الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 69

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 69

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 69، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريف الكتب السماوية وآراء العلماء

يتناول آراء المسلمين وأهل الكتاب حول تحريف الكتب السماوية، حيث اتفقوا على وقوع التحريف في المعاني والتفسير واختلفوا في تحريف الألفاظ. يرى بعض علماء المسلمين أن ألفاظ الكتب لم تبدل بينما يرى كثيرون أن بعض ألفاظها قد بدل.

تحريف التوراة والإنجيل وحفظ القرآن

يناقش مسألة تحريف التوراة والإنجيل ويشير إلى تغيير بعض ألفاظ النسخ الموجودة، بينما يبرز حفظ القرآن الكريم بالنقل المتواتر. يُظهر أن الأحكام كانت موجودة لكن التغيير وقع في الأخبار.

تفسير الحكم بما أنزل الله وتأصيل الشرائع

يفسر الآية الكريمة حول الحكم بما أنزل الله ويوضح أن الأمر موجه لمن كانوا قبل مبعث النبي محمد، وأن الإنجيل الحق كان يحتوي على الأمر باتباعه. كما يشير إلى أن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا خاصا بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة الذي جعلوه من جهة المسلمين وجوابهم، ظنهم أن المسلمين يقولون: إن هذه الكتب حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يقوله المسلمون. ولكن قد يقول بعضهم: إنه حرف بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ألفاظ بعض النسخ. فإن الجمهور الذين يقولون إن بعض ألفاظها حرفت، منهم من يقول: كان هذا قبل المبعث، ومنهم من يقول: كان بعده، ومنهم من يثبت الأمرين أو يجوزهما، ولكن لا يقول: إنه حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة في مشارق الأرض ومغاربها كما حكاه هذا الحاكي عنهم. ولكن علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب متفقون على وقوع التحريف في المعاني والتفسير، وإن كانت كل طائفة تزعم أن الأخرى هي التي حرفت المعاني. وأما ألفاظ الكتب، فقد ذهب طائفة من علماء المسلمين إلى أن ألفاظها لم تبدل، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكتاب. وذهب كثير من علماء المسلمين وأهل الكتاب إلى أنه بدل بعض ألفاظها، وهذا مشهور عند كثير من علماء المسلمين، وقاله أيضا كثير من علماء أهل الكتاب. حتى في صلب المسيح، ذهب طائفة من النصارى إلى أنه إنما صلب الذي شبه بالمسيح، كما أخبر به القرآن، وإن الذين أخبروا بصلبه كانوا قد أخبروا بظاهر الأمر. فإنه لما ألقى شبه على المصلوب ظنوا أنه هو المسيح أو تعمدوا الكذب. ثم هؤلاء منهم من يقول: إن في ألفاظ الكتب ما هو مبدل، وفيهم من يجعل المبدل من التوراة والإنجيل كثيرا منهما، وربما جعل بعضهم المبدل أكثرهما، لا سيما الإنجيل، إن الطعن فيه أكثر وأظهر منه في التوراة. ومن هؤلاء من يصرف حتى يقول: إنه لا حرمة لشيء منهما، بل يجوز الاستنجاء بهما. ومنهم من يقول: الذي بدلت ألفاظه قليل منهما، وهذا أظهر. والتبديل في الإنجيل أظهر. بل كثير من الناس يقول: هذه الأناجيل ليس فيها من كلام الله إلا القليل، والإنجيل الذي هو كلام الله ليس هو هذه الأناجيل. والصحيح أن هذه التوراة التي عند أهل الكتاب فيها ما هو حكم الله، وإن كان قد بدل وغير بعض ألفاظهما، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. فعلم أن التوراة التي كانت موجودة بعد خراب بيت المقدس، وبعد مجيء بختنصر، وبعد مبعث المسيح، وبعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فيها حكم الله. والتوراة التي كانت عند يهود المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن قيل: إن غير بعض ألفاظها بعد مبعثه، فلا نشهد على كل نسخة في العالم بمثل ذلك. فإن هذا غير معلوم لنا، وهو أيضا متعذر. بل يمكن تغيير كثير من النسخ وإشاعة ذلك عند الأتباع، حتى لا يوجد عند كثير من الناس إلا ما غير بعد ذلك. ومع هذا، كثير من نسخ التوراة والإنجيل متفق في الغالب، إنما تختلف في اليسير