الدرس في تفسير سورة الطلاق من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول الآيات أحكام السكنة والنفقة للمطلقات، حيث يأمر الله الأزواج بإسكان المطلقات في مساكنهم حسب سعتهم. يبين أيضًا أحكام إرضاع الأطفال وأجور المرضعات.
يفسر المقطع قوله تعالى «وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» ويشرح معاني الإضرار بالمطلقة. يبين وجوب النفقة عليها وعلى حملها إن كانت حاملًا.
يفسر المقطع الآيات المتعلقة بالإرضاع والنفقة بعد الطلاق، مشيرًا إلى أهمية التعاون بين الزوجين. يبين أن الإنفاق يجب أن يكون حسب قدرة الشخص.
يشير المقطع إلى اكتمال المعنى والفائدة من الحديث السابق. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. قال المفسر رحمه الله: «أسكنوهن أي المطلقات من حيث سكنتم أي بعض مساكنكم من وجدكم أي سعتكم، عطف بيان أو بدل مما قبله بإعادة الجار وتغيير مضاف أي أمكنة سعتكم لا ما دونها». ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن المساكن فيحتجن إلى الخروج، أو إن نفقة فيفتدين منكم. وإن كن أولاة حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم أولادكم منهن فآتوهن أجورهن على الإرضاع. وأتمروا بينكم وبينهن بمعروف، بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع. وإن تعاسرتم تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله، فسترضع له للأب أخرى. ولا تكره الأم على إرضاعه. لينفق على المطلقات والمرضعات ذو سعة من سعته، ومن قدر ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه أعطاه الله على قدره. لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. سيجعل الله بعد عسر يسرا. وقد جعله بالفتوح. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، تُؤخذ في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة سورة الطلاق التي ملئت بالأحكام والحكم. وفي هاتين الآيتين يأمر الله عز وجل الأزواج وكل من حول المطلق، والخطاب خاص نعم وهو خاص للزوج، وكذلك الزوج المطلق والزوجة المطلقة وأهل الزوجين وولاة الأمر القريبون والبعيدون أن يمتثل الجميع أمر الله سبحانه وتعالى في أمر السكنة. وذلك أن تعطى المطلقة حقها في السكنة. «أسكنوهن» أمر من الله عز وجل بإعطاء المطلقات حقهن في السكنة في فترة الطلاق «من حيث سكنتم» قال أي بعض مساكنكم. والمراد ما ذكر في الآية بعدها أي صاحب السعة من سعته وصاحب الضيق من ضيقه. فلا يجوز لصاحب السعة أن يبخل على المطلقة إذا وسع الله عز وجل عليه، بل ينبغي أن يوسع عليها كما وسع الله عز وجل عليه. بل الواجب أن يبقيها على ما كانت عليه إلا بما يكون فيه مخالفة للشرع، فإنه يجعل حدًا لحدود الله ولشرع الله، أو ما كان فيه مفسدة ومضرة، فإنه يجعل حدًا لهذه المفسدة والمضرة. لا ضرر ولا ضرار. فإن كان هناك ما يضر وضعها في المكان المناسب بما يدفع به الضرر. وهكذا كذلك ينبغي هي أن لا ترضى لنفسها بضرر لا في دينها ولا في دنياها. فالجميع يحرص على السكنة التي يحبها الله سبحانه وتعالى، سكنة كريمة بما لا يخالف الشرع، وليس فيها إضرار. وهكذا كذلك قوله سبحانه «من وجدكم» أي من سعتكم، كما قال رحمه الله. والمعنى من وسع الله عز وجل عليه فيعطي من جدته أي سعته. وهكذا كذلك قوله رحمه الله عطف بيان أو بدل مما قبله بإعادة الجار وتقدير مضاف أي أمكنة سعتكم لا ما دونها. وعلى كلا الوجهين يكون فيه تفسير وتوضيح لهذه الجدة والوجد من الموجود أي ما وجد، والجدة من السعة والقدرة المالية والحسية. ولهذا قرية ها هنا قراءتان سبعيتان مشهورتان صحيحتان بضم الواو «وجدكم» من الوجود، وبكسر الواو «وجدكم» من الجدة. وكلا القراءتان قراءة صحيحة. وهذا من فوائد اختلاف القراءات زيادة معنى بهذه القراءة الأخرى. ويكون معنى ذلك أن من كان عنده شيء موجود فالموجود لا يتكلف حتى ولو كان عنده سعة، يعني ليس صاحب السعة ملزم بأن يستأجر شيئًا جديدًا أو أن يشتري شيئًا جديدًا لأجل أن يعطي من سعته، ولكن الموجود الذي هو معه. فالمرأة