الدرس في التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الكتاب بمقدمة تبرز أهمية "فتح رب البرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وتشرح فوائد التلخيص الذي قام به الشيخ محمد بن صالح، مع التركيز على أهمية البسملة والحمد في بداية الكتب. هذه المقدمة تشير إلى أن البسملة والحمد سنة الأنبياء وأهل العلم وتتضمن التبرك والاستعانة بالله.
يتناول هذا الفصل أهمية خطبة الحاجة وفضل العلماء في حفظ الدين ورد البدع، ويبين أن العلماء ورثة الأنبياء ويسيرون على نهجهم في نشر الحق ومحاربة الباطل. كما يشير إلى شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لخطبة الحاجة ومعانيها العظيمة.
هذا الفصل يتناول مقدمة المؤلف التي تشرح حياة شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الدفاع عن السنة، وتوضح أسباب تأليف الفتوى الحموية وتلخيصها، مع بيان منهجية المؤلف في الاختصار والتعديل بين النسخ المختلفة.
ينتهي الكتاب بخاتمة تشير إلى أهمية العلم بالله تعالى وتوجيه الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس التوجيهات الختامية والنهائية للكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذه الدورة المباركة النافعة، والمجالس العلمية المفيدة، نتذاكر فيها من العلم النافع ما يعيننا على العمل الصالح. وفي هذه اللحظات نفتتح كتابًا آخر من كتب أهل العلم، والمقررة في هذه الدورة، بحسب اختيار إدارة هذه الدورة المباركة، جزاهم الله خيرًا، وهو كتاب «فتح رب البرية بتلخيص الحموية» لشيخنا العلامة محمد بن صالح، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وهذه الرسالة التي أصلها فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، كما سيأتي معنا إن شاء الله، اختصرها شيخنا رحمه الله تعالى بهذا التلخيص. التلخيص لأمور كثيرة، من أهمها خمسة أمور: أولها تسهيلًا لطالب العلم لفهم ما قد يصعب فهمه في الأصل، وثانيًا اختصارًا لما يطول بسطه، فاختصره في هذا التلخيص عن الأصل. وثالثًا إضافة ما يحتاج إلى إضافته مما يوضح ويجلي، وليس موجودًا في الأصل. ورابعًا ترتيب ما يحتاج إلى ترتيبه بما يناسب مستوى الطلاب الذين لأجلهم جعل هذا التلخيص. وكما سنرى أنه جعله كذلك؛ لأنه مقررًا في المدارس في المعهد العلمي، فاحتاج الشيخ رحمه الله أن يجعل له شيء من الترتيب يناسب المستوى. خامسًا وأخيرًا أنه كذلك بهذا الاختصار يكون فيه التنبيه على أهم النقاط التي ربما لا تذكر، منبهًا عليها كذلك في الأصل، فتكون كخلاصة الخلاصة. هذه أهم خمس فوائد يمكن الاستفادة منها في هذا المختصر، مع ما فيه من احتوائه على ما دل عليه الأصل لهذه الرسالة. وإن شاء الله نقرأ في المقدمة ما يكون مفتاحًا للدخول. بسم الله الرحمن الرحيم، لا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة المختصرة بالبسملة، اقتداءً بكتاب الله؛ إذ افتتح أول سورة فيه بالبسملة، بل أكثر السور، كل السور إلا سورة براءة، افتتحت بالبسملة. وثانيًا اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يفتتح رسائله إلى الملوك وغيرهم بالبسملة. وهكذا كذلك كما جاء في الصحيح في خطابه ورسالته إلى هرقل. بل وهذه سنة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما أخبرنا الله عز وجل في كتاب سليمان إلى ملكة اليمن، ملكة سبأ؛ ففيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولهذا صارت سنة أهل العلم في ابتداء كتبهم ومؤلفاتهم بالبسملة، مع ما فيه من التبرك بسم الله عز وجل، والاستعانة على الله، والاستعانة على الله. فهذه خمس فوائد لأجلها يبتدأ ذكر البسملة. وأما التثنية بالحمد له كذلك؛ أولًا لاقتداء بكتاب الله، وثانيًا إذا افتتح بالحمد له فإننا نقرأ في أول سورة فيه وهي سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وثانيًا اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يفتتح خطبه، ومنها خطبة الحاجة التي بين أيدينا معناها ولفظها كذلك، وأصله في صحيح مسلم حديث جابر، وجاء