شرح صفة الوضوء للشويب  4

شرح صفة الوضوء للشويب 4

الدرس في شرح صفة الوضوء للشويب 4، الدرس الرابع : (صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ... فيكون حكمها الوجوب كما بينا أما من نسي فيسمي حين يذكر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام النية والنية في الوضوء

النية ركن أساسي في الوضوء ومحلها القلب، وليس من السنة التلفظ بها. يجب على المسلم أن يعزم في قلبه على فعل الوضوء امتثالًا لأمر الله ورسوله.

حكم التسمية في الوضوء وبدايته

هناك خلاف بين العلماء حول حكم التسمية في الوضوء بين الوجوب والاستحباب، والأحوط أن يبدأ المتوضئ الوضوء بالتسمية.

أحكام الغسل والتيمم في حالات خاصة

يمكن أن يكفي غسل واحد للنيتين إذا كانت إحداهما غير مقصودة لذاتها، ويجوز التيمم في حالة المرض أو الضرورة التي تمنع من الغسل أو الوضوء.

ترتيب الواجبات وتقديم الأهم في يوم الجمعة

يجب ترتيب الأولويات في يوم الجمعة وتقديم الأهم، فإذا تعارض واجبان قدم واجب إدراك الجمعة، كما يجب درء المفاسد أولاً قبل جلب المصالح.

  • 15 جمادى الأولى 1431هـ - 28/04/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في رسالة صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، واليوم إن شاء الله في الكلام على صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الفصل الذي جعله -رحمه الله- في الكلام على صفة الوضوء بذكر شروطها وواجباتها ومستحباتها. قال -رحمه الله تعالى-: صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: النية. النية هي عزم القلب على فعل الوضوء امتثالًا لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموعة الرسائل الكبرى»: محل النية القلب دون اللسان باتفاق يا أمة المسلمين في جميع العبادات: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والعتق والجهاد وغير ذلك. ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه، كان الاعتبار بما نوى لا بما لفظ. ولو تكلم بلسانه بالنية ولم تحصل النية في قلبه لم يجز ذلك باتفاق يا أمة المسلمين. فإن النية هي جنس القصد والعزم، تقول العرب: نواك الله بخير، أي قصدك بخير. قال: كما بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه البخاري ومسلم. أورد -رحمه الله- هذا المبحث في الكلام على صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وابتدأه بالكلام على النية؛ لأنه أول أعمال الوضوء أن يقصد من يريد الوضوء التعبد لله عز وجل بامتثال أمره ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الوضوء. وهذا هو معنى نية الوضوء. ثم نبه -رحمه الله- على مجموعة من المسائل فيما يتعلق بالنية، أولها: أن النية هي عزم القلب، فإذا كان كذلك فلا حاجة للتلفظ بها باللسان. فقول بعض العامة والمتفقهة: نويت أن أتوضأ لصلاة كذا وكذا، أو لإقراءة القرآن، أو لفريضة كذا، كل هذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مما لم يدل عليه الشرع، ولا تكتضيه اللغة، ولا كذلك توافقه الفطرة. ولهذا نقل عن شيخ الإسلام في بيان أن النية محلها القلب، وأن العلماء اتفقوا على أن النية تكون في القلب دون اللسان في جميع العبادات، كما ذكر -رحمه الله-. ومنها الطهارة، وهذا فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يتلفظ بالنية، بل يكتفي بما في القلب من نية. ولهذا جاء في موضع آخر عن شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» -رحمه الله-: أن التلفظ بالنية نقص في العقل والدين. وبيّن أن نقصان العقل أو لمخالفته