جواهر البلاغة 55

جواهر البلاغة 55

الدرس في جواهر البلاغة 55، الدرس الخامس والخمسون:من( تنبيهات-الأول:الأصل في الخطاب أن يكون لمشاهد معين ... ويسمى هذا العدول بالإظهار في مقام الإضمار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أصول الخطاب ووضع الضمير

يشرح أصول الخطاب ووضع الضمير في اللغة العربية، حيث الأصل في الخطاب أن يكون لمشاهد معين أو مستحضر في القلب. يبين الأصل في وضع الضمير وعدم ذكره إلا بعد تقدم ما يفسره مع توضيح الاستثناءات والأغراض البلاغية.

استخدام الضمير لزيادة التشويق

يشرح استخدام الضمير بدون ذكر مرجعه السابق في القرآن لزيادة التشويق والتطلع إلى معرفة المرجع. يبين أن هذا الأسلوب يزيد من تدبر المعنى وثبوت الخبر.

العدول عن الإضمار إلى الإظهار والعكس

يتناول شرح العدول عن الإضمار إلى الإظهار والعكس في اللغة لأغراض بلاغية متعددة. يُعتبر هذا التغيير في الصيغة أحد مباحث البلاغة ويرتبط بمفهوم الالتفات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تنبيهات. قال الأول: الأصل في الخطاب أن يكون لمشاهد معين، أو لمشاهد معين، يعني أنك تخاطب من تراه وتعاينه. قال نحو: أنت استرققتني بإحسانك. فهذا خطاب لمن هو مشاهد معين. ومعنى استرققتني بإحسانك يعني أنك استطعت أن تملكني بكرمك وجودك، لكونه لا يستطيع أن يخالف له أمر أو يتخلف عنه. قال: وقد يخاطب غير المشاهد إذا كان مستحضرا في القلب، يعني كأنه مشاهد. قال نحو: لا إله إلا أنت، ونحو: جودي بقربك أبلغ كل أمنيتي، أنت الحياة وأنت الكون أجمع. فالخطاب لغير مشاهد، ومع ذلك عبر به بصيغة الخطاب للمشاهد، وذلك لكونه مستحضرا في القلب حضورا كحضور المشاهد. ومنه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ونحوه. قال: وغير المعين إذا قصد تعميم الخطاب لكل من يمكن خطابه على سبيل البدل لا التناوب دفعة واحدة، يعني ما أريد به ليس اللفظ ولكن العموم. مثل قول المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرد. فهنا الخطاب خرج مخرج المشاهد المعين وغير المشاهد المعين لأن المقصود التعميم. ومنه: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فخرج هذا مخرج الخطاب لأن المراد هو العموم. قال الثاني: الأصل في وضع الضمير عدم ذكره إلا بعد تقدم ما يفسره. ومر معنا كيف يأتي التفسير. قال: وقد يعدل عن هذا الأصل فيقدم الضمير على مرجعه لأغراض كثيرة. منها تمكين ما بعد الضمير في نفس السامع لتشوقه إليه، يعني أنك تذكره بغير مرجع لأجل أن تتشوق النفوس وتتطلع لمعرفته. وهذه لفته ونفثة بلاغية. قال: قولي هي النفس ما حملتها تتحمل. فقوله «هي» ولم يذكر شيء قبله هذا على خلاف الأصل، لأن الأصل أن الضمائر تعود إلى شيء سابق إما لفظي وإما معنوي وإما حكمي. وهنا لا وجود لشيء من ذلك. لماذا؟ ليحصل التشوق والتطلع. فأنت إذا قلت «هي» دارة العقول في تفكر وتأمل، من المقصود بهذا الضمير؟ وهذا أدعى لفهم الكلام ولثبوته. قال: ومنه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. فقولك حين تتلو الآية «فإنها» ذكر للضمير دون ذكر للمرجع فيحصل التشوق والتطلع. وكذلك يثبت المقصود من حصول التدبر والتفكر. قال: ونعمة رجلا علي. فالفاعل ضمير نفسره التمييز «نعمة من». نعمة هذا من الممدوح. قال: ويضطرد ذلك في باب «نعمة» وبئسة، لأن المقصود هو حصول الذم أو المدح. فكثر تقديم الضمير يعني الذي في الفعل لأجل أن يتم المقصود من المدح والذم، وهو بجعل الأسباب اللفظية والمعنوية لتثبيت المدح والذم. فحصول التشوق والتطلع أدعى في ثبوت الخبر. قال: وفي باب ضمير الشأن نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. لو أتى بقل هو الله أحد كان أولى وأحسن. فإن هذه السياقة توهم أنه لا يريد التعبير بقل. وإن كان هو أراد ذكر الشاهد مباشرة في قوله «هو الله»، لأنه يوجد من الناس من له ذلك المذهب العقلاني بحجة أنه لا حاجة لهذا اللفظ. فقد كان خطابا للنبي عليه الصلاة والسلام، والآن نحن لا نحتاجه. وهذا خطأ وباطل، لأن القرآن توقيفي، ولأن في ثبوت وبقاء هذا اللفظ نكتة بلاغية في زيادة الاعتناء بهذا المأمور. وهذا الخطاب الشاهد قوله «هو» هذا الضمير لم يسبقه شيء يفسره، وذلك لأجل أن يحصل التطلع والتشوق وكذلك معنى التدبر المقصود. قال: ومنها ادعاء أن مرجع الضمير دائما الحضور في الذهن، يعني هذا من الأسباب. قال نحو: أقبل وعليه الهيبة والوقار، يعني الضمير في قوله أقبل لم يسبقه شيء. لماذا؟ لأنه دائم الحضور في الذهن، يعني كأنه يدعي أنه لا حاجة لتعريفه لكونه معروفا. قال: ونحو قول الشاعر: أبت الوصال مخافة الرقب وأتتك تحت مدراع الظلماء. قال: ويسمى هذا العدول بالإضمار في مقام الإظهار. يسمى هذا العدول الإضمار في مقام الإظهار، يعني كان ينبغي أن يظهر فيقال مثلا أبت فاطمة أو زينب الوصال، لا يأتي بالضمير لأنه لا مرجع لهذا الضمير ولا يوجد شيء يفسره. فلماذا حصل الإضمار في موضع الإظهار؟ لنكتة بلاغية. هذه النكتة البلاغية هو ادعاء زيادة الحضور في الذهن. قال الثالث: يوضع الظاهر سواء كان علما أو صفة أو اسم إشارة موضع الضمير لأغراض كثيرة، يعني العكس. قال: منها إلقاء المهابة في نفس السامع. كقول الخليفة أمير المؤمنين يأمر بكذا. فيجوز أن تقول: يأمر أي أمير المؤمنين بكذا. فأظهر في موضع الإضمار لأجل تأكيد الأمر وإدخال المهابة في هذا المأمور وحصول الطاعة فيه. قال: وتمكين الثاني تمكين المعنى في نفس المخاطب نحو: الله ربي ولا أشرك بربي أحدا. كان يكفيها يقول: ولا أشرك به أحدا. لكن قوله «بربي» لأجل تمكين معنى الربوبية. قال: ومنها التلذذ. فقول الشاعر: سق الله نجدا والسلام على نجدي ويا حبذا نجد على القرب والبعد. والأصل أن يقول: والسلام عليها ويا حبذا هي. هذا الأصل لأنه قد ذكر. فأظهر في موضع الإضمار لأجل التلذذ. قال الرابع: ومنها الاستعطاف. اللهم عبدك يسألك المغفرة، أي أنا أسألك. ويسمى هذا العدول بالإظهار في مقام الإضمار. والحاصل حصول التغيير في الصيغة. هذا موجب لنوع من الزيادة في بلاغة الكلام. وهذا كله قد يدخله بعضهم في معنى الالتفات، وهو مبحث من مباحث البلاغة. خلاصته: تغيير صيغة الخطاب من الأصل الذي ينبغي أن يرد عليه إلى غيره. فكون الكلام يرد على خلاف أصله هذا نوع من الالتفات. ولكل خروج عن أصل معنى مقصود خاص به ومبحث من مباحث اللغة بحسبه. ففي الضمائر يقال ما سمعنا. وفي الأفعال يقال كذلك كلام آخر. وقد مر معنا هذا المبحث معناه في أبواب سابقة.