شرح تفسير كلمة التوحيد  1

شرح تفسير كلمة التوحيد 1

الدرس في شرح تفسير كلمة التوحيد 1، الدرس الأول:(سئل الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله عن معنى لا إله إلا الله ... وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح كلمة التوحيد ومعناها

يبدأ الشرح ببيان معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وأهميتها في الإسلام، مشيراً إلى أنها الفارقة بين الكفر والإسلام وتتضمن نفي وإثبات. كما يشدد على أهمية فهم معناها ومعرفة مدلولها.

مقتضى كلمة التوحيد وعمل القلب والجوارح

كلمة التوحيد تتطلب عملاً بمقتضاها وامتثالاً لأوامر الله واجتناباً لما نهى عنه، وتستلزم توحيد الله وعبادته وطاعته. من قالها دون عمل بمقتضاها لم ينتفع بها، كما هو حال المنافقين الذين يقولونها باللسان دون يقين بالقلب.

علاقة الإيمان بالأمن والاهتداء وتأثير كلمة التوحيد

الكلام يتحدث عن تأثير الإيمان على الأمن والاهتداء، حيث يبين أن وجود ما ينافي كلمة الإيمان ينقص الأمن والاهتداء. ويستشهد بآية قرآنية تؤكد أن الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون، مشدداً على أهمية تحقيق الإيمان الحقيقي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في رسالته المسماة تفسير كلمة التوحيد: بسم الله الرحمن الرحيم. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، عن معنى لا إله إلا الله، فأجاب بقوله: اعلم، رحمك الله تعالى، أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه لعلهم يرجعون. وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون وتصدقون. ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه»، وفي رواية: «خالصًا من قلبه»، وفي رواية: «صادقًا من قلبه». وفي حديث آخر: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله». إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة. هذه رسالة أخرى من رسائل الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، جواب عن سؤال فيها تفسير كلمة التوحيد. وقد اشتهرت هذه الرسالة باسم تفسير كلمة التوحيد أو كلمة التوحيد. ونستفيد من هذه الرسالة مجاهدة هذا الإمام وجده واجتهاده في الدعوة إلى التوحيد وتبليغ دين الله سبحانه وتعالى، وما كان عليه رحمه الله تعالى من الحرص الشديد والاعتناء بدعوة أهل زمانه. فكم قد مرت معنا من رسائل، وهذه رسالة أخرى من رسائله رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك نستفيد من هذا سنة الله سبحانه وتعالى في صراع أهل الحق مع أهل الباطل. فإن هذا لا ينقص أهل الحق ما هم عليه من حق، كما لا يزيد في أهل الباطل شيئًا من باطلهم. ولكن لله حكمة، إذ أن الله سبحانه وتعالى يبتلي أهل الحق بأهل الباطل، وأهل الباطل بأهل الحق. هؤلاء بما يكون من صبرهم وتباتهم وحرصهم على القيام بما يجب من العلم والعمل والدعوة والصبر. وهؤلاء بما يبتليهم الله عز وجل من إقامة الحج عليهم، وينظر هل يستجيبون أو يعرضون. مع ما فيه كذلك من عظام الأجر لأهل الحق وزيادة ثبات أهله بما هم عليه. فبالظلمة يعرف المرء فضل النور، وبالعمى يعرف نعمة الله عز وجل في البصر، وبالمرض يعرف الإنسان نعمة الله عز وجل في الصحة. وهكذا كذلك بوجود الشرك وأهله وما هم عليه من لوازم الشرك، يعرف المسلم فضل التوحيد وعظيمة هذه النعمة على أهلها في الدنيا وفي الآخرة. وفي هذه الرسالة أسلوب آخر من أساليب أهل العلم في الدعوة إلى الله والتعليم، وهو ما يكون من إجابة سؤال السائلين، سواء أكان سؤال أهل الحق ليعلم أهل الباطل، أو كان سؤال أهل الباطل