الشرع؛ فإنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا الصحابة، ولا من بعده من التابعين وتابع التابعين، ولا أحد من الأئمة المعتبرين أنه أذن أو فعل التلفظ بالنية. فإذا كان كذلك علم أنه نقص في الدين. وأما نقصان العقل، فوجهه كما بيّنه -رحمه الله-: أن المتلفظ بالنية مثله كمثل من أكل طعامًا فقال: نويت أن آكل هذا الطعام لقصد كذا وكذا إلى آخره. فهذا عبث؛ لأنه يعلم في نفسه أنه يريد أكل الطعام، ويريد أكله لكذا، والناس تعرف ذلك. فحديث نفسه به، وإظهار ذلك للناس من العبث الذي لا يفعله العقلاء. وحاشى أن يكون الشرع قد رضي أو أذن بالعبث، فضلًا عن ما فيه من منافاة ما تكتضيه الفطرة والعقل السليم أن مثل ذلك لا يفعل. ولهذا بيّن العلماء أن العبرة بالنية بما في القلب لا بما يتلفظ به اللسان، كما أشار -رحمه الله- من كلام شيخ الإسلام. فمثلًا لو أن رجلًا قال: نويت أن أصلي العصر أربعًا بلسانه، وهو في قلبه يعلم أنه إنما توضأ ليصلي الظهر، ووقف مع المأمومين ليصلي الظهر، فلا يضره لفظ لسانه ما دام في قلبه ويعلم أنه يصلي الظهر. وهذا يدلنا على أن العبرة بالنية هو ما في القلب لا ما يتلفظ به اللسان؛ لأن اللسان قد يخطئ. وعكسه صحيح كذلك، فلو أن رجلًا تلفظ بلسانه شيئًا، وكان في قلبه شيء خلاف الصواب، فالعبرة بما في القلب. مثلًا هذا الرجل وقف ليصلي الظهر، فقال: نويت أن أصلي الظهر، بينما هو يعني بلسانه قال: نويت أن أصلي الظهر، وبينما هو في قلبه يظن أنه يصلي العصر، فالعبرة بما في القلب لا بما تلفظ اللسان. ولهذا نقل عن الإمام المقدسي ابن قدامة -رحمه الله- أنه قال: لنقل جبل من مكانه أحب على المرء أن يصلي من غير نية. يعني أنه لا يوجد إنسان يقف بين يدي الله ليصلي وليس في قلبه نية للصلاة. ما من أحد يشرع في عبادة من العبادات إلا ويرسخ في القلب نية. فالنية إذن محلها القلب، ولا حاجة للفظ اللسان. وهذه النية لا يمكن أن يتخلى القلب عنها. فإذا كان كذلك علم أن التلفظ بالنية ليس من السنة، بل هو من البدع والمحدثات التي وقع فيها بعض المتأخرين من الفقهاء، وغلب ذلك على كثير من العامة خطأ. وكذلك مما ينبه عليه أن مسألة التلفظ بالنية مع كونه نقص في الشرع والدين، فهو منافر للعقل كما سمعنا. وهنا مسألة أخرى، وهي أن جمهور أهل العلم يرون أن الوضوء كغيره من العبادات يحتاج إلى نية، والنية محلها القلب كما سمعنا. وذهب بعض أهل العلم، منهم الإمام ابن القيم -رحمه الله- إلى أن لا يحتاج إلى نية، كما أشار إلى معنى ذلك في «بدائع الفوائد». وذكر -رحمه الله- أن السبب لذلك أنه لا يحتاج إلى نية؛ أن الوضوء لا يشبه شيء من العادات، ولا من العبادات. وإنما شرعت النية للتمييز بين العبادة من العادة، أو للتمييز بين العبادة التي تلتبس بنظيرها من العبادات. فمثلًا الذي يغتسل قد يغتسل للتبرد، وقد يغتسل غسل الجنابة، وقد يغتسل غسل الجمعة، فيحتاج إلى نية. لكن الوضوء -قال -رحمه الله-: ليس هناك وضوء من العادات حتى يحتاج أن يميز النية بين العادة والعبادة. وهكذا كذلك من يصلي يحتاج أن يميز هذه الصلاة: هل هي ظهر، هل هي عصر، هل هي فجر إلى غير ذلك. وأما الوضوء -يقول-: لا يوجد عبادات أخرى تشبهها، بل الوضوء واحد. وهذا محل اختلاف عند أهل العلم، والأمر في هذا واسع. لكن أحببت أن أبين لكم أن النية أولًا محلها القلب. وثانيًا في الوضوء خاصة قد قال بعض أهل العلم أنه لا يحتاج إلى نية. والأمر الثالث أو التنبيه الثالث في هذا المقام: الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم أن الوضوء الذي يتوضأ الإنسان به، يتوضأ به ليستبيح به