شرح تفسير كلمة التوحيد  4

شرح تفسير كلمة التوحيد 4

الدرس في شرح تفسير كلمة التوحيد 4، الدرس الرابع:(وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة فذلك بأمرين:الأول أن تعرف أن الكفار...قوله صلى الله عليه وسلم:بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حقيقة كلمة التوحيد وبطلان الوسائط الشركية

يشرح الشيخ ابن بريك كلام شيخ الإسلام حول حقيقة كلمة التوحيد وبطلان الوسائط الشركية، ويبين أن المشركين الأوائل كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام.

الفرق بين شرك المشركين الأولين والمتأخرين وتأثيره على العبادة

المشركون الأولون كانوا يتقربون إلى الله بأناس صالحين، بينما المتأخرون توجهوا إلى السحرة والكهنة، وزعموا أنهم أولياء لله، مما جعل شركهم أشد.

توحيد الألوهية والشرك في العبادة وتحذير من الاستشفاع بغير الله

يشرح النص مفهوم توحيد الألوهية ويبين أن الشرك في العبادة هو الذي كفر المشركين، مثل دعاء الصالحين والاستغاثة بهم، ويحذر من الاستشفاع بالنبي أو الصالحين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «تفسير كلمة التوحيد»: «قال وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين»، يعني إذا أردت أن تعرف حقيقة الوسائط التي سبقت الإشارة إليها في كلامي قبل هذه الفقرة، مما مر معنا في الدرس الماضي، فهناك وسائط باطلة، وهناك وسائط صحيحة بين الله عز وجل وخلقه. فالرسل واسطة في التبليغ، فهذه واسطة صحيحة. ومن عبد من دون الله عز وجل، ومع الله من الوسائط الباطلة الوسائط الشركية. وهذا الذي يسميه الأولون آلهة، ويسميه المتأخرون واسطة. فحقيقة «لا إله إلا الله» كما تقدم، نفي للألوهية عما سوى الله، ومن ذلك نفي الوسائط الشركية. فهنا يقول رحمه الله: «وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة»، أي بطلان اتخاذ هذه الوسائط. وكذلك قوله: «أن تعرف هذا معرفة تامة»، يعني ما سبق مما هو بمعنى هذا، من أن حقيقة كلمة التوحيد تتضمن أركانًا وشروطًا، فلا يكتفى بلفظها، ولا يجوز تحريف تفسيرها. فالضلال في الكلمة يأتي من هاتين الجهتين. قال رحمه الله تعالى: «الأول: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلهم، وأباح أموالهم، واستحل نساءهم، كانوا مقرين لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾». وهذه مسألة عظيمة جليلة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاهدون بهذا كله ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم. وكانوا أيضًا يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات خوفًا من الله عز وجل. ومعناه أنه لا يجوز حصر تفسير هذه الكلمة بالربوبية، فقد أقر بالربوبية المشركون الأولون، ولم ينفعهم ذلك. وكونهم أقرّوا بالربوبية ولم يقروا بالألوهية، هذا ينقض كلمة التوحيد. ولو زعموا أنهم يعبدون الله لكذبوا، وإن علموا حقيقة معنى كلمة التوحيد، فلذلك لم يقروا بها. فكذلك تفسير المتأخرين «لا إله إلا الله» بـ «لا خالق إلا الله»، هذا مثل تفسير المشركين الأولين، لأنهم كما تقدم من الآية التي أشار إليها، وغيرها من الآيات كثيرة، يقرون بمعنى ربوبية الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك كما أشار رحمه الله، وتدل عليه أدلة الكتاب والسنة، لم يدخلهم ذلك في الإسلام، بل صاروا كفارًا معاندين، يقاتلون ويستحل منهم ما يستحل من غيرهم من الكفار. فلا فرق إلا بين وسائط المشركين الأولين ووسائط المشركين المتأخرين، فكلهم اتخذ إلهًا غير الله سبحانه وتعالى، وإن سماه بغير مسمى. وكلهم لم يوحد الله عز وجل في معنى ألوهيته، وكانوا بهذا من أهل الشرك. حتى لو قال بعض المتأخرين: «نحن نوحد الله بألوهيته»، ثم نقض ذلك بأفعالهم، لم ينفعهم ذلك الإقرار، لأن المطلوب ليس هو قول اللسان، ولكن المطلوب هو تحقيق ذلك بالجوارح. مثل لو قال الإنسان: «أنه يعبد الله» وهو لا يعبده، لم ينفعه ذلك. أو قال: «أنا مسلم» ولم يعمل بالإسلام، لم ينفعه ذلك. وقال: «أنا مؤمن» ولم يطبق الإيمان، لم يأت بشيء من أركان الإسلام، ولا شيء من أركان الإيمان، لم ينفعه ذلك. وهكذا لو قال: «نحن نقر بتوحيد الألوهية باللسان»، أما بالواقع والعمل، فهم يقعون في مثل ما وقع فيه أهل الشرك الأولين، وأشد. فالأولون كانوا يشركون في الرخاء وفي