مطولًا في السنن بإسناد صحيح. وهذه خطبة الحاجة التي سيأتي الكلام عليها. وثالثًا كذلك الابتداء بعد البسملة التي فيها التبرك بسم الله، الثناء على الله عز وجل بذكر شيء من محامده. ورابعًا كذلك في ذكر هذه المحامد معنى الاستعانة وتحقيقه المذكور في البسملة؛ فأنت تذكر المحامد تأكيدًا لمعنى الاستعانة الذي تطلبه في البسملة، وخصوصًا وأنت تؤلف كتابًا أو تفتتح خطبة أو تشرع في أمر تحتاج إلى عون الله عز وجل. ومما يعينك على الوصول إلى عون الله الثناء الجميل والتعظيم لله عز وجل بأسمائه وصفاته. ولهذا يثنى بالحمد له. ومن فوائده كذلك أنه يهذب النفس على معرفة قدرها من النقص والافتقار إلى الله عز وجل؛ فيعينك على أن تقوى بقوة الله. وثانيًا أن لا تغتر بعملك مهما بلغ في الإحسان والإتقان؛ فأنت لا تزال تفتش فيه وتنظر ما هو النقص لتصل به إلى الكمال. وأما خطبة الحاجة فقد شرحها العلماء في كتب ورسائل وثنايا كتب، كما هو معلوم. ومن أحسن ما ألف وشرح فيها شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ أفرد خطبة الحاجة بالشرح، وحققها الشيخ الألباني رحمه الله رحمة واسعة. وفيها معاني عظيمة غزيرة، لا يسع المقام لاختصارها، أن نقف مع هذه المعاني والدقائق. وحسبنا الإلماح إلى دروس سابقة وإلى مواضعها ومضانه التي سبق الإلماح إليها. وأما كلمة «أما بعد» فكلمة يؤتى بها للتفريق بين مقدمة الشيء وموضوعه. ومعناه: مهما يكون من شيء بعد، فهو ما يأتي. ولهذا تقترن بالفاء؛ إذانًا بالتعقيب ليلتحق الموضوع بمقدمته. فلهذا يقال: «فإن». نعم، ثم قال رحمه الله: «فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين. فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وبين للناس جميع ما يحتاجون إليه في أصول دينهم وفروعه. فلم يدع خيرًا إلا بينه وحث عليه، ولم يترك شرًا إلا حذر الأمة عنه؛ حتى ترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها. فسار على ذلك أصحابه، نيرة مضيئة، وتلقاها عنهم كذلك الخلف المفضلة؛ حتى تجهم الجو بظلمات البدع المتنوعة التي كاد بها مبتدعوها الإسلام وأهله، وصاروا يتخبطون فيها خبط عشواء، ويبنون معتقداتهم على نسج العنكبوت. والرب تعالى يحمي دينه بأوليائه الذين وهبهم من الإيمان والعلم والحكمة ما به يصدون هؤلاء الأعداء، ويردون كيدهم في نحورهم. فما قام أحد ببدعة إلا قيض الله له -وله الحمد- من أهل السنة من يبطله ويبطلها». هذا توطئة في الدخول في المقصود، وهو من براعة استهلاله رحمه الله تعالى؛ فإنه بدأ بذكر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ومتابعة الأمة وبلاغه للرسالة والأمانة، ونصحه للأمة، وما يكون به توضيحه في الدخول المقصود؛ من أن العلماء ساروا بسير الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي الدرداء وغيره، في صحيح السنن بسند صحيح، وأصله في صحيح مسلم: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم». فكما حمل العلماء طريق الأنبياء، حملوا همهم وساروا بسيرهم. ومن ذلك الرد على أهل الباطل؛ فكما أن هذا الدين قد تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك؛ كما جاء في حديث العرباض ومعناه، وفي غيره. فكذلك ينبغي أن يكون العلماء من بعد؛ يحافظون على هذا الصفاء والنقاء، ألا يشوش عليه بدعة مبتدع، ولا تطغى الجاهل أو غير ذلك من المعاني التي تبطل وتضر. فلذلك صار هذا المؤلف الذي سيأتي الشروع والكلام فيه. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بعض الأمثلة الحسية التي تبين المقصود بالمعاني المعنوية؛ فكما أن أهل الجهل يخيم جهلهم بجهلهم على الدين، ومثله مثل خيوط العنكبوت التي فيها من الضعف وفيها من التشويه والتشويش. فكذلك إضافات كل من يضيف على دين الله عز وجل ما ليس منه؛ فيحتاج كما ينقى الشيء الجميل الصافي من خيوط العنكبوت التي تتراكم عليه. فكذلك ينبغي أن ينقى الدين الصافي النقي من جهالات أهل الجهل وبدع أهل البدع وباطل أهل الباطل. وهذا لا يكون إلا بحكمة وعلم وإيمان ورسوخ. وهذه طريقة أهل العلم. ولذلك لم تزل سنة العلماء السير بسير الأنبياء والرد على أهل الباطل، ومن ذلك أهل البدع؛ كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله. مثاله هذه الرسالة التي بين أيدينا. ثم قال رحمه الله: «وكان في مقدمة القائمين على هؤلاء المبتدعة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، المولود في حران يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة هجرية، والمتوفى محبوسًا ظلمًا في قلعة دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية، رحمه الله. وله المؤلفات الكثيرة في بيان السنة وتقرير أركانها وهدم البدع. ومما ألفه في هذا الباب رسالة الفتوى الحموية التي كتبها جوابًا لسؤال ورد عليها في سنة ثمان وتسعين وستمائة هجرية من حماة -بلد في الشام- يسأل فيها عما يقوله الفقهاء وأئمة الدين في آيات الصفات وأحاديثها. فأجاب بجواب يقع في حوالي ثلاثة وثمانين صفحة، وحصل له بذلك محنة وبلاء. فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء. ولما كان فهم هذا الجواب والإحاطة به مما يشق على كثير من قرائه؛ أحببت أن ألخص المهم منه مع زيادات تدعو الحاجة إليها، وسميته: «فتح رب البرية بتلخيص الحموية». وقد طبعته لأول مرة في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف هجرية. وها أنا أعيد طبعه للمرة الثانية. وربما غيرت ما رأيت من المصلحة تغييره من زيادة أو حذف. والله أسأل أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه ونافعًا لعباده، إنه جواد كريم». تناولت هذه المقدمة أو خاتمة هذه المقدمة على أربعة مباحث: المباحث الأول في بيان حال شيخ الإسلام ابن تيمية، وما كان عليه من الجهد والجهاد والبذل لهذا الدين، والدفع والمدافعة عن حياض السنة، وسير الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة والتسليم. وسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية المبثوثة المذكورة في كتب كثيرة، وذكرها طلابه منفصلة، وضمن كذلك كتب أخرى فيها من هذا المعنى الشيء الكثير. والأمر الثاني: ما كان عليه الشيخ رحمه الله في جهاده ومكافحته ومدافعته لأهل الباطل؛ ما يدلك على أنه أحد هؤلاء الذين ساروا بسير العلماء والاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومن ذلك ثالثًا: هذه الرسالة التي ألفها -الفتوى الحموية- فهي في بيان عقيدة أهل السنة والرد على من خالفها؛ كما سيأتي معنا إن شاء الله في هذه العقيدة ومباحثها. وكما بيّن كذلك في ثنايا ذلك سبب تأليف هذه الرسالة؛ وسيأتي معنا إن شاء الله في أوائل هذه الرسالة أنها جواب لسؤال ورد عليه سنة 698 للهجرة من حماة. ولهذا سميت الفتوى الحموية. وأخيرًا بيّن الشيخ رحمه الله تعالى طريقته في هذا الاختصار؛ وأنه اختصر هذا الاختصار لمقاصد، مر معنا فيما تقدم بعض هذه المقاصد التي تفهم من اختصاره. وأضاف رحمه الله منهجيته فيها، وكذلك أنه ربما غير وبدل في النسخة الثانية عن الأولى. وبه نعرف أننا نعتمد الأخير من نسخ هذا الكتاب؛ لأن الشيخ عدل وقدم وأخر وزاد وحذف بحسب ما تقتضيه المصلحة. فنعتمد الأخير، ولا يعني ذلك أن القديم ليس بصواب؛ بل هو صواب، ولكن أفضل منه وأصوب منه الأخير. فالنسخة الأولى كتاب الشيخ، والنسخة الثانية كتاب الشيخ كذلك. فإن أمكن الجمع بين الأول والثاني فذاك، وإن لم يمكن فالترجيح يكون للثاني عن الأول إذا تبين معرفة الثاني من الأول، والأخير مما قبله. وسنرى بعض هذا إن شاء الله في ثنايا الكتاب. ويحسن ذا إن شاء الله في أثناء القراءة يكون عندنا بعض الإخوة عندهم بعض النسخ الأخرى. مثلًا هذه النسخة الآن نسخة ثانية، ويكون بعض إخوة عندهم النسخة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة. توجد نسخة تبع المعاهد العلمية -معهد الإمام محمد بن سعود- وكذلك يعتبر من بعض نسخه الأخيرة من المتأخرة. كذلك توجد نسخة مصاحبة لشرح الشيخ نفسه. فمن استطاع أن يتابعنا فيها لأجل إذا وجد شيء من الاختلاف ينبهنا. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.