كل ما تستباح به العبادات التي يشرع لها الوضوء. فليس هناك وضوء خاص بقراءة القرآن، ووضوء خاص لصلاة النفل، ووضوء خاص لصلاة الفريضة، ووضوء خاص للدعاء وغير ذلك. بل الوضوء إذا وقع جاز أن يعمل به الإنسان كل شيء مما يحتاج إلى الوضوء، أو مما يستحب فيه الوضوء: سواء قراءة القرآن، أو صلاة الفريضة، أو صلاة النفل، أو غير ذلك من الطاعات والعبادات. فما قاله بعض الفقهاء في كتبهم، وربما تسمعونه من بعض الدعاة والمتفقهة في دروسهم ومحاضراتهم: أنه لا يشرع الصلاة بوضوء نووا به قراءة القرآن، هذا غير صحيح. لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». ما قال: وضوء خاص بالصلاة. إذا حصل الوضوء جاز أن يستعمل للصلاة، أو لإقراءة القرآن، أو للفريضة والنفل، أو غير ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: التسمية. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أخرجه ابن ماجة والترمذي وأبو داود وغيرهم. وقال الشيخ العلامة الألباني: حديث صحيح. وقد ذهب الإمام أحمد في أحد قوليه أنها واجبة فيها كلها: الوضوء والغسل والتيمم، يعني أنواع الطهارة الثلاثة. قال: وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الحسن وإسحاق. قاله صاحب «المغني». وذكر دليلهم الحديث المتقدم، أي حديث أبي هريرة الذي سبق. وقال ابن قدامة: وإن قلنا بوجوبها، فتركها عمدًا فمن تركها عمدًا لم تصح طهارته؛ لأنه ترك واجبًا في الطهارة، أشبه ما لو ترك النية. وإن تركها سهوًا صحت طهارته، كما في المرجع السابق. قال المؤلف: وهذا ما نرجحه. يعني كما ذكره ابن قدامة في «المغني» -رحمه الله تعالى-. قال: وأما ابن تيمية -رحمه الله- فقد قال بوجوبها إذا صح الحديث الوارد فيها، كما ورد في كتابه «الإيمان». وقد صح الحديث، فيكون رأيه -رحمه الله- بوجوبها. قال: وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل مع أحد منكم ماء؟» فوضع يده في الماء، ويقول: «توضأوا باسم الله». قال: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعي حتى توضأوا من عند آخرهم». يعني إلى آخرهم. قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم؟ قال: نحو من سبعين. رواه البخاري ومسلم والنسائي. قال المؤلف -رحمه الله-: أما ما يدل على ما ذهبنا إليه في الحديث الثاني، في قوله: «ويقول توضأوا باسم الله». أما من قال: إنها سنة مؤكدة، فقد اعتمدوا على أن الحديث الوارد في هذه المسألة ضعيف. أي حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». أما وقد صح، أي الحديث كما بينا، فلا حجة لهم، والحجة لنا. والله تعالى أعلم. قال: فيكون حكمها الوجوب كما بينا. أما من نسي فليسم حين يذكر. والله أعلم. طيب الآن هذه المسألة الثانية من مسائل صفة الوضوء، وهو يذكر هذه المسألة على الترتيب على ترتيب أفعال الوضوء، وهي مسألة التسمية. يعني أن يقول المتوضئ: باسم الله قبل شروعه في الوضوء. فهمنا من هذا الكلام أن للعلماء في هذه المسألة أقوال. فمن أهل العلم من قال بوجوبها، ومن أهل العلم من قال باستحبابها، ومن أهل العلم من قال بوجوبها إذا صح الحديث. يعني توقف في المسألة على صحة الحديث. هذه ثلاثة أقوال أشار إليها المؤلف -رحمه الله-. والقول الأول، وهو قول من قال بوجوبها، المشهور عن أكثر من قال بالوجوب: أن من تركها سهوًا أو نسيانًا طهارته صحيحة، وليس عليه شيء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «إن الله تجاوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وهو حديث في السنن، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله-. فهذا