الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرحًا لأخلاق العلماء في الفتيا وطلب العلم، مشددًا على أهمية قول "لا أدري" عند الجهل وتجنب الإجابة على المسائل الخلافية المثيرة للفتنة. يشدد على ضرورة الرجوع عن الخطأ عند تبينه وتجنب التكلف في الفتيا.
يبرز أهمية التعامل بحذر مع المسائل الخلافية وتجنب مخالطة أهل البدع والأهواء ومجادلتهم، مع التحذير من الانخداع بإجازات العلماء دون فهم حقيقي للعلم.
ينصح بعدم إعطاء العلم لكل أحد وتجنب حضور الدورات العلمية غير المناسبة، خاصة لمن ليس لديهم خلفية علمية كافية، مع التحذير من استخدام العلم في غير موضعه الصحيح.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى في كتابه «أخلاق العلماء»: «وأما ما يستعمل مع من يسأله عن العلم والفتيا، فإن من صفته إذا سأله سائل عن مسألة، فإن كان عنده علم أجاب. وقد جعل أصله أن الجواب من كتاب وسنة وإجماع؛ لأن هذه الأدلة إما كتاب أو سنة أو إجماع، ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾. وإنما أنزل إلينا ربنا الكتاب والسنة والإجماع. قوله سبحانه: ﴿من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾، والشاهد: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾، فاتباع سبيل المؤمنين مما أمر الله عز وجل به. قال: «فإذا وردت عليه مسألة قد اختلف فيها أهل العلم، اجتهد فيها، فما كان أشبه بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخرج به من قول الصحابة وقول الفقهاء بعدهم، قال به. إذا كان موافقًا لقول بعض الصحابة وقول بعض أئمة المسلمين، قال به». وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي له أن يقول بقول لم يسبق إليه، ما دام أن المسألة ليست نازلة ولا حادثة، بخلاف النوازل والحوادث، وذلك حتى لا يأتي بشذوذ الأقوال أو شاذ الآراء. ولهذا يقول العلماء: «لا ينبغي لأحد أن يقول قولًا ليس له فيه سلف». وهذا يحمل إذا كان في غير النوازل، أما نوازل المسائل فهي بحسبها، يجتهد الإنسان بما يقربه إلى الله، النظر إلى الكتاب والسنة والإجماع وفتاوى علماء الأمة. قال رحمه الله: «إن كان قد رآه مما يخالف به قول الصحابة وقول فقهاء المسلمين، حتى يخرج عن قولهم، لم يقل به؛ لأنه سيكون على طريقة شاذة، قال: واتهم رأيه؛ فرأي غيرهم خير من رأيه». ولهذا كان بعض العلماء والأئمة كالإمام أحمد رحمه الله يقول في المسألة: إذا لم يجد فيها دليلًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صحابي، يقول: «أرتضي قول الإمام الشافعي لي قولًا». والشافعي شيخ الإمام أحمد رحمه الله، والمعنى: أرتضي قول من هو أعلم مني من قولي، ما دام المسألة رأيًا واجتهادًا، فيقدم رأي من هو أعلم منه. هذا إذا لم يظهر له أن رأي من هو أعلم منه خلاف الصواب. وأما إذا ظهر له أنه خلاف الصواب، فيأخذ بقول من يظن أن قوله هو الصواب، ولو لم يكن هو شيخه. وكان شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: «إذا نزلت بي مسألة ولم يظهر لي فيها شيء، فإني أرتضي قول شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله لي قولًا». والمعنى: أن بعض المسائل قد يحصل فيها خفاء، فإذا لم يظهر للعالم شيء، ليس من التقليد أن يأخذ بقول من هو أعلم منه، ويحيل لفتوى من هو أعلم منه. ولا بأس أن تقول: «أنا لم يظهر لي في المسألة شيء، لكن أفتى فيها الشيخ فلان بكذا وكذا، ويرى الشيخ فلان كذا وكذا». فلا بأس أن تنقل هذا، وهذا ليس من التقليد، بل هذا من نقل العلم، وهذا من نقل العلم والناس تحتاج إلى فتيا. فإذا لم يظهر لك شيء -كما قال- فإنك لا تقول بشيء؛ لأنك لا يجوز لك أن تقول إلا بما علمت أنه يقين هو الصواب. وما لم يكن كذلك، فتحيل إلى من أفتى بذلك ممن تثق في علمه وديانته. قال رحمه الله: «ووجب عليه أن يسأل من هو أعلم منه أو مثله». وهذه الشورى والتشاور الذي أمر الله عز وجل به. إذا كان الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فكيف بمن دون النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالمشورة تزيد الرجل في رجولته وصوابه ورأيه. ولهذا في الناس مع الشورى أمن، يذكر المقولة الشعبي: «إن من الناس رجلًا ونصف رجل». نعم، هكذا، نعم، ولا يشاور، نعم، نعم. يعني كما قيل: الناس ثلاثة: رجل ونصف رجل وليس برجل. فأما الرجل فالذي أعطي رأيًا ومع ذلك لا يحب أن يقضي برأيه حتى يسأل غيره ويستشير غيره، فهذا رجل كامل في رجولته، عنده رأي وصواب، ولكن مع ذلك لا يحب أن يفصل في شيء حتى يستشير غيره، فهذا رجولته كاملة. وليس من نقص رجولته أن يسأل. وأما نصف الرجل فهو الذي عنده رأيه ولكنه لا يحب أن يشاور أحدًا، هذا قد يخطول أو لا يخطئ، قد يخطئ، بخلاف الذي عنده رأيه ويستشير، حتى لو أخطأ راجعه غيره، فربما استفاد من مراجعة غيره. وأما الذي ليس برجل فهذا الذي هو محروم، ما عنده رأيه موقوف، ومع ذلك يستبد برأيه، لا يحب أن يشاور أحدًا، هذا مثل فرعون: «ما أريكم إلا ما أرى». ومع ذلك أين وداهم؟ حطهم في البحر: «ما أريكم إلا ما أرى». وفي النهاية هو وأصحابه في البحر، هذا هو. قال رحمه الله تعالى: «حتى ينكشف له الحق، ويسأل مولاه أن يوفقه لإصابة الخير والحق». هذا حال من هو حريص على أن يصل إلى الصواب، متدينًا لله عز وجل، ليس عنده استعجال في الفتيا. إن كان عنده علم أفتى، إن لم يكن عنده علم بحث في كلام أهل العلم، وإن لم يجد -لا هذا ولا ذاك- شاور من هو أعلم منه أو مثله. فيقول مثلًا: «وردت علي مسألة، أفيدوني في هذه المسألة، ماذا ترون؟» وهكذا. فإن كشف له الحق أفتى به، فإن لم ينكشف سأل الله عز وجل الصواب. فإن فتح الله عز وجل عليه، وإلا فينتقل إلى الأخير، وهو يقول: «لا أدري، لا أعلم». كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «إنما العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». ورُوي عن عمرو بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول: «إن من العلم أن يقول المرء لما لا يعلم: الله أعلم». هذا من العلم. إن علمت شيء أفتيت به، وإن لم تعلم، فإنك تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال رحمه الله: «وإذا سئل عن علم لا يعلمه، لم يستحي أن يقول: الله أعلم». ورُوي أن رجلًا جاء من سفر إلى الإمام مالك رحمه الله، فسأله أربعين مسألة، وكلما سأله مسألة قال: «لا أدري». كلما سأله مسألة قال: «لا أدري». فلما انتهى من الأربعين، قال: «ماذا أرجع إلى قومي؟» قال: «قل لهم: قال الإمام مالك: لا أدري». قال: «في كل الأربعين؟» قال: «في كل الأربعين». يعني ما يستحي، لماذا؟ لأنه لا يدري، وهو الإمام مالك رحمه الله، سئل أربعين مسألة، فما ظهر له شيء في واحد من هذه المسائل الأربعين، حتى أن الرجل استكثر هذا. كيف الإمام مالك لا يجيب ولا واحدة من هذه الأربعين؟ فسأل هذا السؤال: «ماذا أرجع؟» فقال: «قل لهم: قال الإمام مالك: لا أدري». قال: «في كل الأربعين؟» قال: «نعم، قل لهم: في كل الأربعين». ما يستحي. فلا يستحي حامل العلم إذا لم يجيب فيما لا يدري ولا يعلم؛ لأن من العلم أن يقول المرء: «لماذا لا يعلم؟ ماذا؟ الله أعلم». هذا من العلم، كما روي عن ابن عمر -كما تقدم-: «إنما العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». قال رحمه الله تعالى: «وإذا سئل عن مسألة، فعلم أنها من مسائل الشغب، ومما يورث بين المسلمين الفتنة، استعفى منها». وهذا الاستعفاء قد يكون بأن يعتذر، يقول: «اعفني من هذا السؤال، أو أتني بسؤال آخر يصرفه». وقد يكون الاستعفاء -كما قلنا- بأسلوب الحكيم، أن تجيب بما هو أفضل للسائل من السؤال، أن تجيب بما هو أفضل للسائل من السؤال. وما أكثر هذه الأسئلة التي يراد منها الفتنة. من هذه الأسئلة من تجنبها. ليس كل ما يرد عليك تقرأه. وهكذا الذي يعرض الأسئلة على أهل العلم، ينبغي أن يكون حكيمًا. ليس كل ما يرد من الأسئلة ترفع، بعض هذه الأسئلة تجنب وتؤخر وتبعد؛ لأنها سبب للفتنة. وليس المقصود الجواب، ولكن المقصود هو الفتنة أو الاستدراج إلى فتنة. وإذا وقع، وأن سأل مشاغب، ربما يقوم بعض الناس والسفهاء والمشاغبون وأهل الفتن، وسط المسجد، يقول: «ما تقول في كذا وكذا؟» فأنت بين أمرين: إما أن تقول: «اعفني من هذا السؤال، اسأل غيري، أعطني سؤالًا أهم من هذا وأفضل من هذا». أو تجيب بما تقدم من أسلوب الحكيم، هو يسأل عن شيء، فتجيبه بشيء أفضل منه. يسألونك ماذا ينفقون؟ كان الجواب: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. يعني لم يقل: «أنفق ذهبًا أو فضة»، لكن جاء الجواب فيمن يقدم في النفقة. قال رحمه الله تعالى: «ورد السائل إلى ما هو أولى به، على أرفق ما يكون». وهذه مهمة جدًا، على أرفق ما يكون. فلا ترد الخطأ بالخطأ. ما تقول: «ما أراك إلا صاحب فتنة، لا أنت بهذا بثير فتنة». لكن بأرفق ما يكون تدفع الفتنة والشر. قال: «وإن أفتى بمسألة، فعلم أنه أخطأ، لم يستنكف أن يرجع عنها». والخطأ لا يسلم منه أحد، لا عالم ولا غير عالم، لا كبير ولا صغير. وهذا حال البشر، هذا حال البشر، فإنه يخطئ ويعلم ويجهل. والمهم هو أن الإنسان إذا تبين له الخطأ يرجع عنه. وإذا لم يتبين يبحث في المسألة ويتأكد حتى يتبين له الخطأ فيرجع عن الخطأ. فليس أحد أكبر من النصح. فكل أحد يحتاج إلى النصيحة، ويحتاج