الشدة، لا يلتجئون إلا إلى الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. والمشركون المتأخرون يشركون في الرخاء والشدة بغير الله، ويستغيثون بغير الله سبحانه وتعالى. والمشركون الأولون كانوا يتقربون إلى الله بأناس صالحين، أو أنبياء، أو أحجار وأشجار لا تعصي الله سبحانه وتعالى. أما المشركون المتأخرون، فوقعوا في شرك أشد، إذ أنهم توجهوا إلى من عرف بالفسوق والفجور من السحرة والكهنة والمشعودين والعصاة، ثم زعموا أنهم أولياء لله. فحرموا حتى ما صار إليه المشركون الأولون، فصار شركهم أشد. وهكذا كذلك المشركون الأولون، كان لهم عبادات يتعبدون بها إلى الله، كما أشار المؤلف رحمه الله، فهم يحجون ويعتمرون ويتصدقون، كما قال الله عز وجل: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله﴾. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نذر في الجاهلية أن يعتكف يومًا في سبيل الله في المسجد الحرام. وهذا يدل أن من عبادة المشركين الاعتكاف في بيت من بيوت الله، وفي بيت الله الحرام. وهكذا كذلك كانوا يتصدقون ويوقفون الأوقاف للمسجد الحرام. فالنبي عليه الصلاة والسلام، بحديث عائشة، أراد أن ينفق كنز الكعبة في سبيل الله. فكان للكعبة كنز، من أين اجتمع؟ من أوقاف المشركين. فكانوا يتصدقون ويوقفون الأوقاف، وكذلك يحجون ويطوفون، وإن كان في بعض عباداتهم شيء من الباطل، كما قال الله عز وجل: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾. وغير ذلك مما ذكر من تقربهم لله عز وجل بأنواع العبادات. أما المشركون المتأخرون، فالكثير منهم -إلا القليل النادر- لا يؤدون شيئًا من العبادات لله. ولو أدوا لكان أقل مما يؤدون لغير الله. بل يزهدون في العبادة لله، ويرغبون في عبادة غير الله. كما تقدم، يجعلون بعض الزيارات الشركية فيها من الفضل أعظم من العبادة لله فيقولون -على سبيل المثال-: «زيارة قبر كذا مثل ما يقولون عندنا قبر نبي الله هود يعدل سبع حجات». ويقولون ويزعمون أن «ضحكة في هود خير من كذا وكذا تسبيحة في المسجد الحرام». ويزعمون أن «الاغتسال بنهر ماء نهر هود أفضل من ماء زمزم» وغير ذلك. بل ويزهدون في الطاعات والعبادات لله، والصدقات والذبح وغير ذلك، ويرغبون في غير الله. ولذلك تجدهم يكثرون من الذبح لغير الله، والاستغاثة بغير الله، حتى أنهم يجعلون لأنفسهم من الأوراد والأذكار الصباحية والمسائية بالمئات، مما يعظمون تلك المعبودات التي يعبدونها من دون الله ومع الله سبحانه وتعالى. فصار المشركون الأولون خيرًا منهم في كثير من المواضع، وهم عندهم شرك، وهؤلاء عندهم شرك، لكن شرك هؤلاء أشد من أولئك. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. وأما المتأخرون، في الحقيقة حبهم لغير الله أعظم من حبهم لله. ولهذا تجد الكثير منهم لا يعرف الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا الصدقة، ولا يقف عن حرام، ولا يبالي بواجب. فإذا جاء وقت الزيارة، كان من المسارعين لما علم من أن هذا يغفر له كل ما يسبق من سالف عمله. فحرفوا دين الله، وعظموا الشرك، وهونوا أمره. ووقع عندهم مما هو أشد ما عند المشركين الأولين. فهذا قليل من كثير مما ابتليت به الأزمنة الأخيرة من حال هؤلاء الوثنيين. وفي زمن المؤلف رحمه الله، من هؤلاء من سيتذكر -إن شاء الله- ذكر بعضهم في آخر هذه الرسالة. قال رحمه الله تعالى: «فالخلاصة: من أقر بالربوبية ولم يقر بالألوهية، ويطبقها، لم ينفعه ذلك». فلا يكفي الإقرار بالربوبية، بل ولا يكفي الإقرار بالألوهية مع عدم العمل بما يستلزمه، أو يستلزمه ذلك الإقرار. ولاحظوا قوله: «أقروا»، لأن من لم يثبت أقسام التوحيد الثلاثة: ربوبية وألوهية وأسماء الصفات، فهو ليس بموحد. فمن الخطأ أن نقول: «أن المشركين الأولين وحدوا الله توحيد الربوبية»، لأن التوحيد هو أمر متلازم، فمن وقع منه شرك في أحد هذه الأقسام، لزمه الشرك في الأقسام الأخرى. فلذلك الصواب أن نعبر فنقول: «أقروا بتوحيد الربوبية»، ليس «وحدوا توحيد الربوبية». ننتبه لهذا الملحظ، وهذا التدقيق اللفظ الذي له معنى يخفى على الكثير من الناس. قال رحمه الله: «ولكن الأمر الثاني هو الذي كفرهم وأحل دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية وتوحيد الإلهية، وهو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل». فمن استغاث بغيره، فقد