هو قول من قال بالوجوب. وذهب المؤلف -رحمه الله- إلى أنه يفضل أن يقول إذا ذكر: بسم الله. كأنه قاس هذه أو هذه المسألة على مسألة التسمية في الطعام؛ فإنه صح أو صحح بعض أهل العلم حديثًا، وهو مختلف فيه: أن من نسي أن يقول بسم الله في أول الطعام، فليقل في آخره: بسم الله. بسم الله أوله أو آخره. وقاس المؤلف هنا هذه القضية على هذه. والأمر في هذا واسع. سواء قال: فهو من زيادة الفضل والخير. وكما قلنا: ليس فيه نص صريح، ولكنه قياس. ومن لم يفعل فلا حرج؛ لأنه نسي، وقد تجاوز الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان. فإذا كان كذلك فلا حرج. والقول الثاني الذين قالوا بالاستحباب، قالوا بالاستحباب؛ لأن الحديث عندهم لم يصح؛ لأن الحديث مختلف فيه. لكن كما رأينا: أكثر أهل العلم على تصحيح الحديث. فالأحوط هو أن المتوضئ يذكر اسم الله في أول وضوئه، فيقول: بسم الله. وإذا نسي فذكر في وسط الوضوء أو في آخر الوضوء قال: بسم الله والحمد لله، هذا يجزئه. ويؤكد هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر أصحابه بالوضوء، قال: «توضأوا بسم الله». فحثهم على أن يقولوا: بسم الله. إذن الأحوط أن الإنسان المسلم إذا أراد أن يتوضأ يقول في أول وضوئه: بسم الله. هذا خلاصة ما ذكر -رحمه الله- في هاتين المسألتين. ونترك باقي المسائل إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. وننظر الآن إذا كان عندكم شيء من الأسئلة، فتفضلوا جزاكم الله خيرًا. سائل يسأل: هل يجب النية اللفظية عند الغسل؟ هل يجب النية اللفظية عند الغسل؟ نعم، سمعت أيها السائل في الدرس الذي أخذناه: نعم، أن النية محلها القلب. فإذا كان كذلك فلا يستحب ولا يشرع التلفظ بالنية القولية لا في الوضوء، ولا في الغسل، ولا في الصلاة، ولا في أي شيء من العبادات، حتى في الحج على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من أمر الإهلال بالحج، فليس هو تلفظ بالنية في قول المحققين من أهل العلم، بل هو بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة. كما أن الصلاة تدخل فيها بقول: الله أكبر، فهو تحريمها. فكذلك الحج والعمرة تحريمها قولك: اللهم إني أهل بحج، أو أهل بعمرة، أو غير ذلك مما يقال. والله أعلم. سائل يسأل: هل يجوز قرن النية في يوم الجمعة بين غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال. فذهب بعض أهل العلم أنه لابد من غسلين. وعندهم في هذا قاعدة: أن الواجبات لا يدخل بعضها ببعض، أي لا تتداخل. وذهب بعض أهل العلم إلى أن غسل الجمعة وغسل الجنابة يمكن دخول بعضهما ببعض؛ لأنهم ذهبوا إلى أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب. فقالوا: يدخل هذا في هذا. وقول ثالث، وهو الصحيح: أن غسل الجمعة على الصحيح واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حضر الجمعة فليغتسل». وهو حديث صحيح رواه أهل السنن وغيرهم. ومع ذلك فيجزئ الغسل الواحد لغسل الجنابة وغسل الجمعة؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على أن العبادات إذا كان أحدها غير مقصود جاز دخوله في الآخر، ولو كان أحدهما واجبًا. ومعنى غير مقصود: أي المقصود حصول معنى هذه العبادة. فمثلًا عندنا تحية المسجد في القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنها واجبة بحديث أبي قتادة في الصحيح: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». ومع ذلك إذا دخل الإنسان فصل الفريضة أجزأت صلاة الفريضة عن تحية المسجد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». ولم يأمرهم لتحية المسجد. ونظائر