الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 109، الدرس التاسع بعد المائة:من( فصل:ومن دلائل النبوة استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم ... هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء وقد رواه عكرمة عن ابن عباس). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل استجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كدليل على النبوة، مع الإشارة إلى أن هذا الدليل ليس كافيًا لوحده لإثبات النبوة. يُقدم أمثلة من الأحاديث النبوية التي تبين استجابة دعاء النبي لصحابته.
يفصل هذا الفصل في أهمية استجابة الدعاء في إثبات النبوة، موضحًا أنها ليست كافية لوحدها ولكنها تكون دليلاً عند اجتماعها مع عوامل أخرى مثل قوتها وكثرتها. يذكر مثالاً على ذلك دعاء النبي لابن عباس.
يبرز هذا الفصل فضل عبد الله بن عباس وأهمية العلم الشرعي، مشيرًا إلى دلائل نبوة النبي من خلال استجابة الدعاء وحرص ابن عباس على العلم، ويشدد على أهمية التفقه في الدين.
يناقش هذا الفصل أهمية استفادة طالب العلم من العلماء الأكابر في معرفة أولويات العلوم والاقتداء بهم في سيرهم وهديهم، مشيرًا إلى اعتناء السلف بترتيب العلوم ومعرفة أولوياتها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. اشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: فصلٌ من دلائل النبوة استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم. وهذا الفصل ليس كافيًا في إثبات النبوة؛ لأنه قد يستجاب للرجل الصالح، بل وللمظلوم وإن كان كافرًا. وليس كل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجابًا؛ فقد يدعو ولا يستجاب له، كما دعا على بعض النفر من قريش، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم علمه الكتاب». وقد استجاب الله الدعوة النبوية، فصار ابن عباس أكثر الصحابة تفسيرًا للقرآن. قال: وقال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا هاشم القاسم، قال: حدثنا ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء، قال: فوضعت له وضوءًا، قال: من وضع هذا؟ فأخبر -يعني أنه ابن عباس- فقال: «اللهم فقه في الدين». رواه مسلم. قال: وقال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة -كما في المصنف-: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت في بيت ميمونة ابنة الحارث، وهي خالته، قال: فوضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طهوره، فقال: من وضع هذا؟ فقالت ميمونة: عبد الله. فقالت ميمونة: عبد الله. فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال: وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، قال: أخبرنا قاسم بن مالك المزني، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتيني الله الحكم مرتين. قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء. وقد رواه عكرمة عن ابن عباس. أورد شيخنا رحمه الله هذا الفصل في السياق ذكره للأدلة التي تدل على دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر هذا الفصل تبعًا لمن سبقه ممن ألف في هذا الباب كالبيهقي وغيره؛ فإنهم ذكروا من دلائل النبوة استجابة الدعوة. ونبه شيخنا رحمه الله هنا أن استجابة الدعاء ليست وحدها كافية في تخصيص إثبات الرسالة؛ لأنه قد يستجاب الدعاء لبعض الصالحين في هذه الأمة وفي الأمم السابقة، ولا يعني ذلك كونه نبيًا ورسولًا. لكن فرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -ما معناه- أن علامة النبوة قد توافق كرامة الولي في أصل تلك الكرامة، لكنها قد تختلف عنها في قوتها وكثرتها وعظم وصفها؛ ما يعلم أن مثله لم يكن لأحد من الصالحين مهما بلغ من الصلاح. وهذا ظاهر في كثرة ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من مواضع