الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 26، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ شرح كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري، مركزاً على صفات علماء السوء وطلبة العلم الذين يسعون للشهرة وليس للتقوى. يُبرز أن هؤلاء يركزون على تحقيق الألقاب بدلاً من العلم نفسه.
يصف المقطع صفات الطلبة الذين يسعون للشهرة والترأس، حيث يهتمون بالعلم الذي يرفع شأنهم ويهملون العلم النافع. يُظهر أنهم يفتقرون إلى التمييز بين العلم النافع والضار.
يتطرق المقطع إلى خطورة طلب العلم للرياء والمراء، موضحاً تأثير ذلك على أخلاق الفرد وعلاقته بالله. يُبين كيف يمكن أن يصل هذا المسلك بالفرد إلى الجرأة على الباطل والظلم.
يشير المقطع الأخير إلى انتهاء الحديث حول موضوع صفات علماء السوء، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى، مما يوحي بأهمية النية الصادقة في طلب العلم.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس والعشرين، الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتابه «أخلاق العلماء»: قال محمد بن الحسين، وهو الآجري رحمه الله: قال: فإن قال قائل: فصف لنا أخلاق هؤلاء العلماء الذين علمهم حجة عليهم، حتى إذا رأينا من يشار إليه بالعلم، اعتبرنا ما ظهر من أخلاقهم، فإذا رأينا أخلاقًا لا تحسن، اجتنبنا أهل العلم، وعلمنا أن ما استنبطوه من دناءة الأخلاق أقبح مما ظهر، وعلمنا أنه فتنة، فاجتنبناهم؛ لئلا نفتتن كما افتتنوا، والله موفقنا للرشاد. يوطئ رحمه الله هنا بهذا السؤال الذي أورده ليجيب عليه، وهي طريقة من طرق التعليم، فإرادة العلم بطريق السؤال والجواب قد يكون أدعى لحفظ ذلكم الجواب، والتنبيه كذلك لمعنى السؤال. فهو يشير هنا رحمه الله إلى أنه قد ذكر عدة آثار وأحاديث في صفات علماء السوء الذين علمهم حجة عليهم، فيقول: لو قال قائل: أعطينا زيادة إيضاح في صفات هؤلاء، والمعنى: الصفات المذمومة التي تجتنب؛ لأن بعض هذه الصفات قد لا تخطر ببال المنصوح، أو ربما يقع في شيء منها وهو لا يدري أنها من الأفعال المذمومة. وسيأتي ذكر عدد من الصفات والأفعال التي هي ليست من الأفعال السوية، وأنها من صفات حملة العلم الذين لم يسلكوا المسلك الصحيح فيه. قال رحمه الله: قيل: نعم، سنذكر من أخلاقهم ما إذا سمعها من ينسب إلى العلم رجع إلى نفسه وتصفح أمره. ومعنى تصفح: يعني فتش في أمره، هل فيه صفة من هذه الصفات؟ فإن كان كذلك أصلح حال نفسه؛ لعلمه أن هذه الصفات صفات مذمومة لا تليق بطالب العلم، فضلًا عن العالم. قال رحمه الله تعالى: فإن كان فيه خلق من تلك الأخلاق المكروهة المذمومة، استغفر الله وأسرع الرجعة إلى الأخلاق التي هي أولى بالعلم، مما يقربهم إلى الله عز وجل، وتجافى عن الأخلاق التي تباعدهم عن الله. قال: فمن صفته في طلبه للعلم: يطلب العلم بالسهو والغفلة، فإنما يطلب من العلم ما أسرع إليه هواه. فإن قال: كيف؟ ومعنى يطلب العلم بالسهو والغفلة: يعني ليس عنده قلب حاضر في طلب العلم، فمجالس العلم يحضرها وقلبه غافل ساهٍ؛ لأنه ليس قصده عين العلم، بقدر ما قصد هذا الطالب هو ما يصل إليه بهذا العلم. فلذلك همه تحصيل الألقاب، ليس تحصيل العلم، همه تحصيل الألقاب، يعني مثلًا: فلان وصل إلى ابن عقيل، مثلًا إذا كانت منافسة بين طلبة العلم، يحب أن يقال: إنه وصل إلى الدرجات العالية في طلب العلم. وهذا كمثال، والهوى يختلف، وإنما يطلب من العلم ما أسرع إليه هواه. قد يكون الهوى الترأس، فإذا كان أهل بلده يترأسون بعلم اللغة، اجتهد في علم اللغة، لا لأجل أن يستعين بهذا العلم على العلوم الشرعية، ولكن لأجل أن يترأس به على من حوله، أو كان كذلك الترأس بعلم آخر، فهكذا. وهذا كمثال، وستأتي بعض الأمثلة التي توضح. قال: فإن قال: كيف؟ قيل: ليس مراده بطلب العلم أنه فرض عليه ليتعلم كيف يعبد الله فيما يعبده من أداء فرائضه واجتناب محارمه، إنما مراده في طلبه: يكثر التعرف أنه من طلاب العلم، يعني: ليشتهر أنه طالب علم. قالوا: ليكون عنده فإذا كان عنده هذب نفسه. وفي نسخة: تعهده لنفسه. قال: هذب نفسه، أوضحه بأنه تعهده لنفسه ومراقبته لها منوط بوقت ترمقه العيون، فيشتهر اسمه. يعني: معنى أنه يفسر الآن هذب نفسه بأنه جعلها محل اشتهار وشهرة. والمعنى: أنه طلب ما يطلب من العلم لأجل الشهرة، لا لطلب آخر، يعني من رفع الجهل والاستعانة بالعلم على عبادة الله بأداء الفرائض والواجبات واجتناب المحرمات؛ إذ هذا هو الغرض من طلب العلم أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يستعين به على عبادة ربه؛ لأن من يطلب العلم لهذا الغرض يوفقه الله أن يبصر ما لا يبصر الناس، فيتقي الله عز وجل بما عرفه وعلمه الله من العلم، كما قال سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾. وأما من طلب العلم لأجل الشهرة ولأجل كذلك الهوى، فإنه لا يبالي بالعمل، وإنما غرضه أن يشار إليه بالبنان، وأن يكون مترأسًا على غيره، ولو كان الترأس بالعلم. وهذا وصف مذموم، ولهذا يلازم في الغالب من هذا حاله ضعف عمل هذا الإنسان بالعلم، يضعف عمله بالعلم؛ لأن قصده ليس العمل. قال رحمه الله: وكل علم كذا سمعه أو حفظه، شرف به عند المخلوقين، سارع إليه وخف في طلبه. وكل علم وجب عليه فيما بينه وبين ربه عز وجل أن يعلمه فيعمل به، فقل عليه طلبه. قال: فتركه على بصيرة منه، مع شدة فقره إليه، يثقل عليه أن يفوته سماع لعلم قد أراده، حتى يلزم نفسه بالاجتهاد في سماعه. وإذا سمعه هان عليه ترك العمل به، فلم يلزم نفسه ما وجب عليه من العمل به، كما ألزمها السماع. فهذه غفلة عظيمة. كذلك من صفات هذا الصنف من حملة العلم: أنه يحرص على العلم الذي يكون به الشهرة والشرف بين الناس، وهو يحرص على ذلك ويسارع إليه، ويصير خفيفًا عليه طلبه، ولو كان ثقيلًا. وهذا في زمانه رحمه الله، أما في زماننا فربما ما وجد لا الصنف الأول ولا الثاني، قليل من يقبل أصلا على العلم، لكن هو يذكر في زمانه رحمه الله أن من الناس من يطلب العلم لأجل الشرف، فهناك من يطلب العلم، ولكن يطلب العلم للشرف والشهرة والترأس على الخلق. ويكون بعض هذا العلم ثقيلًا، فيحرص عليه، مثلًا: يحرص على علم الفرائض وما فيه من حساب، ولو كان عسيرًا، لكن لأجل الترأس يصبر عليه، كمثال ونحو ذلك، مثلًا: علم اللغة وما فيه من تفاصيل وفروع، يصبر عليه لأجل الترأس ونحو هذا. وأما ما أوجبه الله عليه وما فيه العمل وما هو أنفع، فإنه يزهد فيه ولا يحرص عليه. وهذا هو أحد الفروق بين من يطلب العلم لله ومن يطلبه لغير الله، فمن يطلب العلم لله يحرص على ما ينفعه في العمل ويقدمه على غيره، ويكون خفيفًا عليه ولو كان فقيلًا، والعكس عند من طلبه لغير الله. قال رحمه الله تعالى: إن فاته سماع شيء من العلم أحزنه ذلك وأسف على فوته، كل ذلك بغير تمييز منه. وكان أولى به أن يحزن على علم قد سمعه فوجبت عليه به الحجة فلم يعمل به، ذلك كان أولى به أن يحزن عليه وتأسف ينفقه للرياء ويحاج للمراء مناظرة بالعلم تكسبه المأثم. مراده في مناظرة: أن يعرف بالبلاغ، ومراده أن يخطئ مناظره. كذلك هذه من صفات هذا الصنف من حملة العلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحرص بحفظه: أنه يحرص كذلك على ما يكون به شهرته، ودون تمييز للعلم: هل هو علم نافع أو علم ضار؟ مثلًا: يدخل ويتعمق في علم المنطق لأجل أن يشتهر أنه عنده علم ما عند الآخرين، كمثال، مع أنه علم يضره أكثر مما ينفعه، لا يبالي. وإذا ازداد الضلال ربما تعلم بعضهم السحر، كما في بعض الفرق الضالة، ربما يدرسون السحر ويتعلمونه لأجل يكون عنده ما ليس عند الآخرين، ولو كان تعلمه كفر والعياذ بالله. وهكذا؛ لأن غرضه هو أن يرتفع عن الآخرين، ولو بالباطل، ولو بالباطل، والعمل ليس له مكان. وهذه من لوازم من كان هذا حاله، ولا يتأسف على ما يفوته من عمل، ولا على ما يفوته من علم نافع، بقدر ما يتأسف على ما يفوته من مواضع الرياء والمراء. فإذا كان موضع يكون به مرتفعًا بالرياء أو بالمراء، فإنه يأسف عليه، ولا يأسف على ما فيه قرب من الله وزيادة أجر وفضيلة. ولذلك في الغالب من كان هذا حاله من صفاته: عدم الحرص على العلم والعمل به، فتجد الأخلاق السيئة، تجد مخالفة العمل للعلم، تجد كذلك البلاغة والتي تكون بمعنى النفاق ونحو ذلك من المظاهر التي تنافي حقيقة العمل بالعلم. ولهذا ذكر رحمه الله أمثل ونظائر من ذلك: أنه يحرص على أن يرتفع ولو على الآخرين، فليس مراده الوصول إلى الحق حتى في المناظرة، ولكن مراده أن يرتفع ولو أن صاحبه يخطئ، ليس غرضه إعانة الناس على الخير والصواب. قال: إن أصاب مناظره الحق ساءه ذلك، فهو دائب يسره ما يسر الشيطان، ويكره ما يحب الرحمن، يتعجب ممن لا ينصف في المناظرة، وهو يجور في المحاجة، يحتج على خطئه ويعرفه ولا يقر به خوفًا أن يذم على خطئه، يرخص في الفتوى لمن أحب، ويشدد على من لا هوى له فيه، يذم بعض الرأي، فإن احتاج إلى الحكم والفتيا لمن أحب دل عليه وعمل به. وهكذا تجد - يعني - الناس في هذا درجات في الجرأة على الباطل، وكذلك الوقوع في الظلم؛ لأن من كان هذا حاله يتدرج في اتباع الهوى حتى يصل إلى التلاعب بشرع الله، فيتلاعب بالفتوى لأجل الدنيا والشهرة ونحو ذلك. قال: فإن احتاج إلى الحكم والفتيا لمن أحب دل عليه وعمل به. من تعلم منه علمًا فهمت فهمته فيه منافع الدنيا، فإن عاد عليه خف عليه تعليمه. يعني: معناه: لو أنفق العلم أنفقه لأجل يصل به إلى شيء من الدنيا، ليس غرضه من الإنفاق بالعلم أن ينفقه لله سبحانه وتعالى. وهذه الدنيا قد تكون شهرة أو مناصب أو غير ذلك مما يصل إليه. قال: فإن عاد عليه خف عليه تعليمه، وإن كان ممن لا منفعة له فيه للدنيا، وإن منفعة للآخرة تقل عليه. يعني: لهذا تجد جلساءه من يرفعه للدنيا لا للآخرة. قال: يرجو ثواب علم لم يعمل به، ولا يخاف سوى عاقبة المساءل عن تخلف بالعمل به، يرجو ثواب الله على بغضه، على بغضه من ظن به السوء من المستورين. والمعنى: أن له باطن خلاف الظاهر، وأنه يكثر مخالفة علمه بأعماله، البعيد عن العمل الصادق. قال: ولا يخاف مقت الله على مداهنته للمهتوكين، ينطق أو ينطق بالحكمة فيظن أنه من أهلها. يعني: هو ينطق بالحكمة، فتظن أنه من أهلها وليس كذلك. ولا يخاف مقت الله في مداهنة المهتوكين. علمنا أن المداهنة: أن يتنازل الإنسان عن شيء من دينه لأجل الدنيا، والمهتوك: أي الذي فضح وجرح بشهرة فجوره وفسوقه وفساده. قال رحمه الله: ولا يخاف عظم الحجة عليه لتركه استعمالها، إن علي مزداد مباهاة وتصنعًا. وإن احتاج إلى معرفة علم تركه أنفة. والمعنى: أنه كذلك عنده كبر، فلا يبالي بالحجج المتتابعة عليه؛ إذ أنه عنده علم ولا يعمل به، وإن نصح فيه ازداد مباهاة. يعني: معناه: جرأة على الباطل وجرأة كذلك في الكبر في ترك العمل بالعلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم من سيء الأخلاق، وأن يعيننا وإياكم على العمل بالعلم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.