بحثًا عن الحق، أو كان كذلك سؤال أهل الباطل على وجه التعنت أو غير ذلك. ولكل مقام مقال، ولكل سؤال جواب. فنحن نستفيد من سيرة العلماء ومن مؤلفاتهم، وكذلك دعوتهم ما يكون عونًا لنا في سيرنا العلمي والدعوي. ونرى هنا أن الشيخ رحمه الله سئل عن معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فأجاب رحمه الله بهذا الجواب المختصر، والذي جمع مع اختصاره ما يجب أن يقال من بيان حقيقة معنى هذه الكلمة العظيمة وخطر مخالفة ما دلت عليه. وهكذا ربط ذلك، بواقع حال الناس في زمانه رحمه الله. ومما ابتدأ به المؤلف رحمه الله هذه الرسالة البسملة، سواء كانت من بعض النساخ أو كانت من المؤلف أو بإقراره. ففيها هذا الأدب من أدب أهل العلم في افتتاح كتب العلم بالبسملة. وقد تقدم معنا في رسائل سابقة كثيرة أن العلماء سلكوا في هذا المسلك ما سار عليه العلماء، وما كان عليه كذلك نهج كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فافتتح كتاب الله بالبسملة، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كتبه بالبسملة. بل كما تقدم معنا هو سنة المرسلين. وسار على هذا عمل أهل العلم، فنحن نتأدب بهذا الأدب كذلك. فليس في ذلك شيء من التكرار، بل هو من السنة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم. ولم يذكرها هنا في السؤال السائل، إما لعدم أهمية ذكر ذلك، وهذا وارد، وإما لمعنى آخر تقتضيه المصلحة. والمقصود هو الجواب على السؤال، وعين السؤال، وليس المقصود معرفة السائل. وهكذا كذلك ينبغي لمن بث شيئًا من العلم، كان في ثنايا ذلك العلم أسماء أشخاص، تقتضي المصلحة ستر أسمائهم، أن تستر أسمائهم. وهكذا نرى في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الشيء الكثير. فهناك ما يسمى بمبهمات الأسماء، مما جاء ذكرهم في نصوص السنة، ولم يكن في معرفة أعيانهم وأشخاصهم مصلحة. بل في كتاب الله عز وجل من ذلك الشيء الكثير، فهو مع ما فيه من هذه المصلحة المشار إليها، فيه كذلك الاختصار في تحاشي ما لا ينفع من الكلام. فحشو الكلام ليس من العلم. وابتدأ المؤلف رحمه الله جواب هذا السؤال بقوله: «اعلم، رحمك الله تعالى، أن هذه الكلمة هي الفارق بين الكفر والإسلام». وكما تقدم معنا وتكرر أن هذا أدب كرره المؤلف رحمه الله في الكثير من كتبه، لما فيه من إظهار حسن السريرة بالمخاطبين ومن يصلهم هذا الكتاب، بما يكون سببًا لإزاحة ما قد ينقدح في نفوسهم وقلوبهم مما شوه به أهل الباطل صورة أهل الحق. من كونهم أهل عنف وأهل غلظة وقلة رحمة، وغير ذلك من المعاني القبيحة التي يتهم بها أهل الباطل أهل الحق كذبًا وزورًا وبهتانًا. مع ما فيه كذلك من إظهار حسن السريرة، وكذلك ترغيب من يصله الكتاب إلى أن يقرأ ما في الكتاب. فيه كذلك هذا الأسلوب اللطيف الذي يبتدأ به في افتتاح الكتب. مما هو سنة سنها لنا علماؤنا وأمتنا فينبغي أن نحرص عليها في دعوتنا العلمية والعملية. فأهل السنة والجماعة أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق. فينبغي أن يظهر أثر هذه الرحمة من خلال دعوتنا العلمية ودعوتنا كذلك العملية. فيظهر أن أهل السنة بحق أرحم الناس بالخلق. أسلوبهم فيه رحمة، كلامهم معناه ولفظه فيه رحمة، مواقفهم كذلك فيها رحمة. فأنت حين تقول بلسانك: «اعلم رحمك الله تعالى»، ثم تخالف ذلك بأقوالك ومواقفك التي يكون فيها من التعنيف ومن التجريح مع من لا يستحقه، يكون هذا من التناقض. ولكن ينبغي أن يظهر معنا أن أهل السنة أرحم الناس بالخلق بلسان الحال وبلسان المقال. وهذا أدعى لدخول الناس في هذا الحق. وقولوا: «أن هذه الكلمة المراد كلمة التوحيد التي