كانت في بيت ويبقيها في نفس البيت، أو كانت في مكان مستأجر ووافق انتقاله إلى مكان آخر في وقت الطلاق لأسباب لا لأجل الإضرار بالمرأة، فكذلك هذا الانتقال ينبغي أن يكون فيه معنى الوصفين لا ضرر على الزوج المطلق ولا على المرأة المطلقة. فالمعنيان هما ما هو موجود لا يتكلف الزائد، وإذا كان منشئًا شيئًا جديدًا فإنه يكون بحسب سعته، صاحب السعة من سعته وجدته، وصاحب الضيق وكذلك الفقر من فقره وضيق حاله. وقوله رحمه الله تعالى في تفسير قوله جل وعلا «وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» قال: «المساكن فيحتجن إلى الخروج أو النفقة فيفتدين منكم». وهذا الصحيح أنه من التفسير ببعض المعنى. والمراد لا تضار المرأة المطلقة بأي نوع من أنواع الإضرار، سواء أكان الإضرار بالسكن، وهذا الإضرار بالسكن يتناول معاني كثيرة من أهمها أربعة: أولها أن يضيق عليها في المكان، وثانيها أن يضيق عليها كذلك في السعة، وثالثها أن يضيق عليها من جهة معنوية فيؤذيها بالقول أو الفعل أو غير ذلك فتكره السكنة في هذا المسكن، ورابعها أن يدخل معها من يضيق عليها، فهذا كذلك من الأذية وليس من الإحسان الذي يحبه الله. مثلًا في فترة الطلاق يقوم فيتزوج ويضع امرأة جديدة في نفس المكان لأجل أن يغيظها ويؤذيها ويضرها، وهذا لا يجوز لا ضرر ولا ضرار، بل يبقيها على ما هي عليه ويكرمها ولا يكايدها، ويفعل الإحسان الذي يحبه الله سبحانه وتعالى فيمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ومن الإحسان أن يعينها على أن تكمل العدة على وجه ليس به ضرر ولا ضرار. وهكذا كذلك النفقة، فلا يضيق في النفقة لا عليها ولا على حملها إن كان لها حمل، ولا على رضيعها إن كان لها رضيع، ولا على أطفالها إن كان لها أطفال، بل ينفق النفقة التي يحبها الله سبحانه وتعالى، صاحب السعة والجدة من سعته وجدته، وصاحب الفقر والضيق من فقره وضيقه. وهكذا كذلك من المعاني الأخرى في الإضرار أي نوع من الإضرار الجسدي كان يضرب أو كذلك يفعل أشياء أخرى فيها إضرار. فالإضرار عام يتناول كل معاني الإضرار، ومنه ما ذكر رحمه الله من الأمرين السكنة والنفقة. وقوله رحمه الله في تفسير قوله جل وعلا «وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ» قال رحمه الله: «فإن أرضعن لكم» قال «أولادكم منهن». والمراد هنا أن الآية زيادة إيضاح في الحق في حق الحامل. وقد اختلف أهل العلم هل في هذا دليل على أن هذا الحكم خاص أي النفقة بحق الحامل؟ الصحيح أن النفقة للحامل ولغير الحامل ما دامت في عدتها، ولكن الحامل لها نفقة زائدة لأجل الحمل. الحامل لها نفقة زائدة لأجل الحمل. ولذلك لو كان طلاق المرأة بائنًا فإنها تُعطى نفقة إن كانت حاملًا لأجل الحمل، ولا تُعطى نفقة إن لم تكن حاملًا. وإن كان قبل انتهاء العدة أو كان في غير بينونة فإنه يُنفق على المرأة وعلى حملها إن كانت حاملًا، فتزداد النفقة. فيكون ذكر النفقة لأولاة الحمل من باب التأكيد على زيادة النفقة بحق الحمل. فيكون فيه إشارة إلى حكم أولوي إذا ذكرت الحامل لأجل الحمل، فمن باب أولى أصل الأم، أصل الأم من باب أولى أن يُنفق عليها. فيكون ذلك الحكم مذكورًا بالتضمين. وهذا هو الصحيح من قول أهل العلم في التفسير والفقه والحديث. وقوله سبحانه «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» قال: «على الإرضاع» يعني المرأة إذا أرضعت فإنها تعطى أجرة هذا الإرضاع. ولا يكون هذا على وجه المشاحة، فهي أم كما أن ذاك أب. فهذا الأب لأنه الغالب عنده القدرة المالية، فإنه يكرم هذه الأم بما يكون من إرضاعها لولده، ولا يبخل عليها. وهكذا كذلك الأم لا ينبغي أن تشح بالإرضاع، ولا يجوز لها ذلك أي تبخل بالإرضاع لأجل المال. فإن كان صاحب فقر وضيق فلا ينبغي أن تشح في الإرضاع لأجل الزيادة في المال فتحرم هذا الصبي أو تلك الصبية من حقه في الرضاع لأجل الشح في نفقة الرضاع. وقوله رحمه الله قال: «وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ» قال «وَبَيْنَهُنَّ» لأن الآية تدل على هذا المعنى. الإتمار