الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينفي النبي صلى الله عليه وسلم العدوى والطيرة، ويصحح مفاهيم الجاهلية ويبين أهمية التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.
يشرح المقطع مفهوم الطيرة والتشاؤم في الإسلام، ويبين أن التشاؤم هو اعتقاد فاسد لا أساس له ويحذر من الشرك.
يشرح النبي صلى الله عليه وسلم نفي التشاؤم ويبين شروط التوكل الصحيح على الله، ويبين أهمية الحديث الشريف في ذلك.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين. الحديث العاشر، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا محمد بن الحكم، قال: حدثنا النظر، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وزاد مسلم في رواية عنه: «لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر». وزاد أيضا في رواية عن جابر رضي الله عنه: «لا عدوى ولا طيرة ولا غول». الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، لما فيها كذلك من مسائل عدة فيما يتعلق بالعقيدة. ففيها نفي هذه الأمور المذكورة، وذلك سدا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد. فقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا عدوى»، أي: لا شيء يعدي بأصله على اعتقاد الجاهلية. وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون أن الأشياء تُعدي بأصلها. فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصحح هذا المعنى، فقال: «لا عدوى». وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعدي شيءٌ شيئًا». فقام رجل وذكر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإبل وما يصيبها من الجرب، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فمن أجرب الأول؟» فسكت الرجل. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ذلك: «خلق الله كل نفس، وكتب رزقها ومصابها وأجلها». خلق الله كل نفس، وكتب رزقها ومصابها وأجلها. فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا شيء يعدي بذاته وأصله، بل إن الله جل وعلا إذا شاء جعل السبب سببا، وإذا شاء فإنه قادر على أن يمنع الشيء مع وجود السبب، أن يمنع الشيء مع وجود السبب. فالأمر لله جميعا. ولا يعني ذلك عدم الأخذ بالأسباب في الامتناع مما يكون سببا للعدوى، فإن ذلك قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا يوردن ممرض على مصح». لا يوردن ممرض على مصح. فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل المريض على الصحيح لأجل هذا المعنى. بل كان أبو هريرة رضي الله عنه في رواية مسلم يحدث بالحديثين جميعا، فكان يحدث بحديث «لا عدوى» ويحدث بحديث «لا يوردن ممرض على مصح»، حتى قال بعضهم: فلا ندري أنسخ أحدهم الآخر أم أنه كان شيئا آخر. والحقيقة أنه لا تعارض بين الحديثين. فإن الحديث الأول المراد منه منع هذا المفهوم الخاطئ الذي كان يعتقد أهل الجاهلية، وكذلك إثبات معنى التوكل على حقيقته الذي يكون حقيقته بتعليق الأمر بالله جل وعلا. فالمتوكل بحق لا يضره إقبال الأسباب وإدبارها، لأن قلبه متعلق بالله جل وعلا. وهكذا كذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ولا طيرة»، أي: ولا تشاؤم بالطيور وغيرها. والطيرة هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. مثال المسموع: أصوات الكلاب والغراب وغيرها. وهكذا المرئي: التشاؤم من رؤية الكلب أو رؤية الحمار أو رؤية كذلك الأعور أو الأعرج في أول الصباح. وهكذا التشاؤم بالمعلوم: أي الأشياء التي لا ترى ولا تسمع، التشاؤم من بعض الأيام كيوم الأربعاء أو من بعض الشهور كشهر صفر أو من بعض السنين كالسنة الكبيسة وغيرها مما يتشاءم منه الناس. فبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا طيرة، لا وجود للطيرة. قال ابن القيم رحمه الله: والنفي أبلغ من النهي. النفي أبلغ من النهي. وكونه نفى بهذا الحديث يعني أنه لا حقيقة لوجودها، فضلا عن أن ينهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. فالشيء غير الموجود كيف يكون له أثر على الناس وهو ليس موجودا؟ ولهذا جاء في مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن رجلا أنه قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون. قال: «ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». أي: لا يمنعكم من العمل. إنما هو شيء يجده الإنسان في النفس فقط، فهي أوهام وساوس تقع في نفوس الناس، وعقائد فاسدة ورثها الأبناء عن الآباء، ولكنها ليس لها وجود في الواقع. ليس لها وجود في الواقع. