الدرس في التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول إثبات صفة اليدين لله عز وجل مستندًا إلى الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. يُثبت أن لله يدين حقيقيتين لا تشبهان أيدي المخلوقين.
يُبيّن أن الله يتكلم، وأن كلامه صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به، يتكلم بحرف وصوت. وقد دل على هذا القول الكتاب والسنة.
يتناول تفاصيل صفة الكلام لله، ويبين أن الكلام صفة ذاتية فعلية لله، ويعدد مسائل مهمة تتعلق بهذه الصفة، ويُثبت أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا العلامة محمد صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، فتح رب البرية تلخيص الحموية. وكان أخذ ما أخذناه يتعلق بصفة الوجه، واليوم إن شاء الله في الصفة التي بعدها. قال شيخنا رحمه الله وغفر الله له ولشيخنا وللقارئ والسامعين: الباب الخامس عشر في يدي الله عز وجل. أذهب أهل السنة والجماعة إلى أن لله تعالى يدين اثنتين مبسطتين بالعطاء والنعم، وهما من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به. وقد دل على ثبوتهما الكتاب والسنة. ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومن أدلة السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «يد الله ملأ سحاء الليل والنهار». أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه. وقد أجمع أهل السنة على أنهما يدان حقيقيتان، لا تشبهان أيدي المخلوقين، ولا يصح تحريف معناهما إلى القوة أو النعمة أو نحو ذلك، لوجوه منها: أولًا: أنه صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل. ثانيًا: أنه معنى تأباه اللغة في مثل استياق الذي جاءت به مضافة إلى الله تعالى. فإن الله قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ولا يصح أن يكون المعنى: لما خلقت بنعمتي أو قوتي. ثالثًا: أنه ورد إضافة اليد إلى الله بصيغة التثنية، ولم يوجد في الكتاب والسنة ولا في موضع واحد إضافة النعمة والقوة إلى الله بصيغة التثنية، فكيف يفسر هذا بهذا؟ رابعًا: أنه لو كان المراد بهما القوة، لصح أن يقال: إن الله خلق إبليس بيده، ونحو ذلك، وهذا ممتنع. ولو كان جائزًا لحدج به إبليس على ربه حين قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. خامسًا: أن اليد التي أضافها الله إلى نفسه تصرفت تصرفًا يمنع أن يكون المراد بها النعمة أو القوة، فجاءت بلفظ اليد والكف، وجاء إثبات الأصابع لله تعالى، والقبض والهز، كقوله صلى الله عليه وسلم: «يقبض الله سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك». وهذه التصرفات تمنع أن يكون المراد بها النعمة أو القوة. هذا الباب جعله رحمه الله تعالى في إثبات صفة اليدين لله عز وجل. وكما أشار رحمه الله تعالى، أن إثبات صفة اليدين لله عز وجل دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. فأدلة الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلَعَنُوهُمْ بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقولوا سبحانه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، ونحو ذلك من الأدلة. وفي السنة أحاديث كثيرة سيأتي بعضها. وكذلك نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على إثبات صفة اليدين لله عز وجل، وهي من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال سبحانه وتعالى متصفًا بها. وهذه الصفات المتعلقة بوصف ذات الرب سبحانه وتعالى تسمى صفات خبرية، يعني أن إثباتها بطريق الخبر. مثل الوجه واليدين والعين والقدم والساق والساعد والأصابع، ونحو ذلك مما جاء ذكره في الكتاب والصحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فنحن يجب علينا أن نثبت ما أثبته الله عز وجل لنفسه على ما يليق بجلاله وعظمته. فكما أننا نثبت لله ذاتًا لا كالذوات، فكذلك نثبت صفات لا كالصفات. ولا يجوز أن ننفي الصفة عن الله عز وجل لكون هذه الصفة