هذا المعنى كثير، كما يذكر في كتب الأشباه والنظائر والقواعد الفقهية. فهذا يدل على أن العبادة إذا كانت غير مقصودة لذاتها فإنها تدخل في غيرها. ومنه هذه المسألة على القول الصحيح من أقوالها للعلم، كما نص عليه غير واحد من أهل العلم. فالذي يغتسل غسل الجنابة، يغتسل غسل الجنابة، وحصل له الغسل المقصود لحضور الجمعة؛ لأن المقصود أن من يحضر الجمعة لا يحضر إلا وهو مغتسل، يعني متطهر متنظف. ويؤيده أحاديث، مع هذه القاعدة تؤيده أحاديث. منها ما جاء في صحيح مسلم في حديث عائشة في بداية أمر النبي عليه الصلاة والسلام للغسل: أنه دخل عليه المسجد في يوم الجمعة رجلان، وكان عليهما رائحة -يعني كريهة- من بقايا العمل وغير ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن أحدكم إذا جاء إلى الجمعة تغسل لكان خيرًا أو قال لكان حسنا أو كما قال عليه الصلاة والسلام». فدل ذلك أن المقصود ليس هو غسل خاص للجمعة، وإنما المقصود هو حصول غسل يحصل به التنظف والتطهر وعدم أذية المصلين والتجمل لهذه الصلاة في يوم عيد المسلمين. ويؤيده كذلك ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من غسل واغتسل وحضر الجمعة ولم يلغ». الحديث. فقوله: «من غسل واغتسل» إشارة إلى الجنابة، أي حصول الجماع في صباح الجمعة أو ليلة الجمعة، فيصبح جنبًا يغتسل، يجزئه غسله هذا للجمعة؛ لأنه لم يأمر بغسل ثاني مع غسل الجنابة الذي ذكره في الحديث. بل قال: «من غسل واغتسل وحضر الجمعة». وهذا يؤيد تحول أحد الغسلين في الآخر. وتشبه هذه المسألة مسألة أخرى يكثر السؤال عنها من قبل بعض الأخوات، وهي أن المرأة ربما تكون جنبًا، ثم قبل أن تغتسل يأتيها الحيض. فهل إذا طهرت تغتسل غسلين أم يجزئها غسل واحد؟ الصحيح أنه يجزئها غسل واحد بالنيتين، كما أن الأول يجزئه غسل واحد بالنيتين: نية الجمعة ونية الجنابة. وهذه كذلك نية الجنابة ونية الطهارة من الحيض. والله تعالى أعلم. سائل يسأل: إذا بدأ أحدنا بصلاة الظهر، ثم في الركعة الثانية حول النية إلى صلاة العصر، فهل هذا جائز؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: يجوز تحويل النية في أثناء العمل من العبادة المقصودة إلى العبادة غير المقصودة. ولا يجوز تحويل النية من العبادة غير المقصودة إلى العبادة المقصودة. من صلى مثلًا العصر منفردًا، دخل المسجد فلم يجد جماعة. مسافر مثلًا دخل المسجد فوجد المسجد ليس فيه أحد، صلى العصر، وفي الركعة الثانية وجد أناس اجتمعوا سيصلون جماعة، أراد أن يجعلها نفلًا ويصلي مع الناس جماعة فينال أجر الجماعة، هذا جائز ولا بأس به. ودلت عمومات وقضايا على مثل هذا المعنى. وأما العكس لا يجوز. رجل يصلي النافلة، ثم في ثناياها قال: أجعلها عصرًا، هذا لا يجوز. أو رجل يصلي العصر في ثناياها قال: أجعلها الظهر، هذا لا يجوز؛ لأنه لا ينتقل من المخصوص إلى المطلق، ومن المخصوص إلى المخصوص، ولا من المطلق إلى المخصوص، ولكن ينتقل من المخصوص إلى المطلق. وكما قلنا: هذا تدل عليه عمومات، وأشار العلماء في مباحث النية إلى هذه المسألة، كما في كتب الأشباه والنظائر، وكتب القواعد الفقهية. والله تعالى أعلم. سائل يسأل: إن كان على رجل جنابة، وعنده مرض أو جرح، فهل الغسل واجب عليه؟ أم يجزئ عنه الوضوء فقط؟ أم أنه يشترط في الجرح أو المرض أن يكون مؤديًا للموت؟ ليس من شرط المريض بالرفصة تحقق الموت، بل يكفي في ذلك خشية الضرر. ومن الضرر المرض. ويدل عليه قصة عمرو بن العاص في غزوة السلاسل حين أصبح جنبًا في أحد أيام تلك الغزوة، وكانت ليلة باردة، فتيمم وصل بهم من غير غسل. وكأن بعض من معه يرى أن البرد ليس بالذي يستحق معه التيمم، فهم يرون في أنفسهم قوة على الغسل. فأنكروا عليه أنه صلى بهم إمامًا وهو لم يغتسل. فبلغوا النبي عليه الصلاة والسلام، وشكوه إليه. فناداه النبي عليه الصلاة والسلام، وسأله عن ذلك. فقال: إني تذكرت قول الله جل وعلا: «لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا». فضحك النبي صلى الله عليه وسلم مشيرًا بهذا إلى إضرار فعله، والإذن بمثله. واستدل العلماء بهذا الحديث وغيره من الأدلة الأخرى على أنه لا يلزم بحقق الضرر، بل إذا غلب على الظن وجود الضرر. وكل إنسان أعرف بنفسه. والناس يختلفون في القوة والصحة والتحمل. فمن غلب على ظنه أن الغسل يضره فلا بأس أن ينتقل إلى التيمم. وإذا انتقل إلى التيمم فلا حاجة له للوضوء؛ لأنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه، بل يكفيه إن شاء الله التيمم عن الوضوء. سائل يسأل: أحيانًا يستيقظ أحد الأخوة في الصلاة، ويتوضأ من غير نية، ولا تلفظ بالنية، فهل يجوز أن يصلي؟ الصحيح كما سمعت: أن الوضوء من العبادات التي لا تلتبس بغيرها، فتوجهه أصلا للوضوء هو نية بحد ذاته. فلذلك إن شاء الله صلاته صحيحة، ولا شيء عليه. وقد سمعت ما أشار إليه ابن القيم -رحمه الله-. سائل يسأل: غسل الجمعة واجب، ولكن قيل لنا هنا عندنا لا يكون؛ بسبب الجامعة، فهل يصير هذا عن الرجل؟ نعم، للضرورة يجوز للإنسان أن يدرك الجمعة إذا خشي فوات الجمعة أن يحضرها من غير غسل. ولكن الله أعلم بمن هو مفرط، وبمن هو مضطر. ويدل على ذلك ما روي: وهو صحيح أن عمر رضي الله تعالى عنه صعد على المنبر مرة، ودخل عثمان رضي الله تعالى عنه متأخرًا، فأنكر عليه عمر وهو على المنبر. فقال: ما كان مني إلا أن أتيت إلى البيت، فتوضأت، وأدركت الجمعة. فقال: والوضوء أيضًا -يعني لم تغتسل-. وهذا يدل أن من فقه الصحابة تقديم أوجب الواجبين عند الضرورة. فعندنا الآن واجبان: واجب إدراك الجمعة، ويبتدئ إدراكها بإدراك الخطيب قبل صعوده على المنبر. وواجب الاغتسال. فإن كان واجب الاغتسال سيشغل عن الواجب الأهم والأعظم، وهو المقصود، وهو حضور الجمعة، فإذن نقدم الواجب الأهم والأعظم والمقصود، وهو حضور الجمعة. وهذا من باب تقديم أعلى المصلحتين، وأوجب الواجبين. وهذه من القواعد التي أشار إليها الفقهاء في كتبهم. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمعين. على أنه أحيانًا قد يحتجم بالمفضول ما يجعله أولى من الفاضل. مثاله: لو أن رجلًا عنده عمل يجعل في جسده أو في ملابسه روائح كريهة تضر بالمصلين، فهنا حضوره من غير الغسل وتغيير ملابسه أشد من إدراكه للجمعة؛ لأن في هذا أذية للآخرين. وهنا تأتي قاعدة أخرى: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فنقول لمثل هذا الرجل: أنت لست الأول، أنت يجب عليك أن تغير ملابسك وتغتسل حتى تبعد هذه الروائح التي تؤذي المسلمين وتؤذي الملائكة؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. ثم تحضر الجمعة، فإن حضرت فالحمد للله، وإن فاتتك فإن شاء الله تجرب غيرها وتحرص على التبكير. سائل يسأل: هل الذهاب إلى الجامعة يعني يسقط غسل الجمعة الواجب؟ كما قلنا: أن يقدم المسلم العبادات والطاعات التي لله على غيرها. فلا يجوز للمسلم أن يفرط في مثل هذه الواجبات لأجل الجامعة، ولا غيرها. ولكن أنا أقول هذا إذا قد وقع عارضًا، فعند ذلك هو الآن بين أمرين. لكن ابتداء لا يجوز هذا. وأما إذا قد وقع فإنه يقدم أوجب الواجب. لكن لا يجوز له أن يكرر هذا ويجعله ديدنه. بارك الله فيكم، وأنتم كذلك جزاكم الله خيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.