الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 53

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 53، الدرس الثالث والخمسون:من( ومن الفروق بين القاضي والمفتي ... والبيع يدخله الربا ربا الفضل وربا النسيئة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الفرق بين القاضي والمفتي

يتناول الفرق بين القاضي والمفتي في الأحكام الشرعية، حيث يبين أن القاضي يلزم الأحكام بينما المفتي يبينها فقط. كما يوضح أن القاضي لا يقضي إلا لفصل النزاع.

فروق بين الأحكام الشرعية والقسمة

يشرح الفروق بين الحكم والقضاء والفتوى، ويبين أن الفتوى لا ترفع الخلاف، ويوضح شروط قسمة التراضي وقسمة الإجبار. كما يبين أن القسمة الإجبارية لا تجوز إذا كان فيها ضرر.

الفروق بين البيع والإجارة

يناقش الفروق بين البيع والإجارة في الشريعة الإسلامية، مشيرًا إلى أن البيع يقع على الأعيان بمنافعها بينما الإجارة على المنافع فقط. كما يبين أن البيع لا يجوز للحر أو الوقف أو أم الولد.

حكم استئجار الذهب والفضة

لا يجوز استئجار الذهب والفضة بأي طريقة، لأن الإيجارة هنا تعتبر عقد إيجارة وليس بيع. يترتب على هذا الحكم مسائل كثيرة سيتم التطرق لبعضها في دروس لاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق، وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه على القاضي، الفرق بينه وبين المفتي. قال رحمه الله تعالى: «ومن الفروق الفرق بين القاضي والمفتي، أن القاضي يبين الأحكام الشرعية ويلزم بها، والمفتي يبين ولا يلزم، والمفتي يفتي بالمسائل المتنازع فيها وفي غيرها، ويفتي لنفسه ولغيره، والقاضي لا يقضي إلا لفصل النزاع، ولا يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له، ولا على عدوه». وهذا كله كما مر معنا، أنه لمضنة التهمة، فإنه يمنع القاضي ولا يمنع المفتي، لأن القاضي حاكم، فلذلك لم يكن له كل ما ينافي مضنة التهمة، فما كان فيه مضنة التهمة يمنع. قال رحمه الله: «والقاضي لا يقضي بعلمه إلا فيما أقر به أو أقر به في مجلس حكمه، وفي عدالة الشهود وفسقهم، والمفتي بخلاف ذلك». من الفروق كذلك أن القاضي لا يقضي بعلمه، يعلم أن هذا صادق وهذا كاذب، لكن ليس عنده بينة، فهنا لا يقضي بعلمه إلا فيما أقر في مجلس حكمه، إن حصل إقرار من أحد يوافق العلم الذي عنده قضى به. وهذا كذلك ليدفع عن نفسه التهمة، ولأن باب القضاء والشهادات ونحوها دلت الأدلة على سد كل ما هو مضنة التهمة. ومر معنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائن ولذي غمر على أخيه». رأى أحمد وأبو داود من حديث عمر بن شعيب، وهو حديث حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله وغيره، وهو له شواهد كثيرة. وفي بعض ألفاظه عند أبي داود وابن ماجة: «ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم». ومعنى القانع: يعني الأجير، ومن كان بمعناه ممن يعمل عند أهل بيت، فإنه مضنة المحابي لهم، فلذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الشهادة. وجاء في رواية كذلك: «لا تجز شهادة خائن ولا خائن ولا محدود في الإسلام». وفي رواية: «ولا زان ولا زانية». فعلم أن باب الشهادات من كان مظنة الكذب لا يقبل منه، سواء أكان بوجود سبب تفسيق فيه كصاحب الحد، أو كان معروفًا بالخيانة، أو له عداوة، فلا يجوز أن يشهد على عدوه، أو له قرابة، فلا يجوز أن يشهد لقريبه. وهكذا كذلك يقال في حق القاضي. فإذا كان هذا لأجل هذه العلة، قال العلماء: فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا انتفت العلة والتهمة، إذا انتفت، كيف تنتفي؟ مثلًا يكون الأمر مشتهرًا، الأمر مشتهر مما لا يمكن دفعه، فمثل هذا لا بأس أن يقضي به، أن يعمل بما علم. القاضي مثلًا رجل يعرف عنه الفسق، فجاء ليشهد، يجوز له أن يرد شهادته، ولا يحتاج أن يثبت دليلًا على فسقه لاشتهار ذلك. لاشتهار ذلك، إذا قوله: «وفي عدالة الشهود وفسقهم» يعني لا يعمل بعلمه، لكن هذا بقيد إذا وقعت التهمة، فإذا ارتفعت التهمة فلا بأس في ذلك. كان يشتهر هذا العلم الذي عند القاضي، فعند ذلك لا بأس أن يقضي به. قال: «والمفتي بخلاف ذلك»، لأن المفتي ليس مظنة التهمة، والأدلة تدل على هذا المعنى. قال: «وحكم القاضي يرفع الخلاف، وإفتاء المفتي لا يرفعه». لأن القاضي ولي أمر تجب طاعته، ولو أخطأ في اجتهاده، ما دام أنه أمر بما يرى أنه فيه مصلحة للناس. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هو مجتهد بين الأجر والأجرين. وإذا أمر بشيء، فإنه يرفع الخلاف لأنه لا بد من ذلك. مثلًا مسألة مختلف فيها، سواء في المسائل العلمية أو المسائل العملية. مثال المسائل العلمية أن يكون هناك خلاف في قضية النكاح بولي، يوجد حنفي يقول: لا بأس، ويوجد حنبلي يقول: لا، لا يجوز. وهكذا، فيأتي القاضي ويقول: لا يجوز، يقضي بأنه لا يجوز، فقضاء القاضي يرفع الخلاف، لا يجوز بعد ذلك أن يقال: أنا استفتيت فلان المفتي، لا يجوز ذلك بعد قضاء القاضي، لأن القاضي في هذه الخصومة أثبت حكمًا، فحكمه يرفع الخلاف، لأن الخصومات لا تنقطع إذا كان الإنسان سيتمسك بشيء من الخلاف، وهذا لا يجوز. ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، مع ما سبق من أن القاضي هو نائب عن ولي الأمر. ومثله في الأمور العملية، مثلًا قضى القاضي بأن جاز توسعة الخيام إلى مزدلفة لازدحام الناس، وقال مفت آخر قبل ذلك: لا، لا يجوز، وقال مفت قبله: يجوز، فأهل الفتوى اختلفوا، لكن القاضي قضى بحكم معين، فنفذ حكم القاضي وارتفع الخلاف. الإنسان في نفسه لو لم يعمل لا بأس، الإنسان في نفسه لو عمل بحسب علمه، هذا في نفسه، لكن في الناس من حيث حل نصب الخيام، وهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ الجواب: قضاء القاضي يرفع الخلاف. وليس معناه يرفع الخلاف أنه يحلل حرامًا ويحرم حلالًا بعد علم من علم به، لا، وإنما يرفع الخلاف فيما هو يجوز فيه الخلاف، لأن الخلاف ثلاثة أقسام. فمن أقسام الخلاف ما هو محل اجتهاد ونظر، ويجوز في مثل هذا الخلاف أن تتسع له صدور الناس. وأما ما خالف الدليل الصحيح الصريح فلا، لأن القاضي قد يخطئ، فإذا كان كذلك فلا أطاع لمخلوق في معصية الخالق. وإنما الخلاف الذي يسوغ فيه الاجتهاد، ومع ذلك الإنسان في نفسه لو لم يعمل لم يلزم، لكن لا يجوز له أن يلزم الناس أو أن يشق عصا المسلمين بماذا؟ بإجتهاده بعد قضاء القاضي، لا يجوز أن يشق عصا المسلمين بفتواه. وهذا أمر مهم ينبغي أن ينتبه له طالب العلم والمفتي. فمثل ذلك مثلًا أنت في حملة حج، وحملة الحج تأخذ بفتاوى أهل العلم الذين يقولون بفدية الدم في كثير من أخطاء الحجاج، على ما هو معروف تفصيله في مسائل الحج. وأنت لا ترى ذلك، وتعلم أن هناك من يقضي للناس بذلك بهذه الفتوى، فليس من المصلحة أنك تعارض هذه الفتوى، فتدخل مفسدة على نفسك ومفسدة على أهل الحج، بل ربما دخلت خصومات. يأتي الجاهل المسكين يسألك، تقول له: ليس عليك دم، يذهب عند مفت آخر في نفس المخيم، يقول: عليك دم، فيأتي فيقول: كيف هذا؟ يقول: ما علي دم، وهنا تبدأ الخصومات، وتقول: هذا الراجح، وذلك يقول: لا، هذا الراجح. ثم يرجع إلى من هو محل الفتوى في المكان، فيكون القول قوله، إذن أنت في مثل هذا لا تقول ما لا تعتقد، لكن أحل إلى من هو مكفل ومسؤول عن هذا في هذا المكان. يعني لا تقول مثلًا بما لا تعتقد، قل: اسأل غيري المسؤول عن مثل هذه الفتاوى، هيئة الفتوى في هذا المكان، خلاص. ومع ذلك فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فإذا لم تكن مفسدة لا بأس أن تخبر بما تعلم وما علمت من العلم. ومثله مثلًا طلاق الثلاث، أنت تعتقد أن طلاق الثلاث يعتبر طلقة واحدة، فتفتي بذلك، لكن إذا علمت أن هذه الفتوى تعارض عند القضاء وعند ولاة الأمر، ربما مثل بلادنا ما يحصل التشديد، لكن يوجد في بلاد أخرى إذا أفتيت بخلاف حكم القضاء، إن درجة تحت ذلك مفسدة كبيرة، ربما تسجن وتعاقب على ذلك، وتترتب عليها تبعات كثيرة، فهنا درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وهكذا الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. فقوله رحمه الله: «الحكم القاضي يرفع الخلاف» لما سبق، «وإفتاء المفتي لا يرفعه» يعني أن الخلاف يبقى على ما هو عليه، فالراجح هو الراجح بدليله. وزاد شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فرقًا خامسًا، فقال: «والمفتي يفتي على الغائب بخلاف القاضي». وأشار إلى قصة هند، يعني في سؤالها النبي صلى الله عليه وسلم امرأة بسفيان، فقال عليه الصلاة والسلام: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فأفتى النبي صلى الله عليه وسلم هند وهي غائبة، ولم يحضر معها زوجها الذي اتهمته بهذه التهمة، أنه يعطيها ما لا يكفيها، بخلاف القاضي، القاضي في مثل هذه الحالة لا يجوز له أن يقضي حتى يجتمع الخصمان جميعًا. كما أخبرنا الله عز وجل عن معنى ذلك في كتابه، ومعناه كذلك في سنة نبي عليه الصلاة والسلام: ﴿هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ إلى آخر ما أخبرنا الله عز وجل به. قال رحمه الله: «ومن الفروق الصحيحة بين قسمة التراضي وقسمة الإجبار، بأن ما لا ضرر فيه ولا رد عوض يجبر الشريك فيه على القسمة إذا امتنع، وأما ما فيه ضرر أو رد عوض فلا يجبر الممتنع على القسمة، ولكن الضرر يزال بالبيع أو التأجير أو المهايئة». هذا فرق آخر من الفروق الصحيحة، دلت عليه عمومات كثيرة من الأدلة الشرعية في التفريق بين قسمة التراضي وقسمة الإجبار. ومعنى قسمة التراضي وقسمة الإجبار: متى يجوز القسم بين الشريكين إذا اختلفا على وجه الإجبار؟ يجبر الشريك على القسمة، ومتى لا يجوز؟ بل يراض. متى لا يجوز أن يجبر، ولكن يراض؟ فقال رحمه الله: «بأن ما لا ضرر فيه ولا رد عوض يجبر الشريك فيه على القسمة إذا امتنع». ومثال ما لا ضرر فيه: كالأرض الواسعة والبيوت الواسعة والأشياء المكيلة والموزونة التي يمكن قسمها بغير ضرر، بخلاف الأرض الصغيرة أو البيت الصغير. مثلًا بيت مكون من غرفة وحمام ومطبخ صغير، فطلب من أحد الشريكين أن يقسم، فأبى، فقالوا: نقسم شئت أم أبيت، الغرفة نصفين والحمام نصفين والمطبخ نصفين، هل يجوز هذا؟ الجواب: لا، لا يجوز، لماذا؟ لأن فيه ضرر، الغرفة الصغيرة إذا قسمت نصفين ما انتفع بها أحد. وهذه قسمة الضرر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، لا يجوز مثل هذا: ومثله الأرض الصغيرة التي ربما يبنى فيها بيت صغير جدًا، لكن لكونها مثلًا على الشارع العام، تأتي بثمن، ولا تأتي بثمن إلا إذا كانت كاملة. فإذا قسمت حصل الضرر، فإذا قيل: نقسم، قال: لا، قالوا: نقسم شئت أم أبيت، هل يجوز؟ الجواب: لا، لا يجوز، لأنها إذا قسمت ما يشتريها أحد، ولو قدر أن أحدًا يشتريها فنادرًا، أو يطمع بشراء النصف الآخر. فمثل هذا فيه ضرر، فلا يجوز لعموم ما ورد من الأدلة في النهي عن الضرر. بخلاف الواسع من البيوت أو الأراضي، يقسم فيجوز. وهكذا الشيء المكيل الذي يمكن قسمته، أو الموزون الذي يمكن قسمته، فإنه يقسم ولو بالإجبار. وقال: «ولا رد عوض». رد العوض يريد به رحمه الله: إذا رفض الشريك القسم وطلب العوض، فهنا صار انتقاله من القسم إلى المال نوعًا من البيع، والبيع لا يجوز فيه الإجبار، البيع لا يجوز فيه الإجبار، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فالبيع يكون عن تراض. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض»، فلا يجوز البيع بإجبار. فإذا كان كذلك، فإذا لا يجوز إجبار الشريك على القسمة في رد العوض، لأنه نوع من البيع، لكن يصالح مصالحة. فإذا قوله: «بأن ما لا ضرر فيه ولا رد عوض يجبر الشريك فيه على القسمة إذا امتنع»، لأنه لا ضرر فيه، وليس فيه ما ينافي القسمة، ليس فيه بيع، فهنا يجبر الشريك. قال: «والشريك أنا ما أريد أقسم»، طيب لمتى؟ ورث إرثًا وترك، فأراد أن ينتفع الورثة من هذه التركة. مثلًا بيت كبير يمكن قسمته، فقال أحد الشركاء: أنا ما أريد القسمة، فيبقى البيت معلقًا، فهنا لا يجوز، لا يجوز مثل هذا، بل يجبر الشريك، فيقال: هذا البيت يقسم قسمين بالعدل، أو هذه الأرض تقسم قسمين بالعدل، ويباع ويباع، أو ينتفع الشركاء بقسمهم، وهذا الممتنع يبقى له شاء أم أبى. قال رحمه الله: «وأما ما فيه ضرر أو رد عوض فلا يجبر الممتنع على القسمة». وهذا علمنا ما فيه ضرر، مثل البيوت الصغيرة والأرض الصغيرة والأشياء التي لا تنقسم، أشياء لا يمكن قسمتها، قسمتها مثل دولاب، كيف يقسم الدولاب؟ الدولاب ما ينقسم، ونحو ذلك، فإنه إذا كان سيحصل فيه ضرر، فيكون له حل آخر. قال: «أو رد عوض». رد العوض كما قلنا: ألا يريد القسمة، ولكن يريد عوضًا، وهو مال، فهنا لا يجبر على ذلك، لأن البيع إنما هو عن تراض. قال: «فلا يجبر الممتنع على القسمة، ولكن الضرر يزال بالبيع أو التأجير أو المهايئة». فيقال له: اختر واحدًا من ثلاث، إما أن تبيع نصيبك لهذا الشريك، وإما أن تؤجره له، وإما أن تهايئه. ومعنى المهايئة: ينتفع به فترة من الزمن، ثم تنتفع به أنت فترة من الزمن، لابد من الخيار في أحد هذه الثلاثة، يلزم، لكن لا يلزم بواحد بعينه مثل الأول، وإنما يلزم باختيار أحد هذه الثلاثة. فإن كان اختار البيع، ويباع لمن؟ لا يباع للغريب، لأنه له حق الشفعة أولًا، ولأنه صغير لا يمكن قسمته، فيشتريه الشريك. وإن أراد التأجير، فمن الذي يستأجر؟ الشريك، لأنه مما لا يمكن قسمه، فيكون له هو أولى به. أو المهايئة: يعني الانتفاع فترة من الزمن متساوية، سنة بسنة، أو شهر بشهر، أو سنتين بسنتين، أو نحو ذلك. وزاد شيخنا رحمه الله تعالى، قال: «أو القرعة». يعني حلًا رابعًا، أن يقرع بينهما، من وقعت له القرعة أخذه، ببيع أو إذا لم يرضوا بالبيع فبالإيجارة أولًا، أو بالمهايئة. قال رحمه الله تعالى: «ومن الفروق الصحيحة بين البيع والإيجارة، أن البيع واقع على الأعيان بمنافعها، والإيجارة على المنافع، وأنه لا يجوز بيع الحر ولا الوقف ولا أم الولد، ويجوز إيجارتهم». هذا كذلك فرق آخر من الفروق الصحيحة، التفريق بين البيع والإيجارة. أولًا: أن البيع يقع على الأعيان بمنافعها، والإيجارة يكون على المنافع فقط. يعني البيت الذي تستأجره ما تمتلك منه شيء، وإنما تنتفع بالسكنى فيه. والأرض التي تستأجرها إما بالانتفاع بالسكنى فيها أو بزراعتها أو غير ذلك، ولا يكون بامتلاك شيء، بخلاف البيع، فإنه يمتلك الأعيان وينتفع بهذه الأعيان. هذا الفرق الأول، وهو ظاهر من عمومات الأدلة الواردة في حق البيع وحق الإيجارة. قال: «وأنه لا يجوز بيع الحر ولا الوقف ولا أم الولد، ويجوز إيجارتهم». لا يجوز بيع الحر كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في أدلة كثيرة. ولا الوقف كذلك، أدلة كثيرة، ومنها ما مر معنا قريبًا حديث عمر: «وأن لا يباع ولا يوهب». ولا أم الولد، لأن أم الولد يحرم بيعها، وهي تعتق بموت سيدها، كما وردت في ذلك عدد من الآثار والعمومات. ويجوز إيجارتهم، يجوز أن يستأجر الحر، أنت تأخذ عاملًا، ليس شرطًا أن يكون عبدًا، عبد أو حر، تستأجره يعمل معك ساعة، ساعتين، ثلاث، أو يحفر لك أو يفعل أي عمل بالإيجارة. فالإيجارة إذن هي أخف من البيع، الإيجارة أخف من البيع. والوقف يجوز أن يستأجر، ومال الوقف الذي استأجر يرجع إلى ماذا؟ يرجع إلى الشيء الموقوف فيه. مثلًا أوقف إنسان عمارة على مسجد أو على دار تحفيظ أو غير ذلك، فيجوز أن يؤجر هذه العمارة، ولا يجوز أن يبيعها إلا إذا حصل فيها ضرر، فينتقل إلى وقف آخر، يعني يبدلها. أما بيع على الإطلاق لا، فيجوز أن يؤجرها، والمال المأخوذ يرجع إلى الموقوف عليه. وهكذا أم الولد لا يجوز أن تباع، لكن يجوز أن تؤجر، والمراد بتؤجر: ليس تؤجر فينتفع بها كانتفاع الجارية، لا، ولكن تؤجر كما يؤجر الحر، وكما تؤجر الحرة، يعني تعمل عملًا لا ينافي الشرع، تعمل عملًا لا ينافي الشرع. وأما أن يجعلها كالأمة لا، فهذا ليس هو المقصود، وهذا دلت عليه كذلك الأدلة. قال: «والبَيْعُ يَدْخُلُهُ الرِّبَا رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَالْإِجَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا». هذا الفرق الثالث، البيع يدخل فيه الربا، ربا الفضل وربا النسيئة. ومر معنا ربا الفضل وربا النسيئة، وكما قلنا: هذا الكتاب إنما يذكر القواعد، وليس هو كتابًا لذكر تفاصيل مسائل الفقه، فإن هذا يطول. فربا الفضل وربا النسيئة محرم في البيع، وهو الزيادة في الجنس الربوي إذا كان من جنسه، أو عدم التقابض إذا كان من جنسه أو من غير جنسه، ما عدى المطعومات فإنه مستثنى فيه بأدلة السلم وغيره، كما هو معروف في كتب الفقه. وأما الإيجارة فلا يجوز أن تستأجر الذهب والفضة، سواء بالمال أو بغير المال، أو حتى بذهب أو فضة، وسواء أكان بمال مقبوض ولو كان ذهبًا، أو كان مؤجلًا، يجوز، لأنه عقد إيجارة، وليس بعقد بيع. ويترتب على هذا مسائل كثيرة، نكتفي بهذا، ونترك الباقي في درس اللاحق. والله تعالى أعلم.