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا يصدنكم» أي: لا يصدنكم عن العمل. ولهذا جاء عن عبد الله بن عباس وغيره أنه قال: «من صدته الطيرة عن العمل فقد أشرك»، روي موقوفا ومرفوعا، وصحح أكثر أهل العلم الموقوف. ومعناه أن الإنسان إذا صار يمتنع عن العمل، عن الإقدام إذا جاء شهر صفر لا يريد الزواج، ما يمكن أن يتزوج لو وافق الزواج في شهر صفر، لو تنطبق السماء على الأرض ما يمكن أن يتزوج في شهر صفر. ليش؟ لأنه متشائم من شهر صفر. هذا من الشرك، إما من الشرك الأكبر إذا ظن أن هذا يضر بذاته، أو من الشرك الأصغر إذا جعله سببا للضرر ولم يجعله الله عز وجل سببا. لهذا جاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». هكذا يقول عبد الله بن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا المقام أنه لا ينافي هذا النهي الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ما قد جاء في الصحيح من حديث سهل، عبد الله بن عمر، وجماعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاثة: المرأة، والمسكن، والدابة». وبراوية: «والخير». فهذا الحديث الصحيح أنه لا يعارض ما جاء في النهي عن الطيرة. بل إن هذا الحديث فسر بتفسيرين. فسره العلماء بتفسيرين: التفسير الأول أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد بهذا الحديث أن يبين أنه إن كان هناك سبب يدخل عليكم هذه الطيرة وهذا الشؤم الذي لا وجود له بالواقع، فأكثر ما يكون في هذه الثلاثة. أي: فأحسنوا اختيارها. فأحسنوا اختيارها. هذا المعنى. وجاء عند أحمد وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس». قال: «وأما شؤم المرأة ففي عسر نكاحها، وكذلك شدة مهرها، وسوء خلقها». قال: «وأما اليمن في الدار ففي سعتها وحسن جارها». وأما شؤم فيها ففي ضيقها وسوء جارها. وأما شؤم الفرس أو قال: وأما اليمن في الفرس ففي سهولتها وعدم استعسارها. ثم ذكر الشؤم كذلك بالضد. فبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الحديث أن المراد بهذا الشؤم الذي يكون بثلاثة أن المراد منه أن الإنسان يحسن الاختيار فيها. والتفسير الثاني لهذا الحديث أنه إنما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقطع مادة الشرك، وكذلك المعنى الفاسد الذي كان عند أهل الجاهلية بأن يترك الإنسان كلما يوقع هذا المعنى الفاسد في قلبه بإحسان الاختيار وقطع مادة هذا الأمر. فجاء عند أبي داود أن رجلا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن يا رسول الله، كنا بدال كثير عيالنا، وإن دخلنا بدار فكان فيها كذا وكذا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرج منها». وهذا الأمر ليس لأن الشؤم فيها، ولكن حفاظا على توحيد هذا الرجل، وأن لا ينخذ اشتوحيده بهذا الاعتقاد الفاسد الذي قد يدخل عليه بسبب سوء اختياره للدار. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كذب على أبي القاسم من زعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدث بذلك». يعني أن الشؤم في ثلاثة. تريد بذلك كذب أي: إن أراد ذلك من الشؤم. وقالت: «وإنما ذلكم كان عند أهل الجاهلية يرون أن الشؤم في المرأة والدار والدابة». والله عز وجل يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فبينت رضي الله عنها وأرضاها أن المراد بذلك تعليق القلب بالله وقطع مادة الشرك التي كانت عند أهل الجاهلية. فإذن فسر هذا الحديث بهذين التفسيرين: الأول: حسن للاختيار. والثاني: قطع مادة الشرك، قطع مادة الشرك والسبب الذي يوقع في هذا المعنى. وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا هامة»، أي: ولا شيء من الهوام يكون سببا لجلب الشر كما كان يظن أهل الجاهلية إذا سمعوا صوت البوم أو نباح الكلاب فإنهم يتشاءمون من ذلك. فإنه لا ينبغي أن يعلق الخير والشر بصوت الهوام والدواب الطيور أو غيرها، بل إن الأمر لله عز وجل. لا بصوت الطير يأتي الخير، ولا بصوت غيره يأتي الشر. ولما خرج رجل مع عبد الله بن عباس أو أراد أن يخرج في سفر، فسمع صوت غراب فقال: «خير، خير». فقال: «أي خير أو شر عند هذا الغراب؟» أي: خير أو شر عند هذا الغراب؟ يعني: لا وجود لخير ولا وجود لشر عند هذا الغراب، بل الأمر لله عز وجل. