إبراهيم ...وقد استجاب الله دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفى الله سعداً وأتم الله له هجرته ).

دلائل نبوّة النبي وشرح حديث سعد بن أبي وقاص

يتناول هذا الفصل شرح حديث سعد بن أبي وقاص ودعاء النبي له بالشفاء وإتمام الهجرة واستجابة الله لدعائه، مما يعد دليلاً على نبوته. كما يتطرق إلى مسائل فقهية متعلقة بالوصية وحدودها الشرعية.

فوائد حديث سعد بن أبي وقاص في الأحكام الفقهية

يستخلص هذا الفصل مسائل فقهية من حديث سعد بن أبي وقاص، منها أحكام الوصية والعطية، وأهمية الرجوع إلى أهل العلم، وميزان الفضل والأجر بالشرع، ومشروعية زيارة المريض والرقية الشرعية.

التعامل مع السحر والعين والمس والتمييز بينهم

يشرح هذا الفصل كيفية التعامل مع السحر والعين والمس، ويوضح أن الرقية الشرعية تكفي للشفاء دون الحاجة لمعرفة مكان السحر أو الساحر. كما يحدد علامات التمييز بين العين والمس والسحر باستخدام آيات معينة لتشخيص الإصابة الروحية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: أخبرنا الجعيد عن عائشة بنت سعد أن أباها قال: "تشكيت بمكة شكوى شديدة، فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا نبي الله، إني أترك مالًا وإني لم أترك إلا بنتا واحدة، فأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث. قال: لا. قلت: فأوصي بالنصف وأترك النصف، قال: لا. قلت: فأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين، قال: الثلث والثلث كثير. ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته. فما زلت أجد برده على كبدي، فما يخال إلي حتى الساعة -فيما يخال إلي حتى الساعة-". وقد استجاب الله دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشفى الله سعدًا وأتم الله له هجرته. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام في استجابة دعائه. فإن من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام استجابة دعائه. وهناك أدلّة كثيرة مرّ معنا بعضها وسيأتي البعض. ولم يستوعب الشيخ رحمه الله كل ما ورد في الباب، ولكن فيما ورد كفاية لكل منصف أن ذلك إن دل على شيء، فقد دل حقًا وصدقًا أنه من علامات صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث من هذه الأدلة، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بالشفاء وأن يتم الله عز وجل هجرته -يعني أن لا يموت بمكة- فاستجاب الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فشفى ربنا جل وعلا سعدًا وخرج من مكة ورجع إلى المدينة، فتمت له هجرته. ففي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل هذه المسألة، فهذا موضع من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفيه مسائل أخرى، من هذه المسائل: في هذا الحديث كذلك مسألة من مسائل كتاب الفرائض وما يتعلق بحكم الوصية، خاصة وقد مرّ معنا قريبًا الكلام عليها. ففيه أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث، وهذا الحديث منه -أي مما يدل على هذا الحكم- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "الثلث والثلث كثير". ومعناه: لا تزيد على الثلث. ولهذا كان ابن عباس يقول: لو أن الناس -يعني تركوا الثلث وانتقلوا إلى الربع- لكان أولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير". وقد صح عن بعض الصحابة ما يدل أن هذا فيما إذا كان في المال المتروك ما يغني الورثة. وأما إذا كان المال المتروك قليلًا، فالأفضل عدم الوصية؛ الأفضل عدم الوصية. ومن يذكر لنا أثرًا في هذا؟ مرّة معنا قريبًا. نعم، جاء عن عائشة، وروي كذلك عن علي. وهل تستأنس له بشيء من القرآن؟ هذا فيه ماذا؟ لا نريد نحن دليلًا على أنه لا وصية. قول الله جل وعلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ استدل به علي رضي الله عنه أنه إن ترك مالًا كثيرًا. وأما إن ترك مالًا قليلًا فلا يوصي؛ لأن المقصود من الوصية ماذا؟ الصدق والأجر. وأعظم الصدق والأجر تكون لمن للأقربين؛ أعظم الصدق والأجر تكون للأقربين. فإذا كان كذلك فلا وصية إذا كان المال قليلًا. وفيه من المسائل كذلك صحة ما قسم العلماء الأحكام فيما يخرجه العبد من هدية وعطية ووصية، فألحقوا حكم العطية بالوصية. وما هي العطية؟ العطية: التبرع في الحياة. إذا كان في الحياة، إذن لا فرق بين الهدية والعطية. لكن ذكروا شيئًا آخر: العطية ما كان من إخراج لمال في حال المرض المخوف -في حال المرض المخوف- يعني الذي هو مضنة الموت. فحكمه حكم الوصية. واستدل العلماء بحديث سعد على هذه المسألة. وفيه من المسائل كذلك الرجوع إلى أهل العلم وأهميته. فإن المسلم لا يستغني عن العلم وأهله. فإذا كان هذا في حق الصحابة، فمن دونهم من باب أولى. فإنك لا تستغني عن أهل العلم حتى في باب الخير؛ فإنهم ربما يدلونك إلى خير الخيرين -كما يقال- وأفضل الأفضلين. كله فضل، لكن الفضل درجات والخير درجات. كيف إذا كان الشيء تظنه فضلًا وهو ليس بفضل؟ وفيه من المسائل كذلك أن ميزان الفضل والأجر ليس بالعقل، ولكن بالشرع. انظروا سعد رضي الله عنه ماذا أراد؟ أراد الأجر وأراد الفضل، ومع ذلك لم يصوبه النبي عليه الصلاة والسلام، بل منعه من ذلك. الذي يريد أراد أن يخرج ثلثي المال فمنعه، أراد أن يخرج نصف المال فمنعه، فأراد أن يخرج ثلث المال فأقره. وهذا يدلنا أن المسلم مهما بلغ كذلك بالخير والفضل، فهو لا يستغني عن العلم. ومهما كانت نيته حسنة، فإن ذلك لا يكفي في موافقة الحق. ما أكثر ما يقول الإنسان: أردت الخير، ولكن كما قال ابن مسعود: وكم من مريد للخير لا يدركه -أو غير مدرك-. فلا يكفي كونك نويت نية حسنة، بل لا بد مع هذه النية الحسنة موافقة الحق والصواب، وهو موافقة الشرع والسنة. وبهذا نعرف أحكام الكثير من المسائل التي يحصل فيها الخطأ لقصور أحد شرطي قبول العمل، وهو موافقة الشرع. فكونه فيه إخلاص، وكونه بنية حسنة، لا يكفي في تصحيح هذا العمل. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك في مشروعية زيارة المريض، خصوصًا ممن له رعاية على من تحته. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتفقد أصحابه. وهكذا كذلك كل من له رعاية، ولو كانت الرعاية عامة، فإنه ينبغي عليه قدر المستطاع أن ينظر أحوال رعيته ويؤدي بعض الحقوق التي يحتاجونها. وهذا من هذا الباب. فإذا كان قريبًا فهو من باب أولى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست» -كما في حديث أبي هريرة- ومنها: إذا مرض فعده. وفيه كذلك من المسائل مشروعية الرقية ووضع اليد فيها. فالنبي صلى الله عليه وسلم رقى سعدًا ووضع يده على جبهته ومسح على وجهه وبطنه. فإذا كان رجلًا مريضًا، فإنك تدعو له وتضع يدك في المكان الذي يألم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان يألم جسده كله، فإنك تمسح على جبهته ووجهه وبطنه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وتدعو له بالشفاء. سواء أن تقول: اللهم اشف فلانًا، اللهم اشف فلانًا. أو تقول كذلك بالدعاء الآخر: اللهم اشفه شفاء لا يغادر سقمًا. أو تقول قبله: اللهم أنت الشافي، اشفه شفاء لا يغادر سقمًا. ونحوها من الأدعية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في رقية المريض. ومنها وضع اليد على الموضع الذي يألم، ويكرر ذلك. فيقول: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك، ويكرر ذلك سبعًا، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه من المسائل كذلك موضع آخر من مواضع دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام، وهو بقاء أثر مسّه عليه الصلاة والسلام على سعد. قال سعد: "فما زلت أجد برده على كبدي -فيما يخال إلي حتى الساعة-" يعني أن يده بردت عليه الألم. وتعرفون الإنسان المريض إذا وضع عليه الشيء البارد يجد راحة وانتفاعًا من هذا البارد الذي يبرد عليه ألمه. فكذلك بقي أثر ذلك عليه إلى ساعته حين حدث بهذا الحديث -يعني بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم- وهذا موضع آخر من مواضع دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته. هذا خلاصة ما يذكر بالحديث، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم. هذا السائل يقول: ما الفرق بين العين والمس والسحر من حيث الأعراض والسبب؟ كيفية العلاج؟ وهل ثبت أو قال: ثبت لعله، وكذا في عدة حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر، وأنه جاءه جبريل وأخبره أن لبيد اليهودي هو الذي سحره، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة كي يأتي بهذا السحر. والآن إذا شخص عُيِّن أو أُصيب بسحر، كيف يعرف الشخص منا أنه سحر، والذي سحره فلان، ووضع السحر مكان كذا وكذا؟ وهذا من أمور الغيب. ليس من الشرط أن تعرف مكان السحر والساحر. إن عرف ذلك، أخذ هذا السحر وأحرق وأتلف. وإن لم يعرف، فيكفيك أن ترقي نفسك إن كنت أنت المسحور، أو ترقي مريضك إن كان مريضك مسحورًا، وتستمر على ذلك. فإن شفاه الله عز وجل، فالحمد لله. والله جل وعلا على كل شيء قدير، وله الحكمة فيما يعطي ويدر سبحانه. وإن لم يشفه، فإنه يصبر ويحتسب، ويعلم أن الخير فيما اختاره الله جل وعلا له. لا يفكر أن يذهب إلى أحد من السحرة أو غيرهم فيصل إلى ذلك. كما كذلك لا يتكلف كما يتكلف بعض المتكلفين بسؤال هذا المريض ومحادثة الجن: من سحرت؟ من الذي سبب بالسحر؟ أين موضع السحر؟ وغير ذلك. فإن مثل هذا ربما يخوض القارئ والمريض وأهله في متاهات. فالجن كيف تعرف أنه يصدقك؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: «صدقك وهو كذوب»؛ لأنه يوحى إليه عليه الصلاة والسلام. أما بعده عليه الصلاة والسلام، لا يعرف هذا القارئ -مهما بلغ في العلم والفضل- أن هذا حق أم كذب. والأصل فيهم الكذب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب». وكذوب: معناه كثير الكذب. فلا تفتح على نفسك باب شر أنت في غنى عنه. لكن استمر بالرقية، استمر بالرقية، وإن شاء الله يشفيه الله عز وجل. وأما علامات الفرق بين العين والمس والسحر، فأهل الخبرة يعرفون ذلك. بعضهم يقول: بقراءة آيات السحر أو العين أو كذلك المس، فيعلم بهذا مدى تأثره بتلك الآيات. والله أعلم.