للطرفين كما تقدم في أول الآيتين للزوجين الذين وقع بينهم الطلاق، ولمن يقوم عليهم من أهل الزوجين، وهكذا ولاة الأمر القريبون والبعيدون ممن دخلوا في هذه القضية. ينبغي أن يأتمر الجميع بالمعروف الذي يحبه الله سبحانه وتعالى شرعًا، وهكذا الذي يحبه الناس كذلك عرفًا. فالمراد بالمعروف المعروف شرعًا وعرفًا مما يحبه الله سبحانه وتعالى. ولهذا نكر المعروف، والنكر في سياق الإثبات يفيد الإطلاق. قال: «بجميل بحق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع». والصحيح أن الآية أعم من قضية الإرضاع. فالمقصود التام بالمعروف في الإرضاع وفي غيره مما ذكر من النفقة وسائر ما يكون بين الزوجين في فترة الطلاق والعدة عدة الطلاق. وقوله رحمه الله تعالى في تفسير قوله جل وعلا «وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ» قال: «تضايقتم في الإرضاع فامتنع الأب من الأجرة والأم من فعله». والمراد بالتعاسر هاهنا حصول الشح أو اختلاف وجهات النظر. وهنا تنتقل الرضاعة إلى امرأة أخرى. ولا ينبغي ذلك؛ لأن مصلحة هذا الرضيع بأن يرضع من أمه لا من غيرها، إلا أن يكون هناك مانع عند الأم من مرض أو غيره لا تستطيع الإرضاع، فعند ذلك ينتقل إلى غيرها. وإذا كان ليس عندها عذر فالواجب التوافق في حصول الإرضاع وعدم حصول المشاحة والمضارة في هذا الإرضاع. الرجل بما ينفق والمرأة بما ترضع يريدون ما عند الله. وهكذا كذلك نفع هذا الرضيع الذي هو لهما جميعًا. ولهذا قال: «وأتمر بينكم» وأتى بضمير الجمع؛ لأن المصلحة من الجميع وللجميع. وقوله سبحانه وتعالى: «فَسَتُرْضِعُ لَهُ» قال: «للأب». والمقصود بهذا الرضاع كما تقدم إذا كان هناك مانع وإلا فالأصل المرضعة هي الأم. «أخرى» قال: «ولا تكره الأم على إرضاعه» يعني إذا امتنعت الأم لا تجبر بالقوة على الإرضاع، خصوصًا إذا كان هناك مانع يمنع شرعي أو عرفي أو كذلك طبي أو غير ذلك من الموانع. «وأخرى» يشمل كل مرضعة على الصحيح، المسلمة والكافرة والقريبة والبعيدة. المقصود هو الأصلح في حق الرضيع. ولا شك أنه يحرص في الرضاع على رضاع من اكتملت فيه الصفات الدينية والصفات الدنيوية. لا يحرص على الصفات الدنيوية دون الدينية؛ لأن الرضاع يؤثر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، وهكذا جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين. ولا يزال معروفًا في عرف الناس أثر الرضاع على أصحابه. وقد كان العرب يسترضعون أبناءهم ليس فقط عند من عندهم الصفات الحسية، بل كذلك من عندهم الصفات المعنوية؛ لأن هذا الرضاع هو غذاء حسي ومعنوي. فينتقل هذا الغذاء الحسي والمعنوي إلى هذا المرضع وهذا الرضيع يتأثر بهذا الرضاع في صفته الحسية وفي صفته المعنوية. فلذلك ينبغي أن يحرص على اكتمال الصفات في المرأة المرضعة وأهلها، ليس فقط في المرأة، بل وكذلك أهل هذه المرأة المرضعة؛ لأن الآثار المعنوية تنتقل على الصحيح من أقوال أهل العلم والمعرفة والخبرة. وقوله رحمه الله تعالى بعد ذلك: «لِيُنْفِقْ» قال: «على المطلقات والمرضعات ذو سعة من سعته». هذا كما تقدم تأكيد لما سبق في أمر الإنفاق. أن صاحب السعة من سعته، وصاحب الضيق والفقر من ضيقه وفقره. فيصبر على هذا، ويؤمر ذاك بالإكرام. وقوله سبحانه: «وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ» قال: «أعطاه على قدره» أي من ذاك السعة الذي وسع الله عز وجل عليه. لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. سيجعل الله بعد عسر يسرا. قال: «وقد جعله بالفتوح». والصحيح أن الآية خاصة فيما يتعلق بحكم الزوجين في فترة الطلاق. فهي تبشر أن من أنفق فسيخلف الله عز وجل له خيرًا، ومن ضاق عليه الحال فسيبدله الله عز وجل بخير. فإن كانت المرأة في سعة وانتقلت إلى ضيق فإن الله سيخلف لها ولولدها بالخير. فتحسن الظن بالله عز وجل. «سيجعل الله بعد عسر يسرا». وقرئ «عسر» بقراءتين سبعيتين بسكون السين وضمها. قراءتان سبعيتان مشهورتان صحيحتان. وكذلك في هذا زيادة معنى. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.