أخلاق العلماء للإمام الآجري 25

أخلاق العلماء للإمام الآجري 25

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفات أهل العلم والتحذير من الانحراف

يشرح الشيخ صفات أهل العلم الصادقين ويحذر من الطعن فيهم بسبب تملكهم للدنيا إذا كان ذلك بالطرق المشروعة. كما يبين أهمية الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة.

التحذير من الطعن في العلماء وتأثير الدنيا

يناقش المقطع مسألة تملك العلماء للدنيا ويحذر من الطعن فيهم بسبب ذلك، ويشير إلى أن الخوارج يثيرون الشبهات حول العلماء الذين يتملكون الدنيا.

فتنة علماء السوء واتباع الفتاوى الميسرة

يحذر المقطع من فتنة علماء السوء الذين يحللون المحرمات ويبين أن الناس يتبعون من يفتيهم بتحليل الحرام ليبرروا أفعالهم، وهو اتجاه خطير يجب الحذر منه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس والعشرين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق العلماء: قال أخبرنا أبو بكر، وهو الأجري رحمه الله نفسه، قال: أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد العطشاء، وهو أحد الثقات من مشايخه رحمه الله، قال: أنبأنا علي بن حرب الطائي، وهو صدوق كما ذكر في التعليق، قال: أنبأنا سعيد بن عامر، وسعيد بن عامر الضبعي ثقة، وربما وهم كما أشار في التعليق، قال: عن هشام صاحب الدستوائي، وهشام هو هشام بن عبد الله الدستوائي، أحد المشهورين الثقات الأثبات من رجال التقريب، قال: قرأت بكتاب بلغني أنه من كلام عيسى بن مريم عليه السلام، قال: «كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ وكيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضاه، وليس يرضى شيئًا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته، وهو في دنياه أفضل رغبة؟ وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليحدث به، ولا يطلبه ليعمل به؟». وهذا من الأخبار الإسرائيلية، وكما مر معنا أن الأخبار الإسرائيلية هي ثلاثة أقسام، وهذا من القسم الذي لا يعارض الكتاب والسنة، بل يوافقه، فيذكره بعض أهل العلم ليستأنس به. ومن أهل العلم من لا يرى رواية مثل ذلك مطلقًا، ولا نقله؛ لأنه لا يعلم صحته، فنسبته لنبي من الأنبياء يحتاج إلى دليل. ولكن كما مر معنا أن عذر من ينقل مثل هذا هو ما تقدم؛ أنهم يستأنسون به لكونه يوافق ما دلت عليه عمومات الشريعة. والجمل المذكورة هنا ظاهرة وواضحة، ومعناها أن هذه الصفات ليست من صفات أهل العلم الصادقين. فأهل العلم هم الذين يحرصون على العمل بالعلم، ويحرصون كذلك على الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويحرصون كذلك على الرضا بقضاء الله وقدره، وعدم سخط شيء من قدر الله ورزقه، وما أنزل الله عز وجل به خلقه من منازل. وهذا معلوم من عمومات الشريعة، فذكر مثل هذا من باب الاستئناس. وما يذكر مثل هذا هنا، ومر معنا بعضه كذلك: «كيف يكون من أهل العلم الدنيا آثر عنده من آخرته، وهو في دنيا أفضل رغبة؟» ونحو ذلك، المقصود به على حساب الدين. وأما أخذ شيء من الدنيا بما لا ينافي الدين وبما يعين على الدين، فإنه ليس ينهى عنه الشرع، فالشرع أذن، بل أمر بأن لا ينسى الإنسان حظه من الدنيا، ولكن ليس على حساب الدين. «ولا تنسى نصيبك من الدنيا» ليس معناها أن تنافس، لكن معناها أن تكون يدك عليا لا سفلى، وأن تستعين بها لتوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت تستعين بها لتصل إلى الله سبحانه وتعالى. وهناك فرق بين من هذا حاله، فأخذ منها ما يعينه بالوصول إلى الله، وبين من جعلها هي المقصد، فيستزيد، فيستزيد على حساب آخرته. وكذلك ليس ينافي الزهد في الدنيا والاقتصاد فيها أن يكون للإنسان المركب المريح أو البيت الواسع، فإن هذا مما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أسباب السعادة، ولكن ليست سعادة على حساب الآخرة، أو لنقصان شيء من دينك تصل إلى بيت واسع بنقصان دينك، أو ببيع شيء من دينك، أو بالتحايل على حدود الله وغير ذلك مما لا يأذن الله بمثله. أما ما جاء من وجه شرعي فهذا مأذون فيه. وهكذا طالب العلم، إذا استعان ببعض الوسائل الحديثة التي تعينه على طلب العلم، فإنه لا ينافي ذلك زهده، وكذلك بعده عن الدنيا. فكونه عنده حاسوب مثلًا يستعين به على بحثه، فهذا لا ينافي الزهد في الدنيا. كونه عنده سيارة يستعين بها في الدعوة إلى الله، هذا لا ينافي الزهد في الدنيا، ولكن كيف يصل إلى هذا؟ هذا سؤال. إن وصل إليه بالطريق الصحيح، فهذا مما يؤذن لمثله، وإن وصل إليه بالطريق الخاطئ أو على حساب دينه، فهذا مما لا يؤذن بمثله. وهكذا قل في نظائر كثيرة. وكذلك مما ينبه إليه، وقد يكون كذلك من الشبه التي يثيرها الخوارج -سواء الخوارج على الحكام أو الخوارج على العلماء- خوارج على الأمراء أو الخوارج على العلماء: أنهم إذا رأوا أحد حملة العلم أخذوا شيئًا من الدنيا جعلوه سببًا للطعن، سببًا للطعن. لماذا؟ لأن هذا لا يليق في ظنهم بحامل العلم، بل ربما بعضهم جعله سببًا في إسقاط العالم، أو أعظم من هذا: تكفير العالم، كما يفعل الخوارج. فعلى سبيل المثال: مثلًا تجدهم يطعنون في بعض العلماء لماذا يركب السيارة الفاخرة؟ فأذكر من كلام الخوارج لبعض مشايخنا، مثلًا شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، قالوا: «عالم هو، يركب سيارة كاديلاك -يعني سيارة فاخرة-». فهل في هذا منافٍ إذا جاءه بغير ما ينافي الدين؟ فهذا ليس فيه شيء. كذلك أن يقارن بين العالم وشيخه أو مشايخه، فيقولون: «انظروا الشيخ فلان عنده بيت ما شاء الله، ذلة، أينما شيخه كان عنده بيت من طين؟». وهل يلزم أن يكون الشيخ التلميذ مثل الشيخ؟ أضرب لكم مثالًا: الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، بيته كان من طين، وكان أكثر أهل زمانه بيوتهم من طين، ودار الزمان، وصارت بيوت الناس من الحجر والرخام وغيره. يسر الله لشيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ببيت أشبه ما يكون -كما يقول خوارج- بله. وهل هذا ينافي كونه من أهل العلم أن يسر الله له مثل ذلك؟ ما هو وجه المطعن؟ لا وجه للمطعن في مثل هذا، ما دام أنه لم يصل إليه إلا بالطريق المشروع المأذون. مع أنه رحمه الله رفض أن يقبله في أول الأمر، جاءه هدية وهبة، رفض أن يقبله رحمه الله، ولكن ألح عليه فيه قبل. فهذا لا ينافي تدينه وأمانته وعلمه رحمه الله تعالى. وهكذا غيره من العلماء. ثم كذلك ينبغي أن نعرف أن العلماء فرقوا حتى في نفقة ولي الأمر، ونفقة الزوجات، ونفقة كذلك الأبناء. يقولون: للمرأة مهر المثل، هل مهر المثل سواء؟ ليس سواء. المرأة التي في بلد فيه ثراء وفيه سعة في العيش، سعة في المال، يكون مهرها أكثر من المرأة التي في بلد فيه فقر. المرأة التي في البادية مهرها غير مهر المرأة التي في الحاضرة. وهكذا، وهكذا كذلك إذا وهب أو أنفق على أناس من بيت المال، فأنفق على من هو في بلد فيه سعة، فإنه يوسع عليه، وبلد ليس كذلك، فإنه يعطى على قدره. فإذا بني مثلًا للمقاتل في سبيل الله ما يعينه على قتاله في موضعه الذي هو فيه، فإنه يعطى بحسب حاجته، وبحسب كذلك مكانه. وهكذا كذلك قل في أشياء كثيرة ونظائر عديدة، فإنه ينظر فيه بالمثل. والشاهد من هذا أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان الدنيا سببًا للطعن. فإذا أخذت بغير حق، وسلك فيها مسلك غير حق، فهذا هو الخطأ. بل «تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى». فإذا حصل الأثرة -هذا الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم- وإذا حصل كذلك التعدي، فهذا الذي نهي عنه الشرع. وأما إذا أخذ منه لقدر الحاجة، أو كذلك بما أذن لمثله، فلا ينبغي أن يكون مطعنًا. فتأملوا الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ماذا كان سبب خروجهم؟ ما وقع من التوسع للدنيا في ذاك الزمان، وأنه لم يكن كما كان في زمن أبي بكر وعمر والنبي صلى الله عليه وسلم. والأمر ليس كما يقولون ويريدون؛ لأنه فتح على أهل الإسلام في عهد عثمان ما لم يفتح على ما كان عليه أهل الإسلام قبل ذلك. وغير ذلك كذلك كثير مما يستغله بعض الخوارج في هذا الباب. فأكثر ما يطعن فيه العلماء بأنهم علماء سلطان، لماذا؟ لأنهم يأمرون بالطاعة، ويرمون كذلك بالدنيا. وإذا نظرت، فوجدت أن هؤلاء في الحقيقة ليس كذلك. وغير ذلك مما هو في هذا المعنى. إذن مثل هذه الآثار ينبغي أن توجه بالتوجيه الصحيح الذي يضعه في الموضع العدل. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر -هو الأجري رحمه الله- قال: أنبأنا جعفر بن محمد الصندلي -تقدم معنا من مشايخه ثقات- قال: أنبأنا الفضل بن زياد، والفضل بن زياد كذلك تقدم، قال: أنبأنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «إن الله عز وجل يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار». ومن تواضع لله ورثه الله الحكمة. والمعنى: من صفات علماء الآخرة أنهم متواضعون، ومن صفات علماء الدنيا وعلماء السوء أنهم جبارون. ومن تواضع لله رفعه الله، ورثه الله الحكمة -يعني العلم-. ولذلك العلم حقًا وصدقًا، من علاماته أنه يكسر صاحبه، يكون صاحبه منكسرًا؛ لأنه علم قدر نفسه، ونظر إلى عظمة ربه، فعند ذلك لا يمكن أن يترفع على خلق. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الحميد الواسطي، قال: أنبأنا زهير بن محمد، قال: أنبأنا هذبة، قال: أنبأنا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «إنكم في زمان أشهب، لا يبصر زمانكم إلا البصير». والأشهب: اللون المختلط البياض والسواد، والمعنى أنه اختلط الحق بالباطل. قال: «إنكم في زمان كثير نفخاتهم، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، فاحذروهم على أنفسكم، لا يوقعوكم في شبكاتهم». يا عالم، أنت عالم تأكل بعلمك، يا عالم، أنت عالم تفخر بعلمك، يا عالم، أنت عالم تكاثر بعلمك، يا عالم، أنت عالم تستطيل بعلمك. لو كان هذا العلم طلبته لله لرؤي ذلك فيك وفي علمك. والمعنى أنه يحذر رحمه الله من زمانه الذي طمس فيه الحق بالباطل، وصار لا يميز بين الحق من الباطل إلا القليل من الناس ممن أعطي دقة بصر وبصيرة. ثم ضرب مثلًا على ذلك أن العلماء ظلوا وفتنوا، فضلًا عمن دونهم. ولهذا حذر من فتنة هؤلاء علماء السوء الذين يوقعون غيرهم في شبكاتهم، والمعنى: في شبكاتهم، أي: في ضلالاتهم وشبهاتهم. فإذا كان يقول مثل هذا الكلام في زمانه رحمه الله، فماذا عسانا أن نقول في هذا الزمان؟ وعلماء السوء قد ملأوا وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، ويتفاوتون في الفجور والقول على الله بغير علم. ما كنا نظن أنه يأتي زمان والناس تحلل الربا، وصار اليوم الناس يتعاملون بالربا ويحللونه، وبفتاوى شرعية. كانت صور فيها حيل على الربا، أما الآن فصار الربا الصريح لا يبالون في الوقوع فيه. وإذا سئل: لماذا تفعل هذا الربا؟ أشأنه عظيم في دين الله عز وجل، ملعون صاحبه، هو أعظم من الزنا في النصوص الشرعية. فيأتي فيقول: قد أفتى العالم الفلاني في القناة الفلانية بأنه يجوز للضرورة، يجوز للضرورة، ونحن في ضرورة. وهكذا قل حتى صار من يحلل الخمر -والعياذ بالله- أطلقت عليه أسماء بغير أسمائها. فصار الكثير من الحرام يحلل بعلماء السوء، ثم توضع عليها ألقاب إسلامية: «ديسكو إسلامي»، وهكذا «رقص إسلامي»، حتى المراقص -والعياذ بالله- أطلقت عليها أسماء ومسميات إسلامية. من الذي حلل هذه المحرمات؟ علماء ودعاة السوء بالشبهات. وهذا هو قليل من كثير مما قال: «لا يوقعوكم في شبكاتهم». فشبكات علماء السوء هو هذا، وما كان بمعناه من الشبه التي تضل عامة الناس. والناس أتباع كل ناعق، يريدون من يحل لهم الحرام؛ لأجل أن يظهروا أنفسهم أنهم لم يفعلوا الحرام إلا بفتوى. نسأل الله السلامة والعافية. إلى هنا والله تعالى.