التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 5

التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 5

الدرس في التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الاستواء على العرش ورد الشبهات

يناقش تفسير استواء الله على عرشه بمعنى العلو، ويرد على الشبهات التي يثيرها المعطلة حول هذا التفسير. يشير إلى أهمية تفصيل معنى لفظ الجسم.

معية الله لخلقه وعلو ذاته

يشرح مفهوم المعية وأنواعها، ويبين كيفية الجمع بين نصوص علو الله بذاته ومعيته لخلقه. يوضح أن المعية تنقسم إلى عامة وخاصة.

الجمع بين علو الله ونزوله إلى السماء الدنيا

يثبت أن علو الله تعالى ونزوله إلى السماء الدنيا لا يتعارضان، ويشرح كيفية الجمع بين النصوص التي تشير إلى هذين الأمرين. يؤكد أن الله ليس كمثله شيء.

الفرق بين وجه الله والثواب

يُبين أن الثواب مخلوق ومنفصل عن الله تعالى، بينما وجه الله صفة غير مخلوقة. يظهر أن وصف وجه الله بالجلال يمنع تفسيره بالثواب.

التفريغ النصي الكامل

رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، مواصلة في هذه الرسالة النافعة الماتعة، فتح رب البرية في تلخيص الحموية لشيخنا محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى، وآخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله من مبحث الاستواء، ونواصل إن شاء الله. قال الشيخ -شيخنا- رحمه الله تعالى وغفر الله له ولشيخنا وللقارئ والسامعين: فإن قال قائل: إذا كان استواء الله على عرشه بمعنى العلو عليه، لازم من ذلك أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وهذا يقتضي أن يكون جسما، والجسم ممتنع على الله. فجوابه أن يقال: لا ريب أن الله أكبر من العرش وأكبر من كل شيء، ولا يلزم على هذا القول شيء من اللوازم الباطلة التي ينزه الله عنها. وأما قوله: إن الجسم ممتنع على الله، فجوابه أن الكلام في الجسم وإطلاقه على الله نفيًا أو إثباتًا من البدع التي لم ترد في الكتاب والسنة، وأقوال السلف هو من الألفاظ المجملة التي تحتاج لتفصيل. فإن أريد بالجسم الشيء المحدث المركب المفتقر كل جزء منه إلى آخر، فهذا ممتنع على الرب الحي القيوم. وإن أريد بالجسم ما يقوم بنفسه ويتصف بما يليق به، فهذا غير ممتنع على الله تعالى، فإن الله قائم بنفسه، متصف بالصفات الكاملة التي تليق به سبحانه وتعالى. لكن لما كان لفظ الجسم يحتمل ما هو حق وباطل بالنسبة إلى الله، صار إطلاق لفظه نفيًا أو إثباتًا ممتنعًا على الله. وهذه اللوازم التي يذكرها أهل البدع ليتوصلوا بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال على نوعين: الأول لوازم صحيحة لا تنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه حق يجب القول بها، وبيان أنها غير ممتنعة على الله. الثاني لوازم فاسدة تنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه باطلة يجب نفيها، وأن يبين أنها غير لازمة لنصوص الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة حق، ومعانيهما حق، والحق لا يمكن أن يلزم منه باطل أبدًا. فإن قال قائل: إذا فسرتم استواء الله على عرشه بعلوه عليه، أوهم ذلك أن يكون الله محتاجًا إلى العرش ليقله. فالجواب أن كل من عرف عظمة الله تعالى وكمال قدرته وقوته وغناه، فإنه لن يخطر بباله أن يكون الله محتاجًا إلى العرش ليقله، فكيف وهو العرش وغيره من المخلوقات مفتقر إلى الله، ومضطر إليه، لا قوام له إلا به، ومن آيات ذلك أن تقوم السماء والأرض بأمره. فإن قيل: هل يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه عليه كما فسره به المعطلة فرارًا من هذه اللوازم؟ فالجواب أنه لا يصح، وذلك لوجوه: منها الأول أن هذه اللوازم إن كانت حقًا، فإنها لا تمنع من تفسير استواء بمعناه الحقيقي، وإن كانت باطلة، فإنه لا يمكن أن تكون من لوازم نصوص الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: إذا كان استواء الله على العرش بمعنى العلو إلى آخره. شرع رحمه الله تعالى هنا في بيان إثبات حقيقة الاستواء، وأنه يثبت على ما جاء به اللفظ، على ما يليق بجلال الله عز وجل وعظمته، فنثبت استواء يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ثم أجابها هنا عن شبهة، وفي أثناء هذه الإجابة تكلم عن لفظ من الألفاظ التي لم تثبت في الكتاب والسنة، وتحتاج إلى استفصال فيما يريدون من معنًى. مر معنا القاعدة في أن كل لفظ لم يثبت في الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات، فإننا نتوقف فيه؛ لأن هذا الباب توقيفي، ثم نستفصل في المعنى. ومن ذلك الجسم، فيستفصل: ماذا تريدون بالجسم؟ كما مر معنا: هل تريدون بالجسم الذات التي تقوم بها الصفات؟ فهذا غير ممتنع على الله؛ فإن الله قائم بنفسه، متصف بالصفات الكاملة التي تليق به سبحانه وتعالى بذاته. فلهذا فصل رحمه الله على القاعدة في الاستفصال في الألفاظ الموهمة؛ لأنه يحتمل للحق والباطل، كما بيّن رحمه الله تعالى. وأما ما يتعلق بإثبات صفة الاستواء، واللوازم الباطلة التي ادعوها، فبين وأجاب رحمه الله تعالى: أن هذه اللوازم غير صحيحة؛ لأن الله عز وجل لا يقاس بخلقه، شأن المخلوق هو الذي يفتقر إلى ما يستوي عليه. وما مثل ذلك إلا مثل من يريد أن يسوي صفة الخالق بصفة المخلوق، مما هو من خصائص المخلوق. وهذا الذي دفع الكثير من المعطلة إلى تعطيل الكثير من الصفات، فزعمهم أن إثبات صفة الرؤية لله عز وجل يقتضي الإحاطة التي تنافي الرب سبحانه وتعالى، والمكانية التي تنافي كمال الرب سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فإن قيل: هل يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه عليه كما فسره به المعطلة فرارًا من هذه اللوازم؟ فالجواب أنه لا يصح، وذلك لوجوه: منها الأول أن هذه اللوازم إن كانت حقًا، فإنها لا تمنع من تفسير استواء بمعناه الحقيقي. الثاني أن تفسيره بالاستيلاء يلزم عليه لوازم باطلة لا يمكن دفعها، كالخروج عن إجماع السلف، وجواز أن يقال: إن الله مستو على الأرض ونحوها، مما ينزه الله عنه. الثالث أن تفسيره بالاستيلاء غير معروف في اللغة، فهو كذب عليها، والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يمكن أن نفسره بما لا يعرفونه في لغتهم. الرابع أن الذي فسروه بالاستيلاء كانوا مقرين بأن هذا معنى مجازي، والمعنى المجازي لا يقبل إلا بعد تمام أربعة أمور: الأول الدليل الصحيح المقتضي لصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه. الثاني احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادعاه من حيث اللغة. الثالث احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادعاه في ذلك السياق المعين. الرابع أن يبين الدليل على أن المراد من المعاني المجازية هو ما ادعاه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد غيره، فلابد من دليل التعيين. والله عالم بهذا أن تفسير بالاستيلاء باطل أولًا كما ذكر من الأوجه الأربعة بطلان هذا التفسير؛ فهو لم يرد في الكتاب والسنة، ولم تدل عليه اللغة، بل ويلزم منه اللوازم الباطلة كما أشار إليه في الأوجه الأربعة رحمه الله. العرش في اللغة سرير الملك، قال الله تعالى عن يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه، فهو عرش عظيم محيط بالمخلوقات، وهو أكبرها، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». قال المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرسائل العرشية: والحديث له طرق، وقد رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، وأحمد في المسند وغيرهما. والكرسي في اللغة السرير، وما يقعد عليه، وأما الكرسي الذي أضافه الله إلى نفسه، فهو موضع قدميه تعالى، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: إنه على شرط الشيخين، وقد روي مرفوعًا، والصواب أنه موقوف. الباب الحادي عشر في المعية. أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مع خلقه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. ومن أدلة السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت»، وقوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر وهما في الغار: «لا تحزن إن الله معنا». وقد أجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها. والمعية في اللغة مطلق المقارنة والمصاحبة، لكن مقتضاها ولازمها يختلف باختلاف الإضافة وقرائن السياق والأحوال. فتارة تقتضي الاختلاط، كما يقال: جعلت الماء مع اللبن. وتارة تقتضي التهديد والإنذار، كما يقول المؤدب للجاني: اذهب فأنا معك. وتارة تقتضي النصر والتأييد، كما يقول لمن يستغيث به: أنا معك. إلى غير ذلك من اللوازم والمقتضيات المختلفة باختلاف الإضافة والقرائن والأحوال. ومثل هذا اللفظ الذي يتفق في أصل معناه ويختلف مقتضاه وحكمه باختلاف الإضافات والقرائن، يسميه بعض الناس مشككًا. لتشكيك المستمع: هل هو من قبيل المشترك الذي اتحد لفظه واختلف معناه؟ نظرًا لاختلاف مقتضاه وحكمه. أو هو من قبيل المتواطئ الذي اتحد لفظه ومعناه؟ نظرًا لأصل المعنى. والتحقيق أنه نوع من المتواطئ؛ لأن واضع اللغة وضع هذا اللفظ بإزاء القدر المشترك، واختلاف حكمه ومقتضاه إنما هو بحسب الإضافات والقرائن، لا بأصل الوضع. لكن لما كانت نوعًا خاصًا من المتواطئة، فلا بأس بتخصيصها بلفظ. إذا تبين ذلك، فقد اتضح أن لفظ المعية المضافة إلى الله مستعمل في حقيقته، لا في مجازه. غير أن معية الله لخلقه معية تليق به، فليست كمعية المخلوق للمخلوق، بل هي أعلى وأكمل. ولا يلحقها من اللوازم والخصائص ما يلحق معية المخلوق للمخلوق. هذا وقد فسر بعض السلف معية الله لخلقه بعلمه بهم، وهذا تفسير للمعية ببعض لوازمها، وغرضهم به الرد على حلولية الجهمية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، واستدلوا بنصوص المعية. فبين هؤلاء السلف أنه لا يراد من المعية كون الله معنا بذاته؛ فإن هذا محال عقلًا وشرعًا؛ لأنه ينافي ما وجب من علوه، ويقتضي أن تحيط به مخلوقاته، وهو محال. تنقسم معية الله لخلقه إلى قسمين: عامة وخاصة. فالعامة هي التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمن وكافر وبر وفاجر، في العلم والقدرة والتدبير والسلطان، وغير ذلك من معنى الربوبية. وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله عز وجل. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت». ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾. وأما الخاصة فهي التي تقتضي النصر والتأييد لمن أضيفت له، وهي مختصة بمن يستحق ذلك من الرسل وأتباعهم. وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة. ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. قوله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: «لا تحزن إن الله معنا». فإن قيل: هل المعية من صفات الله الذاتية أو من صفاته الفعلية؟ فالجواب أن المعية العامة من الصفات الذاتية؛ لأن مقتضياتها ثابته لله تعالى أزلًا وأبدًا. وأما المعية الخاصة فهي من الصفات الفعلية؛ لأن مقتضياتها تابعة لأسبابها، توجد بوجودها، وتنتفي بانتفائها. الباب الثاني عشر في الجمع بين نصوص علو الله بذاته ومعيته. قبل أن نذكر الجمع بينهما، نحب أن نقدم قاعدة نافعة، أشار إليها المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب العقل والنقل، وخلاصتها أنه إذا قيل بالتعارض بين دليلين، فإما أن يكونا قطعيين أو ظنيين أو أحدهما قطعيا والآخر ظنيًا. فهذه ثلاثة أقسام: الأول القطعيان، وهما ما يقطع العقل بثبوت مدلولهما، فالتعارض بينهما محال؛ لأن القول بجواز تعارضهما يستلزم إما وجوب ارتفاع أحدهما، وهو محال؛ لأن القطعي واجب الثبوت. وإما ثبوت كل منهما مع التعارض، وهو محال أيضًا؛ لأنه جمع بين النقيضين. فإن ظن التعارض بينهما، فإما أن لا يكونا قطعيين، وإما أن لا يكون بينهما تعارض بحيث يحمل أحدهما على وجه والثاني على وجه آخر. ولا دليل على ذلك ما يثبت نسخه من نصوص الكتاب والسنة القطعية؛ لأن الدليل المنسوخ غير قائم، فلا معارض للناسخ. الثاني أن يكونا ظنيين، إما من حيث الدلالة وإما من حيث الثبوت، فيطلب الترجيح بينهما، ثم يقدم الراجح. الثالث أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيًا، فيقدم القطعي باتفاق العقلاء؛ لأن اليقين لا يدفع بالظن. إذا تبين هذا، فنقول: لا ريب أن النصوص قد جاءت بإثبات علو الله بذاته فوق خلقه، وأنه معهم، وكل منهما قطعي الثبوت والدلالة. وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ففي هذه الآية أثبت الله تعالى استواءه على العرش الذي هو فوق المخلوقات، وأثبت أنه معنا. وليس بينهما تعارض؛ فإن الجمع بينهما ممكن، وبيان إمكانه من وجوه: الأول أن النصوص جمعت بينهما، فيمتنع أن يكون اجتماعهما محالًا؛ لأن النصوص لا تدل على محال. الثاني أنه لا منافاة بين معنى العلو