سئل عنها ما معنى كلمة لا إله إلا الله، هي الفارق بين الكفر والإسلام». وهذا من المعلوم عند العالم والجاهل، والقارئ وغير القارئ، ومن عرف دعوة التوحيد ومن جهل حقيقة دعوة التوحيد. فهو مع ما فيه من براعة استهلاله، بدخوله بالمقصود، فيه كذلك الاستدلال بالمعلوم على المجهول. وهكذا ينبغي أن يكون العالم والداعي لله يخاطب الناس بما يعرفون، ويبتدئ دعوة الناس بما يعلمون. ذلك أدعى أن يدخلوا في الحق وأن يدعنوا له. فكون كلمة التوحيد فارقة بين الكفر والإسلام هذا واضح، فإن الكافر لا يصير مسلمًا إلا بكلمة التوحيد. وهكذا كذلك المسلم إذا كفر بهذه الكلمة خرج من الإسلام إلى الكفر، فهي الفارقة بين الإسلام والكفر. قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». والحديث حديث ابن عمر في الصحيحين، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. فالمعنى العام يفهمه الكثير من الناس، لكن هناك تفاصيل يحصل فيها الاشتباه ويلبس بها أهل الباطل. وهذه الكلمة كما هو مسمى هذه الرسالة تسمى كلمة التوحيد، وسميت بكلمة التوحيد لأنها كلمة تدل على هذا المعنى العظيم، توحيد الله سبحانه وتعالى. وقد تضمنت هذه الكلمة على ركنين: نفي وإثبات، نفي وإثبات. فركنا كلمة التوحيد النفي والإثبات، النفي نفي الألوهية عما سوى الله، والإثبات إثباتها أي الألوهية لله عز وجل وحده. وفي تقديم النفي على الإثبات بيان لحقيقة معنى هذه الكلمة التي سيأتي إن شاء الله بيانها وتفسيرها، أنها لا تتم إلا بما يكون من تخليتها عما ينافيها ويبطلها. فلا تحلية إلا بتخلية، فالنفي هو التخلية، والإثبات هو التحلية. فلا يصح أن يثبت الإنسان الإلهية لله وهو لم ينفيها عما سوى الله. فلو أثبتها لله وأثبتها لغير الله لصار مشركًا، لصار مشركًا مثل الكثير من المشركين من مشركي العرب وغيرهم، حتى من أهل الكتاب. أثبت الألوهية لله ولم ينفها عما سوى الله، بل أثبتها كذلك لغير الله، أثبتها لله وأثبتها لغير الله، فكان بهذا مشركًا، فحبط عمله، لأن الشرك يحبط العمل. ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. وهكذا كذلك لو نفاها عما سوى الله ولم يثبتها لله لصار ملحدًا، كسائر الملحدين من الفلاسفة والدهريين. من كان في هذه الأرض، فيوجد من هؤلاء من فلاسفة أهل الهند واليونان، ومن وافقهم من العرب والعجم. بل ومن من ارتد من أهل الكتاب. من كان ملحدًا نفى معنى الألوهية عن كل شيء، نفاها عما سوى الله ولم يثبتها لله، فصار بهذا ملحدًا كافرًا. ولم يبق التوحيد إلا بنفيها عما سوى الله وإثباتها لله عز وجل. وإثباتها لله عز وجل بهذا يتحقق التوحيد. قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾. ومن هنا نعرف أن معنى التوحيد مأخوذ من الوحدانية، أن توحد الله عز وجل في أسمائه وصفاته، وفي ربوبيته وألوهيته. وتسمى هذه الكلمة بكلمة الإخلاص، لأنها تدعو إلى إخلاص الدين لله عز وجل. وتسمى هذه الكلمة بكلمة التقوى، لأن بها يتحقق تقوى الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي. فحقيقة التوحيد لا تقف عند معرفة المعنى باللفظ، بل وبما يستلزم ذلك من تحقيق معنى التوحيد في القلب واللسان والجوارح. وبهذا يتحقق تقوى الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره وترك نواهيه. وتسمى كذلك العروة الوثقى، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فسميت عروة وثقى، كالعروة وهو الشيء العظيم الذي يستمسك به، فيكون به توثقة صاحبها. فكذلك كلمة التوحيد إذا أدى قائلها حقيقة معناها وما دل عليه لفظها، فقد استمسك بما لا يكون له الضلال ولا كذلك السوء والمكروه