الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 21، الدرس الحادي والعشرون:من(ومن الفروق الضعيفة:جعل الفقهاء رحمهم الله الأمور الوجودية ... وهكذا مدة الحمل الصحيح أنه ليس لأكثر مدته حد محدود ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم الأمور الوجودية الأغلبية في الأحكام الشرعية ويضرب أمثلة عليها. الأحكام تتعلق بوجود أو عدم هذه الأمور وليس لها حد محدد شرعًا.
يتم تمييز دم الحيض بخمس صفات، وإذا شكت المرأة في أمر دمها ترجع إلى عادتها السابقة. لا يوجد حد أدنى أو أقصى لسن الحيض أو مدته.
أقل مدة للحمل هي ستة أشهر كما دل عليه القرآن، وأما أكثر مدة فلم يرد دليل شرعي يحدده. اختلف العلماء في أكثر مدة للحمل بين تسعة أشهر وأربع سنوات.
الشرع حدد مدة معينة للحمل بناءً على الإطلاق الشرعي لتجنب الحرج في الحالات النادرة. هذا المبدأ يعتبر واجبًا في هذا السياق لعدم الوقوع في الحرج.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ومن الفروق الضعيفة جعل الفقهاء -رحمهم الله- الأمور الوجودية الأغلبية حدًا فاصلًا لكثير من الأحكام الشرعية التي أطلقها الشارع ولم يقيدها. ومر معنا أنه إن أراد به النبي عليه الصلاة والسلام نعم، وإن أراد به الله عز وجل فليس من أسماء الله الشارع. قال: مثل وجود الحيض، فحيث وجد الدم المعتاد تعلقت به الأحكام الشرعية، وحيث طهرت تطهرت وزالت أحكام الحيض، هذا الذي دلت عليه النصوص، وعليه العمل بين المسلمين. وأما تقييد أقل سن تحيض فيه، وأكثر سن تنتهي إليه، وأقل الحيض وأكثره، فليس على ذلك دليل شرعي. وهكذا مدة الحمل الصحيح، أنه ليس لأكثره حد محدود. طيب، جعل هذا الفرع وهذا الفرع من الفروق الضعيفة التي ذكرها الفقهاء بكتب الفقه، وهو قول جماهير من أهل الفقه، والصواب ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: الأمور الوجودية الأغلبية، يريد بالأمور الوجودية الأغلبية أن الشيء يدور مع سببه وعلته وجودًا وعدمًا، ما دام الأحكام علقت عليه، فالحد الفاصل في ذلك هو وجود هذا الشيء وانتفاؤه. فإذا وجد وجد حكمه، وإذا انتفى انتفى حكمه، خصوصًا أن الشرع لم يقيد بقيد، ولم يحط بحد، ولم يشرط شرط. ثم مثل على ذلك بمسألتين: المسألة الأولى في الحيض، والمسألة الثانية في الحمل. أما الحيض، فحديث أبي سعيد المشهور واضح وصريح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا رأت الدم -أي المرأة- لم تصلي؟» فدل أن حكم المرأة في صلاتها يتعلق بحكم وجود الدم المعهود المعروف الذي تعرفه أنه دم حيض. فمتى ما وجد حكم المرأة الحائض من ترك الصلاة والصيام وعدم قربان الزوج، ومتى ما عدم حل لها ما كان قد منعت منه. ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حدًا لأقل الحيض ولا لأكثر. على أن الفقهاء اختلفوا، فقالوا: أقل طهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا، ولا كذلك حد الشرع. ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام حد لأقل سن يأتي فيه الحيض. وقد ذكر الفقهاء بذلك أقوالًا كثيرة، ومن أشهرها أنه من تسع سنوات، وأنه ينتهي إلى خمسين سنة. وهذا قد يكون أمرًا أغلبيًا، لكنه ليس بالصحيح أن يحد فيه حد، بل الصحيح إذا رأت المرأة -صغيرة أو كبيرة- قليلًا أو كثيرًا الدم المعهود الذي تعرف النساء أنه دم حيض، فيلزمها ما يلزم المرأة الحائض، ولا حد لمبتدئه ولا حد لمنتهى. قد تحيض أقل من تسع، وقد تحيض أكثر من تسع -يعني أكثر من تسع سنوات- وقد تحيض إلى خمسين سنة، وقد تحيض إلى أكثر من خمسين سنة، فلا حد لمبتدأ الحيض ولا حد لمنتهى، كما لا حد لفترة هذا الحيض. بل متى ما تأكدت أن الدم دم حيض فإنها تأخذ به. ولكن قد يأتي الإشكال إذا خرج الدم عن عادتها، وهذا يحصل، تبتلى به النساء أحيانًا. بعضهن يستعمل بعض الحبوب تضر نفسها وتتحير في حيضتها، أو تستعمل اللولب أو غير ذلك مما يجعلها في الحيرة. فإذا وقع مثل ذلك وشكت في أمر الدم الذي رأته، ما استطاعت أن تميز، فهنا يقال لها: ارجعي إلى العادة التي كنت عليها، مثلًا كانت عادتها سبعة أيام، إذن تترك الصلاة سبعة أيام، وما زاد عن ذلك فلا تبال به، وتعتبر نفسها أنها مستحاضة، وتستأنس بأحاديث الاستحاضة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنما هو عرق». وهكذا كذلك ينبغي بهذا أن يعلم أن المرأة ينبغي أن تتفقه وأن تتعلم الصفات الصحيحة التي تميز بها الدم الحيض من غيره. وذكر العلماء لهذا الدم أربع صفات، ما هي هذه الصفات الأربع؟ نعم، هي: أن يكون أسود، وأن يكون غليظًا، وأن يكون له رائحة، وأن يخرج من الجوف لا من طرف. وزاد بعض المعاصرين وصفًا خامسًا، وهو أن لا يتخثر -يعني يتأخر- ليس كدم الجسد يتخثر سريعًا. هذه خمسة أوصاف تستطيع المرأة بأحدها أن تميز دم الحيض من غيره. أولها: أن يكون أسودًا -ما إليه السواد- ليس كدم الاستحاضة ودم الجسد فإنه يميل إلى الاحمرار. ثانيها: أن يكون غليظًا، ليس كدم الجسد ودم الاستحاضة فإنه يكون رقيقًا. ثالثها: أنه كذلك له رائحة، ليس كدم الجسد ودم الاستحاضة ليس له رائحة. رابعها: أنه يخرج من الجوف -يعني من داخل الرحم- تشعر به المرأة، ليس يخرج من الطرف كدم الاستحاضة. خامسها: أن دم الاستحاضة -دم الحيض- لا يتخثر يتأخر في تخثره -أي تجمده- بخلاف دم الجسد ودم الاستحاضة سريع التخثر. هكذا ذكر العلماء هذه الصفات الخمس، فعلى هذا فلا حد لأقل الحيض، ولا حد كذلك لأمر النفاس -لا لأقله ولا لأكثره- على الصحيح. بل إذا وجد الدم المعهود المعروف الموصوف بصفاته المعلومة، فإنها يلحقها أحكام الحيض والنفاس. وإذا زال ذاك الدم، فإنها إذا رأت الطهر، فيكون عليها ما على المرأة غير الحائض والنفساء. وهنا تأتي مسألة أخرى، وهي أن الدم قد يزول لكن تتبعه صفرة وكدرة، فما حكم الصفرة والكدرة بعد الحيض وبعد الطهر؟ الجواب: أن الصفرة والكدرة بعد الحيض من الحيض، وبعد الطهر من الطهر، حتى ترى الطهر الصحيح. إذا كانت حائضًا لا تستعجل -كما قالت عائشة- حتى ترى -أي المرأة- القصة البيضاء. والقصة البيضاء يعني طهرة المرأة، هذا لمن لها طهرة، ومن ليس لها طهرة وطهرتها جفاف، فتكتفي بالجفاف إذا رأته. وإذا كان بعد الطهر، فالصفرة والكدرة بعد الطهر من الطهر لا يضر، لحديث أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا». جاء في البخاري بغير زيادة: بعد الطهر، وجاء خارج البخاري بهذه الزيادة، وهي الزيادة معناها صحيح عند قول المحققين من أهل العلم، ولو قال بعضهم أنها شاذة. ثم انتقل رحمه الله لمسألة أخرى هي شبيهة بالتي قبلها، وهي مسألة الحمل، هل هناك حد لمدة الحمل لأكثره؟ ولم يذكر لأقله؛ لأن القرآن ورد به نص الأقل، ونص الأقل هو ستة أشهر؛ لأن الله عز وجل جعل مدة الرضاع حولين كاملين، وجعل مدة استيفاء المولود ثلاثون شهرًا. كم يخلف من الثلاثين لإخراج الحولين الكاملين؟ كم يخلف؟ ستة أشهر، فعلم أن أقل الحمل هو ستة أشهر. وهذه فتوى الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف، ودل عليه دليل القرآن، فأقل الحمل ستة أشهر، وما كان أقل من ستة أشهر بنص القرآن وفهم السلف لا يكون حمل الزوج الجديد، بل يكون من غيره. إن كانت متزوجة قبله فللزوج الذي قبله، وإن لم تكن متزوجة قبله فيكون لغيره، الله أعلم من هو. المهم لا ينسب لهذا الثاني. وتحت هذا مسائل كثيرة، لكن نكتفي بهذه الإشارة. وأما أكثر الحمل، فقد اختلف العلماء، قيل: تسعة أشهر، وقيل: أكثر من ذلك إلى أربع سنوات. وأشار المؤلف رحمه الله أن هذا ما دام لم يرد دليل شرعي صحيح يدل على الحد الأعلى لأكثره، فالصحيح أنه يبقى على إطلاقه لا يقيد بقيد. على ما تقدم في القاعدة: أن الأمور الوجودية الأغلبية أن جعل الفقهاء الأمور الوجودية الأغلبية حدًا فاصلًا لكثير من الأحكام الشرعية التي أطلقها الشارع ولم يقيدها، أن هذا خطأ، وأن الصحيح ما أطلقه الشرع فيبقى على إطلاقه. ومن ذلك مدة أكثر الحمل. ولو تأملت تجد الصحيح أن المرأة قد تزيد عن تسعة أشهر، قد تزيد ولو تزيد بضعة أيام. فكونه زاد لبعض النساء بضعة أيام، فهذا يدل على تصحيح هذا الأصل. ولا يعني ذلك أننا نكذب ما قد يرد في الغالب الأعم من أن غالب النساء تكون بين التسعة والعشرة -أي الأشهر- لا يعني ذلك تكذيب أو جحود لذلك، حتى يظن أن هذا فيه معارضة للطب الحديث أو نحو ذلك لا. لكن الشرع جعل هذا الحكم، أو العلماء جعلوا هذا الحكم لما دل عليه دليل الشرع أولًا من الإطلاق، وثانيًا حتى لا يقعوا في الحرج إذا وجدت حالة نادرة شاذة من تأخر حمل، فإنهم يبقون على هذا الأصل الذي جاء في الشرع وهو الإطلاق. وهذا هو الواجب في هذا الباب. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.