إجابة الدعاء؛ مما يستدل به أن مثل ذلك لا يمكن أن يكون إلا لنبي من الأنبياء. فمثلًا ما روي في حق ابن عباس، وقد سمعنا وقرأنا هذه الروايات الكثيرة، كلها تؤيد أن مثل هذا لم يقل إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى؛ فقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بدعوات، فاستجاب الله تلك الدعوات، ووقع بمثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. ودعا؛ فقد علم عبد الله بن عباس رضي الله عنه علم الكتاب، وفقها في الدين، وعلم التأويل، وأوتي الحكم مرتين، حتى إنه كان يقدم مع كبار الصحابة من أهل المشورة، أهل الحل والعقد في زمن عمر رضي الله عنه أرضاه. وهذا إن دل على شيء، دل على تأكيد هذا المعنى الذي ثبت في هذه الأحاديث. ومثل هذا مع غيره الكثير ليس هو مثل كرامة الولي، بل هو أعظم من ذلك. فاجتماع هذه النظائر الكثيرة -مما سيذكر بعضه إن شاء الله في هذا الفصل- وغيره كثير مما ذكره غيره بغير هذا الكتاب، يؤيد ويؤكد صدق هذا الأصل. فمن دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام كثرة ما جاء في هذا الباب من مواضع استجابة الدعاء؛ مما يُعلم به أنه نبي الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. وكونه يقع مثله أحيانًا لبعض الصالحين لا ينافي ذلك؛ لأن هذا في هذا الباب، وهذا الموضع كان على هذه الاستفاضة. وقد تقدم معنا في فصل سابق كيف أن مسيلمة الكذاب كان من علامات بيان كذبه عدم استجابة الدعاء له، وربما دعا فحصل خلاف ما دعا، وكان هذا من علامات تكذيبه وبيان كذلك فساد دعوته. والعكس بالنسبة لنبينا عليه الصلاة والسلام تمامًا. وفي هذه الأحاديث مسائل أخرى، من أهمها نذكر ثلاثًا: فيها فضل عبد الله بن عباس رضي الله عنه أرضاه، وفيها كذلك أن هذا الفضل لم ينله براحة الجسد، وإنما بحرص وجد واجتهاد؛ لأجل أن نعرف أن الفضل لا ينال براحة الجسد. فمن جد وجد، فهو الذي كان يحرص على العلم على صغر سنه رضي الله عنه أرضاه، حتى حرص أن يلازم النبي عليه الصلاة والسلام في أخص الأحوال، فيأتي إلى بيت خالته ويأخذ من علمه. بل حرص على أخذ العلم حتى بعد وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام من كبار الصحابة. ومر معنا في دروس سابقة قصة عبد الله بن عباس مع الأنصاري: كيف كان يختلف عبد الله بن عباس إلى مجالس العلم عند كبار الصحابة، فأنكر عليه الأنصاري ذلك، ولم يظن أن الناس سيحتاجون إلى مثل عبد الله بن عباس مع وجود كبار الصحابة وعلمائهم. فلم ينقضِ زمان طويل حتى احتاج الناس لعبد الله بن عباس، فقال ذلكم الأنصاري: لقد كان هذا الفتى أعقل مني؛ لأجل أن نعلم أن هذا الفضل لم يصله عبد الله بن عباس رضي الله عنه براحة الجسد. وهكذا كذلك ثالثًا: فيه أهمية الاعتناء بالعلم الشرعي والتفقه في الدين، وعلم التفسير على وجه الخصوص؛ ولهذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام به على وجه الخصوص. فكذلك يقتضي هذا اعتناءً خاصًا؛ العلم كثير وهو يتفاوت في أولوياته. ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يحرص على الأهم فالأهم منه. ومن هذا الأهم العلم الشرعي، ومن أهم العلم الشرعي الاعتناء بالكتاب والسنة حفظهما ومعرفة أحكامهما؛ فإن هذا من أعظم ما ينبغي أن يعتنى به. وقد يعجز طالب العلم في معرفة هذه الأولويات وتقديمها، ولكن ينبغي أن يستفيد ممن هو أعلم منه، ممن عرف بالإمامة والهداية في زمانه؛ فهم خير خلف لخير سلف، فيستفيد منهم في معرفة تلك الأولويات، فيقتدي بهم ويأخذ بسيرهم وهديهم بما ينتفع به. ولا يفوت من عمره الوقت الكثير فيما لا ينفع، أو ربما فيما ينفع لكن يوجد ما هو أنفع منه. فترتيب العلوم ومعرفة أولوياتها هذا مما كان يعتني به السلف. وهذه الأحاديث كما ترون تدل على معنى ذلك. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.