كتاب الحج 8

كتاب الحج 8

الدرس في كتاب الحج 8، فصل في ما يجب عمله أثناء الطواف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام تقبيل الحجر الأسود واستلامه

يشرح كيفية تقبيل الحجر الأسود واستلامه أثناء الطواف، ويبين أن ذلك عبادة لله ومتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. يحذر من الشرك الأكبر والأصغر في تقبيل الأشياء وتعظيمها.

مسائل فقهية حول الحجر الأسود

يتناول مسائل تقبيل واستلام الحجر الأسود، ويبين أن تقبيل الحجر خاص به دون غيره من أركان البيت. يشير إلى أن استلام الحجر سنة إذا لم يضر، ويجوز الإشارة إليه إذا خشي الضرر.

كيفية استلام أركان الكعبة

يشرح كيفية استلام الركن اليماني والحجر الأسود أثناء الطواف، ويبين أن استلام الحجر الأسود يكون بالتقبيل أو باليد أو بمحجن. يحذر من بعض الأخطاء الشائعة التي يفعلها العامة أثناء الطواف.

التحذير من الشرك وخطره

يحذر من خطورة الشرك وتزيينه من قبل بعض رؤوس الضلال، ويشير إلى أن دين الله وسط بين الغلو والتقصير. يؤكد على أهمية اتباع السنة النبوية في العبادات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال ويقبل الحجر الأسود أو يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ونحوه». قوله رحمه الله تعالى: «ويقبل الحجر الأسود أو يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ونحوه»، ذلك لما ثبت بالصحيحين، كما أشار بالشرح، من حديث عمر، وجاء كذلك معناه عن عدد من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل الحجر الأسود. بل قال عمر، كما في لفظ الصحيحين، أنه قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». فدل ذلك أولًا على مشروعية تقبيل الحجر الأسود مباشرة، يعني بالفم. ودل ثانيًا على أن تقبيل الحجر الأسود ليس لخصيصة في نفس الحجر، بقدر ما هو طاعة لله ومتابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام، حتى لا يظن أن الحجر ينفع أو يضر. وبه يعلم كذلك أن تقبيل شيء من الأشياء على وجه المحبة والتعظيم هو عبادة، لا يجوز صرفها لغير ما أمر الله جل وعلا به، فصرفها لغير الله من الشرك الأكبر أو الأصغر. ويعظم ذلك إذا كان يعتقد أن هذا المقبل ينفع ويضر، فهذا أعظم. إذا كان الحجر الأسود الذي تعبدنا الله بتقبيله لا ينفع ولا يضر، كما في حديث عمر هذا الذي سمعناه، فكيف بغيره؟ ثم يظن هذا الظن كما يفعل عباد القبور في تقبيلهم بعض التوابيت، وتقبيلهم كذلك بعض القباب أو بعض القبور مباشرة، أو حتى بعض الخرق والستور التي على القباب أو على السقائف أو على القبور أو التوابيت. وكل ذلك صاحبه بين الشرك الأصغر والأكبر، إن كان معه هذا المعنى: اعتقاد النفع والضر والمحبة والتعظيم والخضوع والذل، فهو الشرك الأكبر. فهذا هو معنى العبادة. وإن كان يظن أن الله جعله سببًا، ولم يجعله الله سببًا، فهو الشرك الأصغر، بكونه ذريعة للشرك الأكبر. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى كذلك حديث عبد الله بن عباس: «يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق». والحديث صحيح، صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وقوله: «يشهد لمن استلمه بحق»، فيه مشروعية استلام الحجر الأسود، سواء بمحجن أو بيد. وقد سبق أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل مباشرة، وهكذا كذلك بمحجن، كما ثبت في حجة الوداع، أنه طاف على بعير، يستلم الركن بمحجن. حديث ابن عباس في الصحيحين. وفي صحيح مسلم من حديث جابر، أنه كان يقبل المحجن، يعني العصا، يضعها على الحجر ويقبل طرفها الذي مس الحجر. ومثله اليد، إذا مس بيده لم يستطع أن يقبل مباشرة، مس بيده قبل طرف اليد الذي مس الحجر، طاعة لله ومتابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام، لا لأن الحجر ينفع ويضر. وينبغي أن ينتبه لذلك. وهناك كيفية رابعة، وصورة رابعة، وهي: إذا لم يستطع هذه الثلاث، فإنه يشير بيده