موجودة مثلها في حق المخلوق، فيقال: ما كان للمخلوق يليق بضعفه ونقصه، وما كان لله عز وجل يليق بكماله وعظمته سبحانه وتعالى. وقد تقدم معنا الكلام على هذا بما يغني عن الإعادة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بطلان تحريف المحرفة لصفة اليد بأنها النعمة أو الإحسان أو غير ذلك من التعبيرات التي يحرف بها اللفظ عن ظاهره. وقد مر معنا أن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه لفظًا ومعنى، لا يجوز لنا أن نثبت لفظًا بدون معنى، كما لا يجوز أن ننفي اللفظ والمعنى. فإن كمال التسليم لله عز وجل بإثبات اللفظ ومعناه، وتحريف المعنى إلى النعمة أو الإحسان أو نحو ذلك باطل. ووجه الشيخ رحمه الله تعالى أوجه البطلان من هذه الأوجه الخمسة التي أشار إليها رحمه الله تعالى. وبعضهم أضاف أوجهًا أخرى تزيد على هذه الخمسة. وكما أشار رحمه الله تعالى، أن هذا الذي ذكروه مع بطلانه من هذه الأوجه الخمسة، ينضاف إلى ذلك أن وصف الصفات الخبرية المتعلقة باليد قد جاءت مفصلة في أحاديث كثيرة، لا يمكن أن تحرف إلى المعنى الذي زعموه في اليدين. فإن كانت في اليدين النعمة كما يزعمون، أو الإحسان، فماذا سيقولون عن الكف وعن الأصابع وعن القبضة ونحوها مما ثبتت به السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم هب أن المقصود باليد النعمة أو الإحسان، فيقال: لو استطعتم وتكلفتم الأدلة وركبتم الشيء فوق ما يحتمله وما لا يحتمله في دليل، فماذا تصنعون بالأدلة الأخرى الكثيرة؟ فإنه من المحال أن يحمل مثل هذا اللفظ على مثل هذه الأوجه كلها. فهذا الشيء لا يمكن أن يكون، بل وجوده على هذا النحو يؤكد أن المراد إثبات ظاهر المعنى. فإنه جاء من عدة أوجه ليتأكد إثبات اليدين على حقيقتهما وظاهرهما بما يليق بجلال الله وعظمته. وما قيل في اليد كذلك يقال في سائر الصفات الخبرية التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى، إما في كتابه أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف شاء». هذا فيه دليل أولًا على إثبات الأصابع لله عز وجل على ما يليق بجلال الله وعظمته، وتأكيد إثبات صفة اليدين، وأن لليدين أصابع. فإن قيل كما زعم هؤلاء المعطلة: إثبات الأصابع فيه تشبيه الخالق والمخلوق، فيقال: هذا كذب، بل فيه أن الخالق من كمال خلقته سبحانه وتعالى، من كمال ذاته سبحانه وتعالى، أنه له ذات لا كذوات المخلوقين، تليق بعظمته سبحانه وتعالى. بخلاف المخلوقين، لهم من الخلقة ما يليق بنقصه وضعفه. فنحن نثبت الأسماء، لكن الحقائق تختلف. كما نثبت لله ذاتًا لا كالذوات، فنثبت لله الصفات لا كالصفات. فلله يد، لكن هذه اليد تليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. لله أصابع تليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهكذا قل في سائر ما جاء في هذا الباب، وفي غيره. أثبت الله عز وجل لنفسه أن له قبضة، يقبض الله سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فهذا ونظائره يؤكد أولًا إثبات صفة اليد، ويثبت ثانيًا القبضة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال رحمه الله: الباب السادس عشر في عين الله تعالى. أذهب أهل السنة والجماعة إلى أن لله عينين اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به، وهما من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة. ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم ليس بعور، ينظر إليكم أزلين قانطين، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت صبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه». فهما عينان حقيقيتان، لا تشبهان أعين المخلوقين، ولا يصح تحريف معناهما إلى العلم والرؤية، لوجوه منها: أولًا: أنه صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل. ثانيًا: أن في النصوص ما يمنع ذلك، مثل قولي صلى الله عليه وسلم: «ينظر إليكم لأحرق الصبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه»، و«إن