الدرس في شرح تفسير كلمة التوحيد 3، الدرس الثالث:(إذا فهمت ذلك فتأمل الألوهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ونفاها عن محمد ... ومن ذبح لغيره فقد كفر ومن نذر لغيره فقد كفر وأشباه ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ معنى الألوهية في كلمة التوحيد ونفيها عن غير الله، حتى عن أفضل الرسل والملائكة. يبين أن العامة في زمان المؤلف كانوا يسمونها السر والولاية ويعتقدون أن لخواص الخلق منزلة عند الله يمكن الاستغاثة بهم.
كان عامة الناس في زمان المؤلف على نهج منحرف في عبادة غير الله، حيث اعتقدوا في بعض المخلوقات القدرة على النفع والضر. يشرح المقطع كيف أن المشركين وقعوا في شرك الواسطة في العبادة وأن العبرة بالحقائق وليس بالألفاظ.
يتحدث المقطع عن تعظيم بعض الناس للمخلوقين حتى يصل إلى مستوى تعظيم الله، مستشهدًا بآية قرآنية. يبين أن تعظيم غير الله تعظيمًا لا يليق إلا لله هو شرك محرم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في ثنايا رسالته المسماة تفسير كلمة التوحيد. وقد مر معنا فيما مضى ما بينه رحمه الله من بيان معنى كلمة التوحيد، وما تتضمنه من نفي وإثبات، هما ركنا هذه الكلمة العظيمة. وسبق كذلك الإشارة إلى ما فيها من شروط، وأخذنا شيئًا من هذه الشروط فيما سبق، وعلمنا أن كلمة التوحيد تستلزم قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا. ووقفنا كذلك على بعض ما نبّه عليه الشيخ رحمه الله من وجه خطأ من ضل في هذه الكلمة، سواء بحصر معناها على مجرد النطق، أو كذلك من لم يفهم معناها فوجهها بغير توجيهها، وخرج عن مقصودها. قال رحمه الله تعالى: «إذا فهمت ذلك، فتأمل الألوهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه، ونفاها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وجبريل وغيرهما، أن يكون لهم منها مثقال حبة من خردل». والمعنى: إذا فهمت معنى الألوهية الذي تضمنته كلمة التوحيد، إذ معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، فهي تتضمن نفيًا وإثباتًا. فأثبت الألوهية لنفسه، ونفاها عمن سواه، كل من سواه، حتى أفضل أفضل الناس والرسل، محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل الملائكة جبريل عليه السلام، فمن دونهم من باب أولى. وبه يعلم، كما تقدم، أن الكثير من المشركين في زمان المؤلف رحمه الله لم يفهموا حقيقة كلمة التوحيد. قال رحمه الله: «فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية». والإله معناه: الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ. وتسميه العامة السيد، وأشباه هذا. وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة يرضى أن يلتجئ الإنسان إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله. قوله رحمه الله: «فاعلم أن هذه الألوهية» أي: الذي تضمنته كلمة التوحيد «هي التي يسميها العامة في زماننا السر والولاية»، يعني في زمان المؤلف رحمه الله تعالى. ومعنى قول عامة أهل زمانه - والمراد بهم عوام الناس، من هو بعيد عن العلم، ومن هم أتباع كل ناعق - أن جمهور الناس كانوا في زمان المؤلف رحمه الله على هذا النهج المنحرف. فمعنى قوله: أنهم ما يسمونه السر والولاية. السر عندهم: القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن يدعى ويرجى ويخاف ويتوكل عليه. ومن كان هذا وصفه، فهو الإله. فالإله عند المشركين قديمًا هو من يسميه بزمان المؤلف السر والولاية، أي: الولي. فيقولون: ولو كان هذا القيل في حق مخلوق، يعلمون أنه مخلوق، ولكن يزعمون أنه يختلف عن المخلوقين. فيقولون: هذا سر الله، يريدون من يُعبد من دون الله. وهذا ولي الله، يريدون