الدرس في كتاب الحج 62، الدرس الثاني والستون : من : (20-باب المحرم يأكل من صيد الحلال ... وما يختلف الحكم لأجله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث أبي قتادة الأنصاري وجواز أكل لحم الحمر الوحشية للمحرمين. يبرز المقطع موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المسألة.
يشرح المقطع حادثة صيد حمر وحشية أثناء توجه النبي لعمرة الحديبية، حيث قام أبو قتادة بصيد حمار وحشي وأكلوا من لحمه ثم سألوا النبي عن جواز أكله للمحرم.
يستخرج المقطع فوائد من حديث أكل الحمار الوحشي، منها جواز أكله وحرمة اصطياده للمحرم، وتناول مسألة الاجتهاد وتطمين المستفتي.
يتناول حكمة الله في تحليل الحمر الوحشية وتحريم الحمر الأهلية، مبينا قدرة الله وتدبيره في شؤون خلقه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب المحرم يأكل من صيد الحلال. قال: الحديث السابع والأربعون بعد المئتين، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا، فخرجوا معه. عندكم حاجا أو حاج طيب، الذي عنده مثلي بالضم فيصوب، فحاجا فخرج حال كونه حاجا بالنصب، ليس بالرفع. قال: فخرجوا معه، وصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة. قال: فيهم أبو قتادة، وقال: «خذوا ساحل البحر حتى نلتقي». وسيأتي إن شاء الله أن خروجه كان بصلح الحديبية، وهم ذاهبون عام الحديبية يريدون العمرة، وتسميته حج من باب الإهلال وقصد البيت. وبعضهم قال: لعل هذا قبل التفريق بين العمرة والحج، لأن الحج فرض في السنة التاسعة. وقوله: أمرهم أن يأخذوا ساحل البحر، وذلك كما سيأتي، لأنه خاف قدوم عدو، وقد أخبر بذلك، يأتيه من جهة ساحل البحر. قال: وقال: «خذوا ساحل البحر حتى نلتقي». فأخذوا ساحل البحر، ولما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، لم يحرم. فبينما هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش. وحمر الوحش هي ليست كالحمر الأهلية، لا في الشكل ولا كذلك في الهيئة والخلق، ولكن سميت بذلك للمشابهة فقط، وإلا هي أشبه ما تكون بالبغال أو الخيول. قال: فحمل أبو قتادة على حمر، فعقر منها أتانا، وهي أنثى الحمر. قال: فنزلنا وأكلنا من لحمها. ثم قلنا: أنا أكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ قال: فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عن ذلك. فقال: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكلوا ما بقي من لحمها». قال: وفي رواية: «هل معكم منه شيء؟» فقلت: نعم. فنهلته العبد، فأكل منها أو فأكلها. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الباب وهذا الحديث في سياق كلامه على أحكام الحج، ليختم رحمه الله تعالى ببعض ما يحرم على المحرم، ومن ذلك أمر الصيد. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب: «خرج حاجا». قال: من المعتمد أن ذلك في عمرة الحديبية، فأطلق على العمرة الحج، وهو جائز، فإن الحج لغة القصد، والمعتمر قاصد البيت. وقوله: «من المعتمد» يعني ما جاء في الروايات الأخرى، ما يدل على أن ذلك كان في عمرة الحديبية عام الحديبية الذي فيه حصل الصلح. قال رحمه الله: «حمر وحش» نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي. قلنا: ليس هو كمثل الحمار الأهلي، ولكنه فيه بعض الشبه. قال: ومفردها حمار، يعني حمر جمع حمار. قال: ونصبت «إلى الوحش» لتوحشها وعدم استئناسها. ومعنى عدم استئناسها: يعني لا تألف الناس، بل تخاف وتهرب منهم. قال: «أتان» نهي الأنثى من الحمر. قال: المعنى الإجمالي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد العمرة، وقبل أن يصل إلى محرم المدينة -يعني موضع الإحرام القريب منها، وهو ذو الحليفة- بلغه أن عدوا أتى من قبل ساحل البحر يريده، فأمر طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة، أن يأخذوا ذات اليمين على طريق الساحل. وطريق الساحل هو الذي يمر بالجحفة، وهو ميقات أهل الشام ومن يأتي من جهتهم من أهل الغرب، فإنهم إن مروا مروا بالجحفة أو ما يوازي الجحفة من ساحل البحر، وهو اليوم المسمى بطريق بدر. قال رحمه الله تعالى: فأمر طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة، أن يأخذوا ذات اليمين على طريق الساحل ليصدوه. فساروا نحوه، فلما انصرفوا لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم في معاده أحرموا -يعني من موضع الإحرام، وهي الجحفة- قال: أحرموا إلا أبا قتادة، فلم يحرم. ولم يحرم لحكمة، وذلك أن الحلال ليس كالمحرم، فأراد بذلك أنه إذا احتيج لإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بشيء أخبره. قال: فلم يحرم، وفي أثناء سيرهم أبصروا حمر وحش، وتمنوا بأنفسهم لو أبصر أبو قتادة؛ لأنه حلال، لعلمهم أن المحرم لا يعين الحلال في الصيد. قال: فلما رآها حمل عليها، فعقر منها أتانا، فأكلوا من لحمها. فهم أكلوا لعلمهم أنهم لم يشاركوا أبا قتادة في صيدها. قال: ثم وقع عندهم شك في جواز أكلهم منها، وهم محرمون. كان عندهم بعض العلم، ولم يكن عندهم تمام العلم. بعض العلم هو أنه لا يجوز أن يعان الحلال من المحرم بأي نوع من أنواع الإعانة على الصيد، لا بإشارة ولا بكلام ولا بحمل السلاح ولا بمناولة شيء. قال: ففعلوا الذي علموا، ولكن شكوا في مسألة وهي: هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم الصيد وإن كان لم يشارك فيه؟ هذا الذي شكوا فيه. قال: فحملوا ما بقي من لحمها حتى لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن ذلك. فاستفسر منهم: هل أمره أحد منهم أو عانه بدلالة أو إشارة؟ قال: قالوا: لم يحصل شيء من ذلك. فطمأن قلوبهم بأنها حلال -يعني أكلهم منها- إذ أمرهم بأكل ما بقي منها، وأكله، وصلى الله عليه وسلم منها. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا، أن من كان له ميقاتان قريب وبعيد، فهم مخير بسلوك أي الطريقين شاء، ويحرم من ميقات ذلك الطريق الذي سلكه. فأهل المدينة عندهم ميقاتان: ميقات ذي الحليفة وهو قريب، وميقات الجحفة وهو بعيد، فيجوز لمن كانت له مصلحة أن يمر بالميقات البعيد، أن يحرم من الميقات البعيد، ولو مر وهو موازي للميقات القريب. قال: ثانيا: جواز أكل الحمار الوحشي، وأنه من الصيد، بخلاف الحمار الأهلي، فإنه رجس. والفروق بين الحمار الوحشي والحمار الأهلي كثيرة، يكفي أن الحمار الأهلي ربما يمر بما هو بمعنى الجلالة، بخلاف الحمار الوحشي. قال: ثالثا: جواز أكل المحرم من مصاد الحلال إذا لم يصده لأجله، وهي مسألة خلافية، يأتي بحثها في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى. والصواب ما ذكرها هنا، وسيأتي الكلام عليه. قال: رابعا: أنه لا يجوز للمحرم الاصطياد، ولا معانته بدلالة أو إشارة أو مناولة سلاح أو غير ذلك مما يعين على قتله أو صيده. وهذا ظاهر في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: خامسا: جواز الاجتهاد في المسائل العلمية حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النص مقدم على ما سواه بطريق الاجتهاد. ولذا فإن الصحابة بعدما أكلوا الحمار الوحشي مجتهدين، وحصل لهم شك في جواز أكلهم، رجعوا في تحقيق ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سادسا: تطمين المستفتي بالقول والفعل إذا أمكن ذلك؛ لأنه أبلغ في تعليمه، وأبعد للشك عنه. ووجهه أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل معهم، وهذا زيادة في الطمأنينة لهم؛ لأنه كان محرما عليه الصلاة والسلام. يقول: عندنا رجل أطلق حمارا وأتانا في جبل من الجبال، فتناسل حتى كونا مجموعة من الحمير، وهي غير مستأنسة، بل تفر من الإنسان، فهي متوحشة، لا تخالط الحمر الأخرى. فهل يجوز أكلها أم لا؟ الجواب: لا، لا يجوز أكلها؛ لأنها وإن فعلت ما فعلت، فهي حمر أهلية باعتبار أصلها، وحرمت الحمر الأهلية ليس لأنها أهلية، لكن لأنها على هذه الصفة والخلقة. انتبه لهذا، فلو توحشت ما حلت، لو توحشت ما حلت. وإنما التي تحل هي الحمر الوحشية التي قلنا: ليست هي كالحمر الأهلية، هي مخططة أسود وأبيض، وأشبه ما يكون بالبغال في جسمها وقوتها وسرعتها كسرعة الخيول، فهي تختلف تماما عن الحمر الأهلية. ولله حكمة فيما يحل ويحرم سبحانه وتعالى، حل الحمر الوحشية وحرم الحمر الأهلية، وله حكمة في ذلك سبحانه وتعالى.