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقطع هذه المادة التي لا وجود لها في الواقع. وهكذا «ولا صفر»، أي: ولا اعتقاد في صفر. ففسر صفر بأنه الشهر الذي كان يتشاءم منه أهل الجاهلية، حتى قيل: إنه سمي كذلك لأن البيوت كانت تصفر عن أهلها، يعني: تخلو. الناس يخرجون يخافون. وقيل: إن المراد بصفر داء الصفار الذي يصيب كثيرا من الناس، فكانوا يظنون أن من أصيب به فلابد له من الموت. وليس الأمر كذلك. فبين النبي عليه الصلاة والسلام نفي ذلك على ما سبق. وهكذا قوله: «ولا نوء»، أي: ولا اعتقاد بالأنواء على ما كان يعتقد أهل الجاهلية. فكانوا يعتقدون بالأنواء أنها تنفع وتضر بذاتها، وأنها تجلب الخير، وكذلك تدفع الشر. والأمر ليس كذلك. ولهذا جاء من حديث أبي مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، وذكر منها: «الاستسقاء بالنجوم». وهكذا حديث زيد بن خالد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح اليوم مؤمن بي وكافر». أي: أن الله جل وعلا قال: قال. فأما من قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. الحديث. وإنما جعل الله عز وجل النجوم على ما تهتدى بها، وزينة كذلك في السماء، ومواقيت يعرف بها الأشياء. والرابع أو السادس والأخير قوله: «ولا غول»، أي: ولا اعتقاد بالغيلان. والغول: كان شيئا يتحدث به أهل الجاهلية، يظنون أنه نوع من الجن يتشكل بصورة الوحوش، يقيف الناس في أسفارهم، أو أنه أحيانا يتيههم كذلك في أسفارهم. ولا زال هذا الأسف إلى اليوم، يقول بعض الناس: يسمونه المغوي، يسمونه المغوي. أي: أنه يخرج على الناس في الليل أو في النهار فيغويهم، يضيعهم عن الطريق. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا وجود لذلك. لا وجود لذلك. إنما هي من الأوهام والوساوس التي تعلق بقلوب الناس. فنفى النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمور الستة حماية لحمى التوحيد، وسدا لذريعة الشرك، وليحصل التوكل التام على الله جل وعلا. ولا يحصل التوكل إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. فإنه لا يصح توكل ممن أشرك بالله جل وعلا. فمن تعلق قلبه بغير الله، ما يمكن أن يقع منه توكل. كيف يمكن إنسان يأتي إلى قبر ويطلب منه أن يشفي مريضة ويدفع عنه سوء المكروه، ثم بعد ذلك يدعي أنه متوكل على الله؟ هذا كاذب. لأنه لو كان متوكل على الله ما التجأ إلى غير الله. فهو لما لم يعرف الله عز وجل ولم يقدره حق قدره، حصل منه هذا الأمر، فلم يصح منه التوكل. كذلك لا يصح التوكل إلا بأن يكون هذا المتوكل قد عمل بالأسباب. فإن التوكل لابد له من العمل بالأسباب. فكما أنك تتوكل على الله عز وجل، تعلق قلبك به، فكذلك لابد أن تعمل بالأسباب. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما سافر إلا واتخذ الزاد والراحلة، ولا قاتل إلا وعد العدة. بل أمر الله جل وعلا نبيه والمؤمنين جميعا بأن يفعلوا ذلك. وهكذا كذلك الشرط الثالث: أن لا يعتمد على السبب، بل يعتمد على المسبب، أي: الله جل وعلا. فكما أنه يتخذ السبب، لابد أن يعتمد على الله. وضابط ذلك: أن هذا الإنسان الذي لا يعتمد على السبب بل يعتمد على الله، لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. وهذا هو الشاهد لهذا الحديث. فإن الحديث إنما المراد منه أن يبين هذا الشرط الثالث من شروط التوكل، وهو أن الاعتماد يكون على الله المسبب، لا على الأسباب. فلذلك فالمؤمن بحق، المتوكل على الله جل وعلا بصدق، لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. كإبراه، عليه الصلاة والسلام، ألقي في النار، فلم يبالي. بل قال: «حسبي الله ونعم الوكيل». فاجعلها الله عز وجل بردا وسلاما. وموسى عليه الصلاة والسلام وقف، حين أدركه فرعون وملأه، وموسى وقومه عند اليم. فقال أصحاب موسى: «إنا لمدركون». فقال موسى: «كلا، إن معي ربي سيهدين». ففلق الله عز وجل له البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم. فكان هذا صحة تعلق العبد بالله عز وجل. وهكذا كذلك قول ذلك المؤمن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. فحقيقة المتوكل هو الذي يفوض أمره إلى الله، لا يبالي بإقبال الأسباب وإدبارها. هذا هو المتوكل على الله حق توكله. فإذا هذا الحديث حديث عظيم، ينبغي الاعتناء به وحفظه، لما فيه من هذه المعالي. فنكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.