كفر. ومن ذبح لغيره، فقد كفر. ومن نذر لغيره، فقد كفر. وأشباه ذلك. وتمام هذا: أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يدعون الصالحين، مثل الملائكة، وعيسى وأمه، وعزيرًا، وغيرهم من الأولياء، فكفروا بهذا، مع إقرارهم بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر. إذا عرفت هذا، عرفت معنى «لا إله إلا الله». عرفت أن من نخى نبيًا أو ملكًا أو ندبه واستغاث به، فقد خرج من الإسلام. وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل من المشركين: «نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحون مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم، وندخل عليهم، ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق المدبر». فقل: «كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله». فإنهم يدعون عيسى وعزير والملائكة والأولياء، يريدون بذلك -كما قال تعالى-: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفًا﴾. وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. فإذا تأملت هذا تأملًا جيدًا، وعرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية، وهو تفرده بالخلق والرزق والتدبير، وهم ينخون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفًا، ويشفعون لهم عند الله. وعرفت أن من الكفار -خصوصًا النصارى منهم- من يعبد الله الليل والنهار، ويزهد في الدنيا، وتصدق بما دخل عليه منها، معتزلا في صومعة عن الناس، وهو مع هذا كافر عدو لله، مخلد في النار، بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء، يدعوه أو يذبح له أو ينذر له. تبين لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. وتبين لك أن كثيرًا من الناس عنه بمعزل. وتبين لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء»، حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. ومعناه أن العبرة بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الميزان الذي يعرف به الإسلام الحق من الباطل، وطريق الاستقامة من طريق الغي. حتى لا يقول أحد: «هل كل هؤلاء على ضلال؟» فيقال: «نعم، إذا خالفوا ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فهم على ضلال». فليست العبرة بالكثرة، ولكن العبرة بموافقة الصواب. هذا هو الميزان: أن نزن الأمور بميزان الكتاب والسنة، وما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن بعده سلف الأمة. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا. وإن تولوا، فإنما هم بضلال. وأعظم باب هو باب التوحيد: أن نعرف حقيقة التوحيد الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ودعى الناس إليه. ليس التوحيد الدعوة إلى إفراد الله في الربوبية، هذا خطأ وتقصير عظيم. لم يأت النبي عليه الصلاة والسلام ليدعو الناس أن يقولوا: «لا خالق إلا الله»، ولا «لا رازق إلا الله». فهذا قد علمه المشركون وأقرّ به. ولكن دعاهم أن يوحدوا الله وحده يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا صالحًا من الصالحين، فضلًا عن من دونهم من أهل الشرك. يقول: «كيف يشرح رؤوس المشركين هذه الآيات: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفًا﴾، والآية الأخرى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. كيف يشرحون أن ما يفعلون من عبادات لغير الله ليس بالشرك، وأن ما يفعلون لا يدخلهم في هذه الآيات؟ يفسرونها بأنها خاصة بالمشركين الأولين، فلا يرونها تنصب عليهم. ويزعمون أن الفرق بينهم وبين المشركين الأولين: أن المشركين الأولين عبدوا الأحجار والأشجار، وأن هذا هو الشرك. وأما أن تستشفع بنبي أو ملك أو صالح من الصالحين، فيزعمون أن هذا ليس بشرك، وأن هذا من الشفاعة التي يحبها الله -هكذا زعموا وكذبوا- وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على الشفاعة في الدرس اللاحق. قد مر معنا الكلام على ذلك في دروس سابقة كثيرة، لأن الشفاعة المثبتة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وللأنبياء والملائكة والصالحين، الشفاعة التي توفرت فيها شروط الشفاعة. وهؤلاء لم يفهموا هذا المعنى، فلذلك أثبتوا شفاعة باطلة، هي من جنس الشفاعة المنفية التي كان يثبتها المشركون الأولون. نعم، هذا وجه اللبس والشبهة عند هؤلاء، والله المستعان.