ربكم ليس بعور». هذه كذلك صفة أخرى لله عز وجل من الصفات الخبرية الذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها سبحانه وتعالى. وهو إثبات العينين لله عز وجل. وثبت إثبات العينين لله عز وجل بدليل الكتاب والسنة من جهة المعنى، والإجماع من جهة اللفظ. أصل صفة العين لله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، لكن التثنية في ذلك ثبت بالإجماع ومفهوم النص. فهم من النص أنه يثبت لله العينان على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، كالدارمي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهما من أهل العلم، فيما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. ولا يجوز تحريف هذه الصفة لأي معنى من المعاني، بل تمام التسليم أن نثبت هذه الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته، نثبت اللفظ والمعنى. قال رحمه الله: الباب السابع عشر في الوجوه التي وردت عليها صفة اليدين والعينين. وردت صفة اليدين والعينين في النصوص مضافة إلى الله تعالى على ثلاثة أوجه: الإفراد والتثنية والجمع. فمن أمثلة الإفراد قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. ومن أمثلة الجمع قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، و﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. ومن أمثلة التثنية قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام العبد في الصلاة، قام بين عيني الرحمن». هكذا هو في مختصر الصواعق عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يعزه، ولم ترد صفة العينين في القرآن بصورة التثنية. هذه هي الوجوه الثلاثة التي وردت عليها صفة اليدين والعينين. والجمع بين هذه الوجوه أن يقال: إن الإفراد لا ينافي التثنية ولا الجمع، لأن المفرد المضاف يعم فيتناول كل ما ثبت لله من يد أو عين، واحدة كانت أو أكثر. وأما الجمع بينما جاء بلفظ التثنية وبلفظ الجمع، فإن قلنا: أقل الجمع اثنان، فلا منافاة أصلًا بين صيغتي التثنية والجمع لاتحادي مدلوليهما. وإن قلنا: أقل الجمع ثلاثة، وهو المشهور، فالجمع بينهما أن يقال: إنه لا يراد من صيغة الجمع مدلولها الذي هو ثلاثة فأكثر، وإنما أريد بها التعظيم، ومناسبة المضاف للمضاف إليه. فإن المضاف إليه وهو الله لا يراد به هنا التعظيم قطعًا، فناسب أن يؤتى بالمضاف بصيغة الجمع ليناسب المضاف إليه. فإن الجمع أدل على التعظيم من الإفراد والتثنية. وإذا كان كل من المضاف والمضاف إليه دالًا على التعظيم، حصل من بينهما تعظيم أبلغ. هذا المبحث جعله رحمه الله لإزالة الإشكال الذي أورده بعض أهل التعطيل لتحريف صفة اليدين والعينين لله عز وجل. فزعموا أن هذا تناقض، كيف يأتي إثبات صفة العين واليد، ثم العينين واليدين، ثم الأيدي والأعين؟ وأجاب الشيخ رحمه الله بهذا الجواب الواضح الظاهر، كما سبقه إلى ذلك غيره من أهل العلم. فالإفراد لإثبات جنس العين الذي لا ينافي التثنية ولا الجمع، والإجمع لإثبات التعظيم، والتثنية لإثبات العدد على ما يليق بجلال الله وعظمته، فلا تعارض بين هذه الأوجه الثلاثة. قال رحمه الله: الباب الثامن عشر في كلام الله سبحانه وتعالى. اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله يتكلم، وأن كلامه صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به، هو سبحانه يتكلم بحرف وصوت، كيف يشاء متى شاء. فكلامه صفة ذات باعتبار جنسه، وصفة فعل باعتبار آحاده. وقد دل على هذا القول الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ﴾. ففي الآيات الأولى إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته، وأن آحاده حادثة. وفي الآيات الثانية دليل على أنه بحرف، فإنه مقول القول فيها حروف. وفي الآيات الثالثة دليل على أنه بصوت، إذ لا يعقل النداء والمناجاة إلا بصوت. ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، وينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار». وكلامه سبحانه هو اللفظ والمعنى جميعًا، ليس هو اللفظ وحده، أو المعنى وحده. هذا هو قول أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى. أما أقوال غيرهم، فملخصها: أولًا: قول الكرامية، وهو قول أهل السنة إلا أنهم قالوا: إنه حادث بعد أن لم يكن، فرارًا من إثبات حوادث لا أول لها. ثانيًا: قول الكلابية: إنه معنى قائم بذاته لازم، كلزوم الحياة والعلم، فلا يتعلق بمشيئته، والحروف والأصوات حكاية عنه، خلقها الله لتدل على ذلك المعنى القائم بذاته. وهو أربعة معان: أمر ونهي وخبر واستخبار. ثالثًا: قول الأشعرية، وهو قول الكلابية إلا أنهم يخالفونهم في شيئين: أحدهما في معاني الكلام، فالكلابية يقولون: إنه أربعة معان، والأشعرية يقولون: إنه معنى واحد، فالخبر والاستخبار والأمر والنهي كل منهما هو عين الآخر، وليسا أنواعًا للكلام، بل صفات له. بل التوراة والإنجيل والقرآن كل واحد منهما عين الآخر، لا تختلف إلا بالعبارة. الثاني: أن الكلابية قالوا: إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله، وأما الأشعرية فقالوا: إنها عبارة عن كلام الله. رابعًا: قول السالمية: أنه صفة قائمة بذاته لازمة لها، كثبوت الحياة والعلم، فلا يتعلق بمشيئته، وهو حروف وأصوات متقرنة، لا يسبق بعضها بعضًا. خامسًا: قول الجهمية والمعتزلة: إنه مخلوق من المخلوقات، وليس من صفات الله. ثم من الجهمية من صرح بنفي الكلام عن الله، ومنهم من أقر به وقال: إنه مخلوق. سادسًا: قول فلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو: أنه فيض من العقل والفعال على النفوس الفاضلة الزكية، بحسب استعدادها وقبولها، فيوجب لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه. وهذه التصورات والتصديقات المتخيلة تقوى حتى تصور الشيء المعقول صورًا نورانية تخاطبها بكلام تسمعه الآذان. سابعًا: قول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود: إن كل كلام في الوجود كلام الله، كما قال قائلهم: «وكل كلام في الوجود كلامه، سواء علينا نثره ونظامه». وكل هذه الأقوال مخالفة لما دل عليه الكتاب والسنة والعقل. هذا المبحث جعله رحمه الله في الكلام على صفة الكلام لله عز وجل. وصفة الكلام كما تقدم معنا من الصفات الذاتية الفعلية، فهي باعتبار أصلها ذاتية، وباعتبار آحادها فعلية. هكذا دلت أدلة الكتاب والسنة. وتحت مبحث صفة الكلام لله عز وجل مسائل كثيرة، أهمها أربع مسائل. أولها: أننا نثبت أن الله عز وجل يتكلم، فكوننا نثبت الكلام لله عز وجل هذا إثبات لصفة ذاتية لم يزل ولا يزال متصفًا بها سبحانه وتعالى. الثاني: أننا نثبت لله عز وجل فعل الكلام، يتكلم ما تشاء وبما شاء. وهذا كذلك ثابت بأدلة الكتاب والسنة. والرابع: أنه سبحانه وتعالى تكلم بما شاء، ومن ذلك أنه كلم أنبياءه ورسله، وتكلم بكتبه المنزلة على أنبيائه ورسله، فتكلم بالعبرية المنزلة بها التوراة، وتكلم بالإنجيل، وتكلم باللسان العربي بالقرآن. وهذا كذلك نثبته على ما يليق بجلال الله وعظمته. والأمر الرابع: أنه سبحانه وتعالى تكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته، بحرف وصوت. وحين نقول: بحرف، بحسب اللغة التي تكلم بها، فالتوراة والإنجيل بلغتهما، والقرآن بلغته. وكلم موسى بلغته، وكلم نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بلغته، وهكذا كلامه مع من شاء وبما شاء سبحانه وتعالى. وقد أشار الشيخ رحمه الله إلى معنى هذه المسائل على وجه الإجمال. فأدلة الكتاب والسنة كثيرة التي تثبت لله عز وجل الكلام. وكلم الله موسى وتكليمًا في إثبات الكلام لله عز وجل، وإثبات تكليم الله عز وجل لموسى. وهكذا كذلك كلم نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم كما في قصة الإسراء والحديث الصحيحين. وهكذا تكلم بالقرآن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذا القرآن أمته، وأن يسمعه المشركين. ومما يدل على أنه بحرف وصوت قوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فالمسموع هو كلام الله بحروفه. فإذا كلام الله بحرف، وأما كونه بصوت لأنه لأن الأنبياء سمعوه من الرب سبحانه وتعالى مباشرة بغير حجاب. كما في قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وهكذا تكليم الرب سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. بل جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». فالله يوم القيامة سيتكلم ويكلم ويخلو بمن يكلم، كل هذا قليل من كثير من الأدلة التي وردت في إثبات الكلام لله عز وجل. فإذا علمنا أن الكلام ثابت لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الكلام صفة لله سبحانه وتعالى، إذن هذه الصفة للخالق لا يمكن أن تكون مخلوقة. ودلت أدلة الكتاب والسنة. وهذه المسألة الخامسة: أن كلام الله ليس بمخلوق، وأن القرآن من كلام الله، ليس بمخلوق. ومما يدل على ذلك أن كلام الله عمومًا ليس بمخلوق، قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فإنه لا يتعوذ بالمخلوق، وإنما يتعوذ بالخالق وصفاته التي ليست بمخلوقة. واستدل الإمام أحمد رحمه الله بهذا الحديث في محنة القرآن على أن كلام الله ليس بمخلوق. وهكذا القرآن ليس بمخلوق، لقول الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق بين الخلق والأمر، ومن الأمر الأمر الشرعي الذي هو القرآن، فعلم أن القرآن ليس بمخلوق. وغير ذلك كثير من الأدلة التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله: فصل في أن القرآن كلام الله. مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل، فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. وقد دل على هذا القول الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، يعني القرآن. وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ فِي لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ومن أدلة السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «وهو يعرض نفسه على الناس في الموقف، ألا رجل يحملني إلى قوم لأبلغ كلام ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل». وقوله صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه: «إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». وقال عمر بن دينار رحمه الله: «أدركت الناس منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود». ومعنى قولهم: «منه بدأ»، أن الله تكلم به ابتداء. وفيه رد على الجهمية القائلين بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: «وإليه يعود»، فيحتمل معنيين: أحدهما: أنه تعود صفة الكلام بالقرآن إليه، بمعنى أن أحدًا لا يوصف بأنه تكلم به غير الله، لأنه هو المتكلم به، والكلام صفة للمتكلم. الثاني: أنه يرفع إلى الله تعالى، كما جاء في بعض الآثار: أنه يسري به من المصاحف والصدور، وذلك إنما يقع حين يعرض الناس عن العمل بالقرآن عراضًا كلية، فيرفع عنهم تكريمًا له. والله المستعان. فصل في اللفظ والملفوظ. الكلام في هذا الفصل يتعلق بالقرآن، فإنه قد سبق أن القرآن كلام الله غير مخلوق. لكن اللفظ بالقرآن، هل يصح أن نقول: إنه مخلوق أو غير مخلوق، أو يجب السكوت؟ فالجواب أن يقال: إن إطلاق القول في هذا نفيًا أو إثباتًا غير صحيح. وأما عند التفصيل، فيقال: إن أريد باللفظ التلفظ الذي هو فعل العبد، فهو مخلوق، لأن العبد وفعله مخلوقان. وإن أريد باللفظ الملفوظ به، فهو كلام الله غير مخلوق، لأن كلام الله من صفاته، وصفاته غير مخلوقة. ويشير إلى هذا التفصيل قول الإمام أحمد رحمه الله: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي». فقوله: «يريد به القرآن»، يدل على أنه إن أراد به غير القرآن، وهو التلفظ الذي هو فعل، فليس بجهمي. فهذان مبحثان من مباحث الكلام، تتمة لما سبق من إثبات صفة الكلام لله عز وجل. أما الأول، فهو إثبات أن القرآن كلام الله. وقد تقدم الكلام على