من ألفاظها. فتبديل ألفاظ اليسير من النسخ بعد مبعث الرسول ممكن، لا يمكن أحد أن يزعم بنفيه، ولا يقدر أحد من اليهود والنصارى أن يشهد بأن كل نسخة في العالم بالكتابين متفقة الألفاظ، إذ هذا لا سبيل لأحد إلى علمه. والاختلاف اليسير في ألفاظ هذه الكتب موجود في الكثير من النسخ، كما قد تختلف نسخ بعض كتب الحديث أو تبدل بعض ألفاظ بعض النسخ. وهذا خلاف القرآن المجيد الذي حفظت ألفاظه في الصدور بالنقل المتواتر، لا يحتاج أن يحفظ في كتاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وذلك أن اليهود قبل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهده وبعده منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، وعندهم نسخ كثيرة من التوراة. وكذلك النصارى عندهم نسخ كثيرة من الإنجيل. ولم يتمكن أحد من جمع هذه النسخ وتبديلها. ولو كان ذلك ممكنا لكان هذا من الوقائع العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها. وكذلك في الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾. وعلم أن في هذا الإنجيل حكما أنزله الله تعالى. لكن الحكم هو من باب الأمر والنهي، وذلك لا يمنع أن يكون التغيير في باب الأخبار. فالإخبار هو الذي وقع فيه التبديل لفظا. أما الأحكام التي في التوراة، فما يكاد أحد يدعي التبديل في ألفاظها. وقد ذكر طائفة من علماء أن قوله تعالى في الإنجيل: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ هو خطاب لمن كان على دين المسيح قبل النسخ والتبديل للموجودين بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول مناسب لظاهر قراءة من قرأ: "وليَحْكُمْ أهل الإنجيل" بكسر اللام. فإن هذه القراءة توجب أن يكون المعنى: وأتيناه الإنجيل لكذا وكذا، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. وهذا يوجب الحكم بما أنزل الله في الإنجيل الحق. نعم، الحق في الإنجيل الحق لا يدل على أن الإنجيل الموجود في زمن الرسول هو ذلك الإنجيل. وأما قراءة الجمهور: "وليَحكُم أهل الإنجيل"، فهو أمر بذلك. كما قال العلماء: هو أمر لمن كان الإنجيل الحق موجودا عندهم أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ أمرا لهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: لا حاجة إلى هذا التكلف. فإن القول في الإنجيل كالقول في التوراة. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَةَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهَا﴾. إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. فعلم أن أولئك الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود عندهم التوراة فيها حكم الله، ثم تولوا عن حكم الله. وقال بعد ذلك: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾. وهذه لأم الأمر، وهو أمر من الله أنزله على لسان محمد، وأمر من مات قبل هذا الخطاب. وأمر من مات قبل هذا الخطاب منتف، وإنما يكون الأمر أمرا لمن آمن به من بعد خطاب الله لعباده بالأمر. فعلم أنه أمر لمن كان موجودا حينئذ أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل. والله أنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، كما أمر به في التوراة. فليحكموا بما أنزل الله في الإنجيل مما لم ينسخ محمد صلى الله عليه وسلم، كما أمر أهل التوراة أن يحكموا بما أنزله مما لم ينسخ المسيح. وما نسخه فقد أمروا فيها باتباع المسيح. فقد أمروا في الإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. فمن حكم من أهل الكتاب بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل لم يحكم بما يخالف حكم محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا مأمورين في التوراة والإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. فجعل القرآن مهيمنا، والمهيمن: الشاهد الحاكم المؤتمن. فهو يحكم بما فيها مما لم ينسخ الله، ويشهد بتصديق ما فيها مما لم يبدل. ولهذا قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.