والمعية؛ فإن المعية لا تستلزم الاختلاط والحلول في المكان، كما تقدم. فقد يكون الشيء عاليًا بذاته، وتضاف إليه المعية، كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر في السماء، ولا يعد ذلك تناقضًا لا في اللفظ ولا في المعنى. الثالث أنه لو فرض أن بين معنى العلو والمعية تناقضًا وتعارضًا في حق المخلوق، فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته. فلا تقاس معيته بمعية خلقه، ولا تقتضي معيته لهم أن يكون مختلطًا بهم أو حالًا في أمكنتهم؛ لوجوب علوه بذاته، ولأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو بكل شيء محيط. الباب الثالث عشر في نزول الله إلى السماء الدنيا. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثمانين نفسًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق أهل السنة على تلقي ذلك بالقبول. ونزول الله تعالى إلى السماء الدنيا من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته، هو نزول حقيقي يليق بجلاله وعظمته. ولا يصح تحريف معناه إلى نزول أمره أو رحمته أو ملك من ملائكته؛ فإن هذا باطل لوجوه: منها الأول أنه خلاف ظاهر الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف النزول إلى الله تعالى، والأصل أن الشيء إنما يضاف إلى من وقع منه أو قام به. فإذا صرف إلى غيره، كان ذلك تحريفًا يخالف الأصل. الثاني أن تصحيحه بذلك يقتضي أن يكون في الكلام شيء محذوف، والأصل عدم الحذف. الثالث أن نزول أمره ورحمته لا يختص بهذا الجزء من الليل، بل أمره ورحمته ينزلان في كل وقت. فإن قيل: المراد نزول أمر خاص ورحمة خاصة، وهذا لا يلزم أن يكون في كل وقت. فالجواب أنه لو فرض صحة هذا التقدير والتأويل، فإن الحديث يدل على أن منتهى نزول هذا الشيء هو السماء الدنيا، وأي فائدة لنا في نزول رحمة إلى السماء الدنيا حتى يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عنها؟ الرابع أن الحديث دل على أن الذي ينزل ويقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». ولا يمكن أن يقول ذلك أحد سوى الله سبحانه وتعالى. فصل في الجمع بين نصوص علو الله بذاته ونزوله إلى السماء الدنيا. علو الله تعالى من صفاته الذاتية التي لا يمكن أن ينفك عنها، هو لا ينافي ما جاءت به النصوص من نزوله إلى السماء الدنيا. والجمع بينهما من وجهين: الأول أن النصوص جمعت بينهما، والنصوص لا تأتي بالمحال، كما تقدم. الثاني أن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فليس نزوله كنزول المخلوقين، حتى يقال: إنه ينافي علوه، وهو يناقضه. الباب الرابع عشر في إثبات الوجه لله تعالى. ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن لله وجهًا حقيقيًا يليق به، موصوفًا بالجلال والإكرام، وقد دل على ثبوته لله الكتاب والسنة. ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوَ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. ومن أدلة السنة غض النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». وجه الله تعالى من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة، الوجه اللائق به. ولا يصح تحريف معناه إلى الثواب لوجوه: منها أولًا أنه خلاف ظاهر النص، وما كان مخالفًا لظاهر النص، فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك. ثانيًا أن هذا الوجه ورد في النصوص مضافًا إلى الله تعالى، والمضاف إلى الله إما أن يكون شيئًا قائمًا بنفسه، وإما أن يكون غير قائم بنفسه. فإن كان قائمًا بنفسه، فهو مخلوق، وليس من صفاته، كبيت الله، وناقة الله، وإنما أضيف إليه إما للتشريف، وإما من باب إضافة المملوك والمخلوق إلى مالكه وخالقه. وإن كان غير قائم بنفسه، فهو من صفات الله، وليس من مخلوق، كعلم الله، وقدرته، وعزته، وكلامه، ويده، وعينه، ونحو ذلك. والوجه بلا ريب من هذا النوع، فإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ثالثًا أن الثواب مخلوق بائن عن الله تعالى، والوجه صفة من صفات الله، غير مخلوق، ولا بائن، فكيف يفسر هذا بهذا؟ طبعًا أن ذلك الوجه وصف بالنصوص بالجلال والإكرام، وبأنه له نور، يستعاذ به، ﴿سُبْحَاتٌ تَحْرِقُ مَنْ تَهَلَّلَ إِلَيْهِ بِبَصَرِهِ مِنْ خَلْقِهِ﴾، وكل هذه الأوصاف تمنع أن يكون المراد به الثواب.