من يُعبد من دون الله. فإذا قالوا: هذا سر الله، أو هذا ولي الله، كان معناه عندهم من عنده القدرة على النفع والضر. وكان معناه عندهم من يصلح أن يدعى ويرجى ويخاف ويتوكل عليه، يخاف منه ويتوكل عليه. فهذه الصفات هي صفات الإله. إذن لم يحقق هؤلاء معنى لا إله إلا الله، إذا كانوا أثبتوا هذا المعنى في حق غير الله. إذ معنى لا إله إلا الله: نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله عز وجل وحده. وهؤلاء لم ينفوها عما سوى الله، بل أثبتوها لغير الله. وشبهتهم وحجتهم التي يستدلون بها: أن الله عز وجل اختصه بهذه المنزلة. وهذا كذب على الله. قال الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. فكذب على الله أن يدعى أن الله خص أحدًا من خلقه بأن يجعل له شيئًا مما هو من وصفه سبحانه وتعالى. كذب على الله، وكذب على دين الله، وعلى شرع الله. فصار هؤلاء في الحقيقة فعلهم فعل المشركين. فالمشركون قديمًا عبدوا غير الله، واعتقدوا في غير الله ما لا يجوز أن يكون إلا لله وحده. وهؤلاء فعلوا مثل الذي فعل أولئك. قال رحمه الله: «فهؤلاء في الحقيقة جعلوهم وصائط كوسائط المشركين الأقدمين لا فرق». وهذه الواسطة الشركية التي جاء دليل الكتاب والسنة بالتحذير منها. كما قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فكما لبس شياطين الجن والإنس على المشركين الأولين، لبس شياطين الجن والإنس على المشركين المتأخرين. فالمشركون الأولون عبدوا غير الله، وسموهم واسطة، وسموهم كذلك شفعاء، وسموهم كذلك آلهة، وكل ذلك شرك وكفر. فهنا قالوا: هؤلاء شفعاء عند الله. وفي الآية الأخرى قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فكله من الشرك المحرم المبطل لكل عمل صالح إن وجد. وهكذا كذلك من في زمن المؤلف وقعوا في شرك من جنس ذلك الشرك. وبه يُعلم كذب مُفترٍ على الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، إذ كانوا يزعمون أن الشيخ عنده غلو، وأن المخالفين له إنما عندهم بدع، وشيء من التبرك وتقبيل اليد. وإن وجد الشرك فهو نادر قليل. وهذا كذب، بل ما عندهم هو الشرك الذي هو أعظم شركًا من شرك المشركين الأولين. قال رحمه الله تعالى: «فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وصائطهم، وهم الذين يسمون بتلك المسميات». والعبرة بالحقائق لا بالمسميات، لأن المسميات قد تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. فالعبرة بالحقائق. فهؤلاء في الحقيقة جعلوهم وصائط كوسائط المشركين الأقدمين لا فرق. ثم وضح ذلك رحمه الله بهذين الأمرين الذين أشار إليهما. فالضلال في هذه الكلمة، كما تقدم، من كونهم ظنوا أن اللفظ بها يكفي، وهذا باطل. وثانيًا من كونهم فسروها بغير تفسيرها الصحيح. فوس، واسطة المشركين بزمن المؤلف وإلى يومنا هذا، هي الوسائط المحرمة التي دلت أدلة الكتاب والسنة على تحريمها، وعلى أنها من الشرك. ولو كانت هذه الواسطة نبيًا أو وليًا، فلا فرق بين من قال: يا عزير، أو قال: يا محمد. ولا فرق بين من عبد يغوث ويعوق ونسرًا، وبين من عبد الزبير أو الحسين أو زينب أو كذا وكذا من أسماء الصالحين. ولا فرق بين من يذبح لعيسى عليه السلام أو العزير، أو من يذبح لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولا فرق بين من يستغيث بيغوث ويعوق وسواع ونسرًا، وبين من يستغيث بالحسين أو زينب أو العيدروس أو شمسان أو بن شمسان أو غير ذلك مما يعبد من دون الله، ويستغاث به مع الله. فبه يعلم أنهم في الحقيقة عظموا غير الله تعظيمًا لا يليق إلا أن يكون لله. بل عظموهم أعظم من تعظيم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. شكرًا للمشاهدة. السلام عليكم.