من دون تقبيلها، يشير بيده فقط. فإن كان في أول الشوط، أول الأشواط السبعة، قال: «بسم الله الله أكبر» وأشار بيده إلى الحجر الأسود. وإن كان في الشوط الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس أو السادس، فإنه يكبر فقط، ولا يسمي. وإنما التسمية في أول الطواف فقط، لما ثبت عن الصحابة، ولعموم الأدلة في ذلك. وأما التقبيل، فليس في الأول ولا في غيره أبدًا. وننتبه أن الشوط السابع، إذا انتهى الإنسان منه، فإنه ليس فيه شيء، لا تسمية ولا تكبير ولا إشارة ولا تقبيل، لأن التكبير والإشارة إنما هو قبل الطواف لا في آخر الطواف. فإذا انتهى من الشوط السابع، فليس هناك إشارة ولا تكبير. وأما البسملة، فكما علمنا في الشوط الأول فقط. وأما التقبيل، فهو ممنوع، وليس بمشروع في جميع الأشواط. لا تقبل يدك، ما يفعله العامة خطأ، خلاف السنة، يقبلون، يشيرون، يقبلون مرات، ربما عشر مرات، يستمر على ذلك، وهذا خطأ، خلاف السنة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «يشهد لمن استلمه بحق»، فيه رد على طائفتين: الذين خرجوا عن الحق، بأنهم اعتقدوا أنه ينفع ويضر، كما حذر عمر رضي الله عنه، لأنه يعلم أن بعض الجهال قد يقع في هذا المفهوم الخاطئ، فيظن أن هذا التقبيل يعني أن الحجر ينفع ويضر، فهذا استلام بغير حق، بل هذا فيه شيء من الشرك الذي نهى عنه الإسلام. وجاء في رواية ضعيفة، ومعناها صحيح: «يشهد لمن استلمه بالتوحيد». وفي إسنادها أبو هارون العبد، وهو ضعيف، لكن معناها صحيح، تؤيد هذه الرواية وعموم ما جاء في الكتاب والسنة. لكن يكفي هذا الصحيح عن الضعيف. فقوله: «بحق»، يدخل فيه التوحيد، ففيه رد على هذه الطائفة التي عندها هذا المفهوم الخاطئ، ومنهم عباد القبور، الذين من عقيدتهم أنك لو اعتقدت بحجر لنفعت، ويرون في هذا أحاديث موضوعة ومكذوبة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ويقولون: «دليلنا في ذلك الحجر الأسود». سبحان الله، مع أن عمر رضي الله عنه يقول، كما في الصحيحين: «إني لا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع». وهم يقولون: «يضر وينفع». وربما استدلوا بمعنى الضر والنفع، أنه: «يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به». قالوا: «هذا ينفع، إذن الحجر يشفع لك». وهل هذا هو المقصود؟ الجواب: لا، بل هو من جنس ما تشهد كل المخلوقات يوم القيامة، حتى الأرض تشهد، وحتى الأشجار تشهد، وحتى كذلك جوارحك تشهد، كلها تشهد. ليس هذا هو النفع والضر الذي تقصدونه، فأنت تقصدون نفعًا وضرا تكون به العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. وأما الشهادة، فهو بما كان من عمل صالح منك، فيشهد لك، كسائر المخلوقات التي تشهد. وطائفة أخرى كذلك غلطت في هذا الباب، بمعنى ضد المعنى الذي وقع فيه عباد القبور، فزعموا أن هذا من الوثنية، وذهبوا بعقولهم الفاسدة ينكرون ما ورد من أحاديث في هذا المعنى. فعندهم ما وافق العقل فهو صحيح، وما خالفه فيما زعموا فهو ضعيف لا يصح. وهذا باطل، بل العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح الصحيح أبدًا، ليس بينهما مخالفة. وليس بهذا شيء من الوثنية، بل إن الله ابتلى عباده سبحانه وتعالى حتى يصفو أهل التوحيد والمتابعة بين هاتين الطائفتين: بين طائفة هم أهل شرك ووثنية، وبين طائفة هم أهل دحض وعقلانية، وربما بعضهم يخفي النفاق ويزعم الإسلام. فالحق هو كما قال عمر: «أننا نقبل الحجر كما قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله سبحانه وتعالى». وهكذا كذلك من مسائل تقبيل الحجر: أن تقبيل الحجر هو للحجر الأسود خاصة، لا لغيره من أركان البيت. فلا يقبل شيء من البيت إلا الحجر الأسود. وما يفعله العامة من تقبيل الركن اليماني مباشرة، أو تقبيل اليد بما مس الركن اليماني، أو أي موضع آخر من البيت، كالستور والجدار والباب والأركان ونحو ذلك، فهذا كله من البدع، بل ربما يصل إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله، إلا