جواهر البلاغة 39

جواهر البلاغة 39

الدرس في جواهر البلاغة 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( تنبيهات:الأول:هل كالسين وسوف تخلص المضارع للاستقبال ... لأنهما حرفان ليس لهما معنى مستقل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دلالة هل على الاستقبال واتصالها بالفعل

تناول المقطع دلالة 'هل' على الاستقبال واتصالها بالفعل لفظًا أو تقديرًا، كما استشهد بآية قرآنية لتوضيح ذلك. يبين هذا الفصل أهمية 'هل' في سياق الاستقبال وعدم صلاحيتها للحضور.

استخدام هل في الجمل الاسمية والفروق بينها وبين الهمزة

يتناول هذا الفصل استخدام 'هل' في الجمل الاسمية لتحقيق معان بلاغية إضافية، ويشرح الفرق بين 'هل' البسيطة والمركبة، كما يوضح الفروق بين 'هل' والهمزة في الدخول على أنواع الجمل المختلفة. يشمل هذا الفصل توضيحًا للفروق الدقيقة بين 'هل' والهمزة.

مواضع عدم صحة دخول هل على الجملة وشرح الهمزة

ذكر هذا الفصل مواضع عدم صحة دخول 'هل' على الجملة، مثل الجملة المنفية والحالية والشرطية، كما شرح استخدام الهمزة في الاستفهام واكتسابها للمعنى مع ما بعدها. يشمل هذا الفصل توضيحًا لاستخدام الهمزة بدلًا من 'هل' في المواضع غير الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الملا رحمه الله تعالى: تنبيهات، قال الأول: هل كالسين وسوف تخلص المضارع للاستقبال، فلا يقال: هل تصدق جوابًا لمن قال: أحبك الآن، بل تقول: أتصدق. ولأجل اختصاصها بالتصديق وتخليصها المضارع للاستقبال، قوي اتصالها بالفعل لفظًا أو تقديرًا، نحو: هل يجيء علي، أو هل علي يجيء. قال: فإذا عدل عن الفعل إلى الإسم لإبراز ما يحصل في صورة الحاصل، دلالة على كمال العناية بحصوله، كان هذا العدول أبلغ في إفادة المقصود، تقوله تعالى: ﴿فهل أنتم شاكرون﴾، فهذا التركيب أدل على طلب الشكر من قولك: هل تشكرون؟ وذلك لأن الفعل لازم بعد هل، والعدول عنه يدل على قوة الداعي لذلك. لما ذكر هذه ثلاثة مسائل تتعلق بالتنبيه الأول، فيما يتعلق بمباحث هل، المسألة الأولى: أن هل كالسين وسوف تخلص المضارع للاستقبال، كما نعلم أن المضارع فيه معنى الحضور ومعنى الاستقبال، لكن إذا دخلت السين وسوف على الفعل المضارع، خلص في معنى الاستقبال. فما يصلح أن تقول: سوف أقتلك لما كان في وقت الحاضر أو تريد الآن؛ لأن فيه تناقضًا. ومثله قال: لا يقال: هل تصدق جوابًا لمن قال: أحبك الآن؛ لأن هل بمثابة السين وسوف، فلذلك الصواب أن تقول: أتصدق، وليس هل تصدق؛ لأن ذكره جملة أحبك الآن يناسب أن يذكر فيه شيء فيه معنى الحضور. ومعنى الحضور لا يكون بهل، ولكن يكون بالهمزة، فتقول: أتصدق. ومثله لا يقال مثلًا: هل تنهر هذا وهو أبوك؟ يعني الآن، وإنما الصواب أن تقول: أتنهر هذا وهو أبوك؟ لأن السياق فيه معنى الحضور، ولا يصلح أن يورد له ما فيه معنى الاستقبال، وهو هل. وهكذا أمثاله كثيرة. فإذا عبر متكلم في جملة فيها معنى الحضور باستفهام بهل، كان هذا الكلام منافيًا؛ لأن فيه تناقضًا بين معنى الاستقبال الذي يتضمنه الإيراد بهل، وبين سياق الجملة الذي فيه معنى الحضور. باستفهام ينتبه لهذا، وهذه من الدقائق الخفية في بليغ الكلام. والأمر الثاني مما تضمنه هذا التنبيه الأول هو أن هل يرد بعدها جملة فعلية كثيرًا، والسبب في ذلك ما هو؟ نعم، لأنها تأتي للتصديق فقط. وقلنا: التصديق معنى يقتضي معرفة النسبة التامة بين المسند والمسند إليه، وهذا النوع من الكلام يستقيم أكثر بالجملة الفعلية. ولهذا كان الفعل يأتي كثيرًا فيما فيه معنى التصديق، فإذا كان كذلك -يعني أنه يأتي بعده الفعل كثيرًا- أشار رحمه الله أنه لمناسبة معنى التصديق، لو لم يأتي الفعل لفظًا، أتى معنى -يعني أن يكون هناك فعل يتعلق به ذاك الاسم- مثل: هل يجيء علي، أو هل علي يجيء؟ أما الأول فظاهر، أما الثاني: هل علي يجيء؟ علي يجيء في اصطلاح النحويين جملة اسمية، وليس للفعل عمل فعلي؛ لأن الفعل لا يعمل في المرفوع قبله، لكن من جهة المعنى له تعلق، وهذا هو قوله: تقديرًا -يعني من جهة المعنى-. التنبيه الثالث، أو المعنى الثالث في هذا التنبيه الأول: أنه قد يعدل عن الفعل إلى الاسم لزيادة معنى بلاغي، وهذا العدول إذا وجد داعي قوي يقتضيه، وإلا الأصل أنه يكون بعد جملة هل أو بعد هل جملة فعلية. لكن إذا أتى بجملة اسمية في الغالب يكون ذلك لطلب معنى بلاغي هو أتم بالجملة الاسمية. ومثل بهذا المثال: ﴿فهل أنتم شاكرون﴾، فالتعبير بالجملة الاسمية في الشكر -في معنى الشكر- يفيد معنى الدوام الذي تفيده الجملة الاسمية كما تقدم، وهو أولى في هذا المقام من الجملة الفعلية التي تفيد التجدد. فلما كان هذا أبلغ، صار الانتقال من الأصل أرشد. والانتقال من الأصل يسمى عند البلاغيين نوعًا من الالتفات، فكل تغيير لصيغة الكلام عن أصله إلى غيره هو نوع من الالتفات. وهذا الالتفات في الغالب يكون طلبًا لزيادة معنى. فالمعنى الذي يؤدى في الجملة الفعلية ليس مثله في الجملة الاسمية. فلو قال مثلًا: وأنتم تشكرون، ليس مثل: أنتم شاكرون؛ فإن فيه معنى الدوام والثبوت، وهو مقصود في هذا المقام. قال رحمه الله تعالى: الثاني: هل نوعان: بسيطة ومركبة. فالبسيطة هي التي يستفهم بها عن وجود شيء في نفسه أو عدم وجوده، نحو: هل العنقاء موجودة؟ ونحو: هل الخل الوفي موجود؟ فالبسيط معناه بالعرف -ليس في اللغة- هو المسؤول فيه عن شيء واحد، جوابه بلا أو نعم. وإلا فالبسيط في اللغة هو الواسع، لكن صار في الاصطلاح لفظ يعبر به بمعنى الخفيف أو القليل أو غير المركب. قال: والمركب هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء وعدم وجوده له، نحو: هل المريخ مسكون؟ وهل النبات حساس؟ فأنت تحتاج أولًا أن تعرف هل المريخ موجود، ثم تحتاج أن تسأل عن مسكون، فهو سؤال مركب من شيئين أحدهما مبني على الآخر. ولهذا سموه مركبًا؛ لأن الاستفهام فيه كما قال: عن وجود شيء لشيء. ومثل: هل النبات حساس؟ فهذا مركب، ما هو هذا النبات أصلا الموجود الذي تسأل عنه أنه حساس؟ فلما كان معنى الاستفهام فيه شيء من التركيب لوجود شيء لشيء -أي نسبة شيء لشيء- سمي مركبًا. فالمركب هو الاستفهام الذي يكون فيه تعلق بغيره، وأما ما ليس له تعلق بغيره فهو المسمى عندهم البسيط. قال: الثالث: هل لا تدخل على المنفي، ولا على المضارع الذي هو الحال، ولا على «إن»، ولا على الشرط، ولا على حرف العطف، ولا على اسم بعده، بخلاف الهمزة؛ فإنها تدخل على جميع ما ذكر. وممكن نقول في هذا التنبيه الثالث: الفروق بين هل والهمزة. فمن الفروق بين هل والهمزة: أن هل لا تدخل على الجملة المنفية، والسبب في ذلك أن هل تفيد معنى التصديق، ومنافي لذلك دخولها على النفي. فلا يقال: هل لم يسافر علي؟ أو كما قال رحمه الله: «فلا يقال: هل يفهم علي؟» وهذا خطأ، إنما الصواب: هل لم يفهم علي؟ لأنه ذكر النفي، فالتمثيل خاطئ، إما خطأ مطبعي وإما سهو وسبق قلم من المؤلف. المهم هذه الجملة التي عبر بها خطأ. لكن الصواب أن يقول مثلًا: هل لم يفهم علي؟ وهذا خطأ، والصواب -يعني أقصد- خطأ لا يعبر بهذا التعبير؛ فهو تعبير غير بليغ؛ لأن هل لا تدخل على الجملة المنفية، ولكن إذا كانت الجملة منفية فيستفهم بالهمزة ولا يستفهم بهل. فإذا سمعت رجلًا يقول: هل لم يسافر علي؟ علمت أن هذا الكلام غير بليغ، وأن الكلام البليغ أن يستفهم ما هنا بماذا؟ بالهمزة، فتقول: ألم يسافر علي؟ أو ألم يفهم علي؟ ونحو ذلك. وقوله: ولا على المضارع الذي هو الحال، يعني قال: فلا يقال: هل تحتقر عليًا وهو شجاع؟ والصواب أن تقول: أتحتقر عليًا وهو شجاع؟ هذا هو الصواب؛ لأن هل كما قلنا متضمنة لمعنى الاستقبال، فهي بمثابة السين وسوف. فإذا كان كذلك لا يناسب دخولها على الجملة الحالية، فلذلك في مثل هذا الموضع يستفهم بالهمزة وليس بهل. وقوله في الثالث: ولا على «إن»، والسبب في ذلك أن «إن» فيها معنى التأكيد الذي يقتضي معنى الحالية، وهذا ينافي معنى الاستقبال لمعنى هل. فالصواب أن يقال: أئن الأمير مسافر؟ الاستفهام بالهمزة، ولا يقال: هل. وقوله: ولا على الشرط، مثل فقال: فلا يقال: هل يفهم إذا زرتك تكرمني؟ وهذه جملة معقدة، لو قال مثلًا: هل إن نجحت أكافأ؟ هذه جملة شرطية، الصواب أنه لا يستفهم فيها بهل؛ لما فيه من معنى الحالية، وهذا منافي لمعنى الاستقبال الذي يتضمنه هل. فالصواب أن يستفهم بالهمزة، فتقول: أئن نجحت أكافأ؟ أئن نجحت أكافأ؟ وقوله خامسًا: ولا على حرف العطف، يعني ولا يستفهم بهل على جملة فيها حرف عطف؛ لأن هل كما قلنا تأتي للتصديق ويتبعها جملة فعلية غالبًا، فلذلك لا يخلص المعنى إذا دخلت على جملة معطوفة. فلأجل ذلك يستفهم بالهمزة، فتقول: أثم يتقدم؟ ولا تقول: هل ثم يتقدم؟ وتقول: أفيتقدم؟ ولا تقول: هل فيتقدم؟ وقوله سادسًا: ولا على اسم بعده؛ لما تقدم من أنها تدخل على الجملة الفعلية لفظًا أو تقديرًا، وهي لا تدخل على الجملة الاسمية هذا هو الأصل، فليس من البليغ أن تقول: هل بشرًا منا واحدًا نتبعه؟ بل البليغ أن تقول: أبشرًا منا واحدًا نتبعه؟ استفهام بالهمزة. فإن قال قائل: كيف ﴿فهل أنتم شاكرون﴾؟ الجواب: هذا ضمير، ومع ذلك هناك معنى اقتضى ذلك، وهو زيادة المعنى في الجملة الاسمية في هذا الموضع كما تقدم. قال رحمه الله: أعلم أن الهمزة وهل يسأل بهما عما بعدهما؛ لأنهما حرفان ليس لهما معنى مستقل -يعني ليس فيها معنى في نفسها- وإنما معناها مع غيرها، فالسؤال عما بعدهما قد تقدم أن هذا البعد -أي الذي يأتي بعدهما- قد يكون فعل، وقد يكون اسم، وقد يكون الاستفهام كذلك بالتصديق، وقد يكون الاستفهام بمعنى التصور على ما تقدم تفصيله، وذكر كذلك مباحثه.