في الدنيا، وكذلك في الآخرة. وكذلك تسمى هذه الكلمة بالفارقة، لأنها تفرق بين أهل الكفر والشرك والنفاق، وأهل الإيمان والإسلام والطاعة. وهكذا كذلك تسمى بكلمة الله، لأنها الكلمة التي يتحقق بها حق الله. وغير ذلك من المسميات، وسيأتي ذكر بعضها. وقوله رحمه الله تعالى: «وهي كلمة التقوى»، يعني كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. والمراد بكلمة التقوى التوحيد، كلمة التوحيد لا إله إلا الله. وكذلك العروة الوثقى كما تقدم في الآية السابقة. وقوله: «وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه لعلهم يرجعون»، يعني فيما ذكر الله في سورة الزخرف: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فالكلمة الباقية في عقبه هي كلمة التوحيد: «إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني»، أي لا إله إلا الله، نفي وإثبات. وكذلك في هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يدع قومه إلى كلمة لم يعلم معناها، بل كلمة تقتضي منهم مخالفة ما هم عليه من عوائد وعقائد وعبادات ومعاملات تنافي هذه الكلمة. وقوله: «وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها»، لأن هذا حال الكثير من الناس في زمن المؤلف رحمه الله. وما دلت عليها دلت الكتاب والسنة، إنما تدل على أن المطلوب هو العمل بمقتضى هذه الكلمة، وإلا كان من السهل على جميع المشركين ممن دعتهم رسلهم من الأمم السابقة أن يقولوا هذه الكلمة. ولكن علموا أن المراد هو العمل بمقتضى هذه الكلمة. ولهذا حصل الصراع بين أهل الحق والباطل. ولهذا عودي من عودي من الرسل، بل وقتل من قتل من الرسل عليهم الصلاة والسلام. فكون الله عز وجل يبعث أنبياءه ورسله بهذه الكلمة، وبعد ذلك يقع ما يقع، دل على أن المطلوب المقصود ليس هو مجرد القول باللسان. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهذا النفي والإثبات المطلوب منه عمل، ليس قول باللسان فقط. فاعبدوا الله أي وحدوه، واجتنبوا الطاغوت أي اتركوا الشرك. من عبادة الأصنام والأحجار والأشجار والأنبياء والملائكة، وغير ذلك مما يعبد مع الله ومن دون الله. وهكذا قول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. كذلك نفي وإثبات، المقصود إثبات توحيد الله مع نفي العبادة عما سوى الله، فلا يعبد إلا الله عز وجل وحده. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُونِ﴾. يفهم منه بما لا يخفى على كل عاقل أن المقصود إخلاص التوجه لله عز وجل بتوحيده وعبادته وطاعته. فالتقوى لزوم طاعة الله واجتناب معصيته سبحانه وتعالى وحده جل وعلا. وأكد ذلك بقوله: «إلا أنا فاتقون»، فيدخل في ذلك التوحيد والعبادة، وكل طاعة أمر الله عز وجل بها، وكل معصية نهى الله عز وجل عنها. فإذا كلمة التوحيد لا تقف على مجرد قولها باللسان. ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قومه إلى التوحيد، فقال: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، علم قومه قد علموا أنه دعاهم إلى عمل يستلزم ترك ما هم عليه من الشرك. عبادة الأصنام التي كسرها النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة في عام الفتح، أكثر من ثلاثمائة وستين صنمًا. ولو كان المقصود مجرد كلمة لسهل عليهم وقالوها. لكن علموا أن المقصود هو عمل. وهكذا كذلك علموا أن هذه الكلمة تقتضي طاعة الله عز وجل في مشرع وأمر، واجتناب ما نهى عنه سبحانه وتعالى وزجر. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه وهو يحتضر: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، علم العم كما علم ذلك المشركون أن أنها ليست كلمة مجردة باللسان، بل تستلزم العمل. ولهذا قال له من كان معه في مجلسه من المشركين: «أتذروا أو أتدع ملة عبد المطلب؟» أي أباك، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم. فكان آخر ما قال: «إنه على ملة عبد المطلب». إذن ما هي ملة عبد المطلب؟ هل عدم قول لا إله إلا الله باللسان؟ لا، ولكن معناها ما هم عليه من دين في عقائدهم وفي عباداتهم وفي عوائدهم وأخلاقهم. وفي تحليلهم وتحريمهم وفي كل شيء هم عليه، حتى اللباس والزي. علموا أن الإسلام يأمر أهله بشيء يختلف عليه حال الناس، يختلف عليه حال الناس. فإذن لا إله إلا الله لا تقف على مجرد قولها، بل هي حقيقة دين الإسلام، قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال رحمه الله: «فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون». لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. يعني أسفل من الكفار، هذا هو قوله: «تحت الكفار»، مع أن المنافقين يقولون لا إله إلا الله. ولهذا لما أراد بعض الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعض المنافقين لما كان من خيانتهم وفتنتهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه»، يعني لكون الناس لا يعلمون أن هؤلاء من أهل النفاق، فهم أظهروا الإسلام وأظهروا كلمة التوحيد. بل كما قال المؤلف: «يصلون ويتصدقون»، بل ويجاهدون كما أخبر الله عز وجل عنهم في سورة براءة سورة التوبة. فمنهم من خرج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فهم من أهل النفاق في الدرك الأسفل من النار. إذن ليس كل من قال لا إله إلا الله انتفع بها. ولكن الذي ينتفع بها هو من عمل بمقتضاها، بأن فعل المأمور وترك المحظور. وأعظم محظور الشرك بالله، وأعظم مأمور توحيد الله. فإن من المحظورات ما تبطل هذه الكلمة كالشرك والردة والنفاق والكفر. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. مع أن المنافقين ماذا عندهم؟ أعمال صالحة كثيرة فيما يظهر، لكنها حبطت بسبب النفاق. وهكذا قول كلمة الكفر بعد الإسلام، وهي الردة. قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه». وقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر من هؤلاء الثلاث من ارتد بعد إسلامه. وهكذا منها ما ينقص هذا التوحيد وفضله وثوابه، بما يكون مما ينافي هذه الكلمة، فهو وإن كان لا يبطلها، لكنه ينقصها، مثل البدع والمعاصي. فالبدع والمعاصي تضر بالتوحيد، ولهذا يخاف على صاحب البدعة والمعصية مع قوله لا إله إلا الله. لأن لا إله إلا الله تستلزم عملًا، ومن تمام العمل فعل السنة وفعل الطاعة. وتستلزم تركًا، ومن الترك ترك البدع والمعاصي. فمن فعل البدع والمعاصي، أو لم يمتثل السنة والطاعة، فإننا نخاف على صاحبه. ولهذا كان المخالفون لمقتضى كلمة التوحيد يتفاوتون. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. فالناس تفاوتوا في الأمن والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة، بقدر تفاوتهم في تحقيق معنى هذه الكلمة التي تقال باللسان، في قلوبهم وفي جوارحهم بأعمالهم. فكلما كمل تحقيق العمل بهذه الكلمة، كمل الأمن والاهتداء، بكمال التوحيد والعبادة، ولزوم السنة والطاعة، وترك الشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية. وكلما وجد شيء مما ينافي هذه الكلمة، من نقصان العمل أو اقتحام المنهي عنه نقص الأمن والاهتداء، حتى يذهب بالكلية إذا وقع الشرك أو الكفر أو النفاق. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. طيب نقف لهنا إن شاء الله، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.