إذا اعتقد أنه ينفع أو يضر، وقامت عليه الحجة، كفعل بعض العامة، ربما يأخذ مما يخرج من تراب، وكذلك ستار الكعبة يستشفي به، أعظم من ذلك، يأتي معه بموس يكشف شأفته من ستور الكعبة ويجعله في أوعية خاصة، أو يقص شيئًا، هذا كله من البدع والمحدثات، لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى. لا يجوز للمسلم أن يتعلق بغير الله، لا الكعبة ولا غير الكعبة. وهكذا كذلك مما ينبه عليه من مسائل استلام الحجر الأسود: أن استلام الحجر الأسود، كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى، سنة، إذا لم يضر. فإن خشي الضرر للآخرين أو لنفسه، فتكفيه الإشارة، ولو من بعيد، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر». والحديث بمجموع طرقه حسن، ومعناه صحيح، تؤيده نصوص كثيرة. درء المفاسد أولى من جلب المصالح، بل فعل النبي عليه الصلاة والسلام يدل على هذا المعنى، وأمره لأصحابه في نصوص كثيرة بالرفق والسكينة في الحج، يقتضي العمل بهذا، حتى لو لم يصح هذا الحديث. فإذا كان هناك زحام شديد على الحجر، كما يحصل في زماننا هذا في أيام المواسم، في العشر الأواخر من رمضان، أو في شدة الزحام بالحج، يموت بعض الناس عند الحجر الأسود من الضعفة أو من النساء أو حتى من الأطفال، بسبب عدم عملهم بهذا الأصل العظيم، وهو اجتناب المفاسد ودرءها. فإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يعرض نفسه وغيره للتهلكة، لا تعرض نفسك ولا تعرض غيرك للتهلكة، بل احرص على اجتناب مثل هذه المواضع التي فيها ازدحام وضرر. والحمد لله، كله سنة، التقبيل سنة، والإشارة سنة. إذا كانت الإشارة مشروعة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن الزحام مثل هذا الزمان، هذا الزمان الحجاج يصلون أكثر من ثلاثة ملايين، بينما الحجاج في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا كم؟ مئة ألف، كم الفرق؟ الفرق كبير جدًا. ومع ذلك كان المسجد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ساحة، ليس فيه جدران تضيق ولا شيء. اليوم الجدران تضيق على الطائفين، فيكون بذلك شدة الزحام، وزيادة على ذلك زيادة العدد. ومع ذلك شرع كما سبق التقبيل، وشرع الاستلام باليد، أو شرع كذلك الاستلام بالمحجن، أو إذا لم يستطع هذه الثلاث الإشارة فقط بالتكبير. فإذا كان كذلك، فنحن في هذا الزمان أحوج. وأخبرني بعض المشايخ قال: «طفت عشرين سنة لم أقبل الحجر الأسود، عشرين سنة أطوف في البيت، يعني حج عمره ما قبل الحجر الأسود، ليس زهدًا، ولكن رفقًا بالناس ورفقًا بنفسه». وهذه السنة. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، هو حريص على استلام الحجر الأسود، لكن كلما جاء في عمره أو حجه رأى الزحام يتركه لله سبحانه وتعالى. كلما جاء لحج أو عمره يريد الحجر الأسود يرى الزحام يتركه لله سبحانه وتعالى، يعوضه الله عز وجل خيرًا منه بإذن الله تعالى. وأما إذا كان الزحام خفيفًا أو لا يوجد زحام، وتستطيع أن تصل بدون أن تؤذي أحدًا ولا تؤذي نفسك، فلا بأس أن تفعل ذلك. وقد فعل ذلك بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ودين الله بين الغالي والجافي. ثم قال رحمه الله تعالى: «ويستلم الركن اليماني والركن الأسود». أما الركن الأسود، فهو الحجر الأسود. الركن الأسود والحجر الأسود يعني: يجوز في الحجر الأسود التقبيل ويجوز الاستلام، لحديث ابن عمر في الاستلام، أنه قال: «لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس من الأركان شيئًا إلا الركنين اليمانيين». وقد مر معنا أن الحجر الأسود فيه أربع كيفيات: الكيفية الأولى التقبيل مباشرة، الثانية باليد، الثالثة بمحجن أو ما كان بمعناه من عصا أو أي شيء آخر. هل منه الرمح؟ لا، الرمح سلاح، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل بمكة سلاحًا، فالسلاح لا يكون واسطة في التقبيل. معك سكين، معك رمح، معك سيف، معك أي شيء مما هو سلاح، لا يجوز أن تحمله، فضلًا عن أن يستخدمه وسيلة للتقبيل. انتبه لهذا. وقوله: «ويستلم الركن اليماني»، الركن اليماني ليس له إلا كيفية واحدة فقط، وهو أن يستلم باليد من دون تقبيل. تستلمه باليد من دون تقبيل، إن استطعت أن تستلمه، أي تمسحه بيدك، فذاك. وهو الركن الذي يكون قبل الحجر الأسود وأنت تطوف بالبيت. وكيفية الطواف أن تجعل البيت عن يسارك وتطوف به، فالركن الذي يكون قبل الحجر الأسود هو الركن اليماني. وسمي الحجر الأسود والركن اليماني بالركنين اليمانيين، لأنهما في جهة اليمن، في جهة جنوب الكعبة. فالركن اليماني يمس بأن تمسح عليه فقط من دون تقبيل. وما يفعله العامة خطأ، وليس بسنة، بل هو بدعة، إذ لا يتعبد لله إلا بما شرع، لا يتعبد لله إلا بما شرع. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وانتبه في الحج خاصة، وفي العمرة، من أن يكون دينك متابعة العامة، لأن العامة لهم عجائب في الحج والعمرة. لكن احرص على تعلم العلم حتى تفعل نسكك وأعمال الحج والعمرة على الوجه المشروع. وهكذا كذلك الركن اليماني، إذا لم تستطع أن تستلمه، ليس فيه تكبير. وما يفعله العامة خطأ، بعضهم ما يستطيع يصل إلى الركن اليماني، فإذا جاء إلى الركن اليماني قال: «الله أكبر»، لا، ما في تكبير ولا إشارة. الركن اليماني إن استطعت أن تستلمه استلمته من دون تقبيل ولا تكبير ولا تسمية. وهذه كلها أخطاء يفعلها بعض العامة: يسمي أو يقبل أو يكبر أو يشير إلى أنه لم يستطع استلامه، وهذا كلّه خطأ، ليس من السنة في شيء. بل السنة أن تستلمه بيدك إن استطعت، وإن لم تستطع فلا تمس شيئًا. وأما ما أشار إليه من الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني، ويضع وجهه عليه»، فهو حديث ضعيف. وما قبله كذلك: «أنه كان يقبل الركن اليماني»، وقد أشار إلى ضعف الحديث. ولعل المعلق عندكم كذلك أشار إلى ضعفه. فكل الأحاديث الواردة في تقبيل الركن اليماني ضعيفة لا تصح. وكما قلنا: لم يصح أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل شيئًا عند الركن اليماني إلا مسه فقط، تعبدًا وطاعة لله سبحانه وتعالى. وبه نعرف أن المسح على وجه المحبة والتعظيم عبادة، حتى المسح. فلو مسحت قبرًا على وجه المحبة والتعظيم، صار من الشرك. تأتي إلى قبر فتمسحه على وجه المحبة والتعظيم، صار من الشرك. عباد القبور سيصرخون ويقولون: «ما هذا الغلو؟ حتى مسح القبر شرك». إذن: أنا إذا مشيت ومسست قبرًا يصير شرك؟ نقول: نعم، نفرق. نفرق بين مسح فيه محبة وتعظيم، فهو عبادة وشرك، إذا صرف لغير ما أمر الله. كما أن الطواف بغير البيت شرك، قال الله: «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ». بخلاف مسحه لغير محبة وتعظيم، مسسته لأنك تحتاج لشيء، أو تريد أن تهدمه، أو مرت يدك به بغير قصد. وهكذا لو أن رجلًا طاف بقبر ليس بقصد الطواف، يبحث عن شيء وهو يدور حول القبر يبحث عن شيء، هذا ليس على الطواف المحرم ولا على الشرك. لكن إذا طاف على وجه التعبد الذي منه المحبة والتعظيم والخضوع والذل، وأعظم من ذلك أن يرجو النفع والضر، فهذا هو الشرك، حتى المس عبادة. ينبغي أن يتعبد المرء به لله سبحانه وتعالى. من مس تابوتًا أو ستارًا أو قبة أو قبرًا على وجه المحبة والتعظيم والخضوع والذل، فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى، إما شرك أكبر يخرج به من دين الإسلام بعد إقامة الحجة، وإما شرك أصغر، صاحبه بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. شرك أصغر لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، والشرك الأكبر إذا كان على هذا الوجه والتعبد، وصرف لغير الله سبحانه وتعالى. فننتبه لهذا بارك الله فيكم. وهذه أمور خطيرة يجهلها الكثير من العامة بتغرير، وكذلك تزيين وتضليل بعض رؤوس الضلال من عباد القبور والمفتونين بالقبور، حتى سهلوا الشرك وهونوا أمره، بما كان من تعلقهم بهذه الشركيات والوثنيات التي منافية لدين الله سبحانه وتعالى. ودين الله بين الغالي والجافي.