هذا، وذكرت هنا الأدلة الكثيرة التي تدل على ذلك. نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين، أي هذا القرآن. وقال الله عز وجل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسمى القرآن كلامًا له سبحانه وتعالى. وأدلة هذا كثيرة في الكتاب والسنة، والمنقول عن سلف الأمة. ولم ينف ذلك إلا المعطلة على ما تقدم من قاعدتهم في زعمهم تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن مشابهته للمخلوقين. فالقرآن كلام الله سبحانه وتعالى، ولا يصح أن يقال: القرآن مخلوق، بدليل قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فيقال: خالق كل شيء فيما سوى الله. أما ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، ومنه القرآن الذي هو صفة من صفات كلام الله، فهذا ليس بمخلوق. وتكلم العلماء على الاستثناء الحسي، وكذلك يعني اللغوي، وغير ذلك مما يبين بطلان قول هؤلاء فيما زعموه. ثم بيّن الشيخ رحمه الله بعض المسائل من كون القرآن منه بدأ وإليه يعود، كما روي عن عمر بن دينار: «أدركت الناس منذ سبعين سنة، يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود». منه بدأ، أي التكلم به، فالكلام ينسب لمن قاله ابتداء. كون جبريل نقله لا يخرج عن كونه كلامًا لله عز وجل، وكون جبريل أوصله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبينا أوصله إلى أمته، لا يخرج عن كونه كلامًا لله عز وجل. فالكلام ينسب ويوصف به من قاله ابتداء. وكلام المخلوق مخلوق، وكلام الخالق ليس بمخلوق. مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، لو تكلم به ما لا يحصيهم إلا الله من البشر، هل يخرجه كونه حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. فحين يقول القائل: «إنما الأعمال بالنيات»، يقال: هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الكلام يرجع إلى من قاله ابتداء. وهكذا كذلك يقال في القرآن. وأما وإليه يعود، كما قال الشيخ: أن يرفع يوم القيامة، فيرجع إليه كما بدأ منه. والتفسير الثاني: وإليه يعود وصفًا، فمهما تكلم به الناس لا يخرجه عن كونه كلامًا لله عز وجل، فهو يعود إلى الله وصفًا. فكلام الله ليس بمخلوق. ثم تكلم الشيخ رحمه الله على مسألة اللفظ والملفوظ. وهذه المسألة تتناولها معنيين اثنين: المعنى الأول ما يتعلق بفعل العبد الذي هو مخلوق، والمعنى الثاني ما يتعلق بكلام الرب سبحانه وتعالى الذي هو ليس بمخلوق. ولذلك نقل عن الإمام أحمد رحمه الله هذه العبارة المشهورة التي أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي». وفي رواية: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع». لماذا هنا جهمي وهنا مبتدع؟ لأن كلمة «لفظي بالقرآن مخلوق» تتناول شيئين اثنين: الأول القرآن الذي هو كلام الله، والثاني فعل العبد الذي هو ليس مخلوق. فإذا قال: مخلوق، أدخل القرآن الذي هو كلام الله بأنه مخلوق، وهذا قول الجهمية. وإذا قال: غير مخلوق، جعل أثبت القرآن أنه غير مخلوق، ولكن أدخل فعل العبد بأنه ماذا؟ كذلك غير مخلوق، وهذا مناف لعقيدة أهل السنة في باب القدر، فيوافق بهذا القدرية، فيكون مبتدعًا. إذن ما هو الصواب؟ الصواب التفصيل. نفصل بين اللفظ والمنفوظ، والقراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب. فنقول: المكتوب والمقروء والمحفوظ كله كلام الله، والقرآن كلام الله، والقراءة والكتابة والحفظ هذه أفعال المخلوقين مخلوقة. فنفرق بين أفعال المخلوقين مخلوقة، وبين ما يرجع إلى الله من أصل كلام الله، فهو ليس بمخلوق. فنقول: لابد من التفريق بين المقروء والمحفوظ والمكتوب إذا هو القرآن، فهو ليس بمخلوق، وبين القراءة والحفظ والكتابة، هذا فعل المخلوق وهو ماذا؟ مخلوق. والله خلقكم وما تعملون، أي وعملكم. وبهذا يزول الإشكال. فإذن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل على الذي سمعناه. إلى هنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.