إلى التصويب، ولكن بالعدل والأدب الذي أمر الله عز وجل به. قال: «﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾». حتى لو جاك هذا الحق من عدو، فأنت تقبله. لما أخبر اليهود أن النبي صلى الله عليه وسلم «بقول الصحابة بعض الصحابة فيما يقولون: ما شاء الله وشئت». أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر على أصحابه ونهاهم أن يقولوا هذا القول. وإن كانت النصيحة جاءت من من؟ من يهودي. جاءت النصيحة من يهودي، ومع ذلك قبلها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بأن يأخذوها. ولما جاء الشيطان في صورة إنسان يسرق الصدقة، فقبض عليها أبو هريرة رضي الله عنه، وفكه بثلاث مرات. ففي آخر مرة قال: «لا أعلمك شيء». الحديث. فعلمه آية الكرسي، أرشده إلى آية الكرسي. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «صدقك وهو كذوب». صدقك وهو كذوب، وهو إبليس. ومع ذلك جاء الحق، فقبل الحق. فالحق يقبل من أي أحد، ممن هو أعلم منك أو مثلك أو دونك. بل حتى من عدوك، إذا جاء الحق من عدوك، فلا مانع أن تقول: «أما هذه فقد أصبت فيها، وأخطأت، وأما غيرها فقد ظلمتني، ولا تقر على هذا الظلم». هذا هو العدل الذي أمر الله عز وجل به. قال رحمه الله تعالى: «وحمده على ذلك وجزاه خيرًا». وهذا هو كذلك الأدب، أن الإنسان يشكر من لم يشكر الناس لم يشكر الله. قال رحمه الله: «وإن عجز عن مسألة اشتبه القول عليه فيها، قال: سلوا غيري». ولم يتكلف ما لا يتقرر عليه. يحذر من المسائل المحدثات في البدع، يعني لا يخوض في شيء لم يظهر له حجة فيه، فيتأنى. ويكون تأنيه بالتوقف، أسهل عليه من الفتيا، ما عدم اليقين. وفي الحديث: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة». أما القاضيان في النار: فالذي علم بالحق وقضى بخلافه، فهو في النار. وأما الثاني: فالذي لم يعلم الحق فقضى بالحق، ولم يوافقه بعلم، وافقه كما يقال: رميه من غير رامي. ومع ذلك ولو وافق الحق، فهو في النار؛ لأنه قضى بغير علم. وأما الثالث: الذي علم بالحق وقضى به، فهذا هو الذي في الجنة. فإذن كذلك الفتيا. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم النافع الماتع «أعلام الموقعين عن رب العالمين» هذا الحديث، وذكر أن العالم مثل القاضي. فالعلماء مثل القضاء، هم ثلاثة في الفتيا، فاثنان في النار، وواحد في الجنة. فمن أفتى بغير علم، أو أفتى بخلاف ما علم من العلم، فهؤلاء -أو هذان الاثنان- في النار. وأما من أفتى بعلم وهو يعلمه، فهذا هو الذي في الجنة. قال رحمه الله: «يحذر من المسائل المحدثات في البدع، لا يصغي أهلها بسمعه، ولا يرضى بمجالسة أهل البدع، ولا يماريهم». أما يحذر مسائلهم، فهذا واضح، يعني يحذر من أن يقع فيها. وهذا يقتضي أن يعلم الحق حتى يحذر الباطل. وأما لا يصغي أهلها، يعني لا يجعلهم من جلسائه، ولا ممن يلقي عليه الكلام أولًا؛ لأجل أن لا يلمعوا. لأن بعض هؤلاء يستكثر بك، وأنت لا تدري، يقولون: «جلسنا عن فلان، وما أنكر علينا، كنا مع فلان ولم ينكر علينا». يستكثرون بك، فأنت تلمع الباطل بإقرار جلوس هؤلاء والسماع منهم أو الجلوس عندهم. ولهذا ليس من المنع في مجالسة أهل البدع والأهواء فقط خطورة دخول البدع عليك، بل كذلك خطورة دخول البدع على ماذا؟ على غيرك؛ لأنك إن أمنت الفتنة والبدعة، فإنك لا تأمن أن تلمع هذا المبتدع عند غيرك. فغيرك ممن ليس عنده علم وتمييز، قد يقول: «مادام فلان يحضر عند فلان، إذن أنا سأحضر، لماذا لا أحضر؟» أنت تقول: «أنا أستطيع ميز، طيب، وغيرك الجاهل كيف يميز؟ كيف يميز؟» فلا تحضر. ولهذا كان السلف ينهون عن مجالسة أهل الأهواء، حتى في القرآن، حتى في القرآن. جاء رجل إلى ابن سيرين وقال: «أقرأ عليك آية». قال: «ولا آية». قال: «آية». قال: «ولا آية». يعني حتى آية واحدة لا تقرأها علي، ولا أقرأ عليك. لماذا؟ هل القرآن فيه شيء؟ هل فيه قرآن شيء من البدع؟ لا، ليس فيه. لكن كون فلان قرأ على هذا الإمام، هذا سيكون سببًا لتلميع القارئ، ويغتر الناس بذلك. ولذلك يقال لبعض الناس: يقول: «أنا أريد أن آخذ إجازة من الشيخ الفلاني». وهذا الشيخ معروف عنه البدعة. كيف تأخذ منه الإجازة؟ تأتي ويقول لك: «خذ من ثور واحذر قرنيه». نعم، خذ من ثور واحذر قرنيه. إذا كان قرني الثور ما سيضر غيرك، أما إذا كان سيضر غيرك، فلا. لا يكفي أن تحذر أنت قرني الثور، ولكن كذلك تسلم أن لا يضر هذا الثور غيرك؛ لأنك لو حضرت سيقولون: «فلان حضر، إذن نذهب كذلك نقرأ». وكم من الناس ضلوا بسبب مجالسة بعض مشايخ السوء ودعاة السوء ومخالطتهم. وربما كان مفتاح الدخول على هؤلاء تساهل بعض أهل الحق في التعامل معهم. فإذن حمية للمجتمع أن لا يخالط أهل البدع والأهواء، ولا يسمع منهم، ولا يمكنون. ولا يرضى بمجالسة أهل البدع، كذلك لا يرضى بالمجالسة حتى ولو كان في غير العلم، حتى ولو كان في غير العلم. لماذا؟ لأجل أن لا تضر غيرك، ولا تضر نفسك كذلك. فالقلوب ضعيفة، والشباب الطائش، فإن أمنت على نفسك، فلا تأمن على غيرك؛ لأنه قد يضر غيره. ولا يماريهم، تقدم معنا: المراء هو الجدال بالباطل، الجدال بالباطل. يعني حتى لو كان المراء ليس منك منه، فأنت لا تجادله، فأنت لا تجادله، ما دام أنه -لكن لم يقل- ولا تجادلهم؛ لأن المجادلة بالحق مأذون فيها. ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن. إذن المجادلة بالتي هي أحسن جائزة مع الكافر، فكذلك جائزة مع من؟ مع أهل البدع، إذا أمنت الفتنة. وأما المماراة فلا يجوز، إذا علمت أن هذا الكافر أو ذاك المبتدع لا يريد الجدال بالحق، وإنما يريد المماراة، فلا تعطيه فرصة للمماراة. قال: «أصله الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من التابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين». هذا هو الأصل في العلم. قال: «يأمر بالاتباع وينهى عن الابتداع، ولا يجادل العلماء، ولا يماري السفهاء». لأن مجادلة العلماء هي من الحرمان. أنت تجادل أهل الباطل، ليس تجادل أهل الحق. مجادلة أهل الحق باطل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدل بين أهل الحق باطل. والجدل مع أهل الحق ماذا؟ حق، لكن بشروط، لكن بشروط، وهو أن يكون بالحق وبالتي هي ماذا؟ أحسن. أما إذا صار الجدل بين أهل الحق، فهو ماذا؟ فهو باطل؛ لأنه يفتح باب شر وخصومة وعداوة وكراهية. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». وأما المماراة فهي ممنوعة حتى مع أهل الباطل. ولهذا قال: «ولا يماري السفهاء». وفي حديث أبي هريرة كذلك: في العلم المذموم، ودم صاحب العلم الذي يأخذ العلم يجادل العلماء ويماري السفهاء. قال: «همه في تلاوة كلام الله الفهم، وفي سنن الرسول صلى الله عليه وسلم الفقه». فليس الغرض هو التلاوة ولا الألفاظ، وإنما المعاني. ولهذا يخطئ من يحرصون على الإجازات، وكذلك المرور بالقراءة على الكتب، ما عدم فهم ما فيها. ربما دورة فيها عشرين كتاب، تكمل في أسبوع أو خمسة أيام. إيش عقلك من هذا؟ وربما فيها نحو ومواريث وأشياء كثيرة. هذا كان ينكرها مشايخنا. شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كان يشدد في هذا، يقول: «ليس هكذا العلم، ولا علمنا العلم هكذا». عن مشايخنا وعلمائنا: أن العلم يسرع سردًا، فلا يفقه. وهذا فيه ثلاثة مفاسد: المفسدة الأولى: عدم احترام العلم والتأدب معه. لما تمر على العلم بهذا المرور، لم تعطي العلم حقه، سواء قرآن أو سنة أو متون علم. حين تقرأ على شيخك القرآن في يوم واحد، كيف يكون قراءتك للقرآن يوم واحد؟ تقرأ عليه ثلاثين جزء، وطبعًا لن تجلس مع هذا شيخ 24 ساعة، إنما سيتحملك ساعات بينها راحات. يسرع سردًا، ربما بعض الألفاظ ما يستطيع حتى يصحح لك القراءة. إيش المقصود؟ المقصود أنه يعطيك إجازة. هذه تقرأت عليه. ولهذا لما تعب الناس من هذا، أعرف بعض المشايخ يعطي إجازة بدون أن تقرأ عليه القرآن، فقد تأتي إليه تقرأ آياتين، يقول: «خلاص، تعال، يعطيك السند». خد، تفضل. وش تريد بهذه الإجازة؟ هل تريد ما عند الله أو تريد الرياء والسمعة؟ ظاهرها ماذا؟ الرياء والسمعة؛ لأنه لا من جهة اللغض، ولا من جهة التعبد، حصل المقصود بهذه الإجازة. فننتبه لهذا. ونفس الشيء الإجازات في المتون العلمية، وفي كذلك الأحاديث النبوية. والمفسد الثاني: أن هذا كذلك يكون سببًا في حرمان تعلم العلم. هذا الذي يسمع الشيخ من عثيمين درس متنًا في الفقه ثلاثة عشر سنة. وأنا أقرأ هذا المتن في ثلاثة أيام على الشيخ الفلاني. وين يفضل؟ ثلاثة أيام ولا ثلاثة عشر سنة؟ ثلاثة أيام، خلاص، ثلاثة أيام، وعندي إجازة. وأنت يا صاحب ثلاثة عشر سنة ما عندك إجازة. أنا أفضل منك، عندي إجازة في ثلاثة أيام في الكتاب نفسه الذي أنت تدرسه 13 سنة. يصير الثاني يرى نفسه أفضل. إذن زهدوا في العلم. وهذا الذي أخذه في ثلاثة أيام، هل استفاد شيء؟ لو تسأله عن أي كلمة ما عنده شيء، لا علم ولا خبر. وأعظم من هذا هو الثالث: أن يصاب صاحبه بالعجب والغرور والترأس بالجهل. ولهذا رأينا في بعض بلاد الغرب إمام مسجد ما يحسن قراءة الفاتحة، يقول: «أنا عندي إجازة من الشيخ الفلاني». انتبه، أنا عندي إجازة في المصحف. وهو ما يعرف يقرأ الفاتحة. وعنده إجازة في المصحف، ولم يحفظ القرآن. إجازة في السنة، ولم يحفظ حتى الأربعين النووية. وإجازة في المتون العلمية: «أنا حضرت دورة الشيخ فلان، عندي إجازة». وهو الله ما يحسن حتى الأصول الثلاث، ولا القواعد الأربع. لكن عنده إجازة. صحيح عنده إجازة. وهكذا يتمشيخ على المساكين الأعاجم الذين ما يعرفون العربية، يقول: «عندنا الشيخ فلان». من هو الشيخ فلان؟ نمشي، نذهب نصلي معه. ذهبنا نصلي مع الشيخ فلان. وإذا به لا يحسن قراءة الفاتحة. لكن إيش الذي كبر رأسه؟ هذه الإجازات، وهذه الدورات التي حضرها في أسبوع أو عشر أيام وأسبوعين ورجع عند حوق الناس. ما شاء الله، شيخ الإسلام. بعضهم يلبس البشت على طول. خلص، لابس بشت، ويخطب بالناس. نصيبة. فصارت هذه الطريقة تضر أكثر مما تنفع. ولهذا كان بعض مشايخنا يشدد بهذا. حتى شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله، وختى أن من؟ لأنه له بحسن الختام. كان يشدد بهذا. وشيخنا الشيخ عبيد الجابري حفظه الله، وختم لنا وله بحسن الختام، كذلك كان يشدد بهذا. ولا ينصح بحضور مثل هذه الدورات، ما دامت على هذا الوصف، خصوصًا من ليس عنده ملكة. هذا الذي يحضر هذه الدورات بهذه الطريقة لا يستفيد، ويتضرر أكثر مما يستفيد. لكن إنسان عنده شيء من العلم، ويستطيع أن يفهم المقروء، فهذا نعم. أما إنسان ليس عنده ما أخذ أوائل العلوم، فهذا خطأ، يتضرر أكثر مما ينتفع. قال رحمه الله تعالى: «قال: همه بتلاوة كلام الله الفهم، وفي سنن الرسول صلى الله عليه وسلم الفقه؛ لئلا يضيع ما لله عليه، وليعلم كيف يتقرب إلى مولاه، مذكر للغافل، معلم للجاهل، يضع الحكمة عند أهلها». يعني في إعطاء العلم أو منع العلم، فليس من الحكمة أن تعطي العلم كل أحد. لما أعطي الحجاج بن يوسف الثقفي حديث العرانيين، ماذا فعل به؟ طبقه في المسلمين. تعرفون حديث العرانيين، ما هو حديث العرانيين؟ ها يا مهدي، ما هو حديث العرانيين؟ ها، نعم، نعم. حديث أنس في الصحيحين في قتل الراعي وتسميل عينيه وأخذ الإبل، قصة طويلة في الصحيحين، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى أعينهم ويصلبوا ويقتلوا. سأل حجاج بن يوسف الثقفي: ما هي أعظم عقوبة عاقب بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا له: حديث أنس في العرانيين. فقال: «أطبقها في هؤلاء». فصار إعطاء الحجاج هذا العلم إثم. إعطاء الحجاج بن يوسف هذا العلم ماذا؟ إثم؛ لأنه طبقها في المسلمين المظلومين. طبق هذه العقوبة في المسلمين المظلومين. فليس من الحكمة أن تعطي العلم لكل أحد، بل من الحكمة أحيانًا أن تمنع العلم لمن يستخدمه في غير موضعه الصحيح. قال: «ويمنعها من ليس بأهلها». مثله مثل الطبيب يضع الدواء بحيث يعلم أنه ينفع. فهذه صفته، وما يشبه هذه الأخلاق الشريفة. ولهذا قد يسألك السائل فلا تجيبه. لماذا؟ لأن جوابه فتنة له. قال: «إذا كان الله عز وجل قد نشر له الذكر بالعلم في قلوب الخلق، فكلما ازداد علمًا ازداد لله تواضعًا، يطلب الرفعة من الله عز وجل، مع شدة حذره من واجب ما يلزمه من العلم». وهذا هو حال من صدق مع الله في أخذ هذا العلم. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللحاضرين والسامعين الهداية والعمل بالعلم. اللهم آمين.