الدرس في التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش العلامة العثيمين أقسام المنحرفين عن الاستقامة في الإيمان، ويصنفهم إلى ثلاث طوائف، ويرد على شبهاتهم وأخطائهم. يبرز فساد قولهم وعدم صحة تأويلهم لنصوص الصفات.
يتناول المقطع بيان ضلال الفرق في الإيمان بالله واليوم الآخر، ويصنفهم إلى أربع فرق، ويبين أن ضلالهم ناتج عن عدم امتثالهم لما في الكتاب والسنة. يوضح أنهم أتوا بشيء ليس في الكتاب والسنة.
يناقش المقطع انقسام أهل القبلة إلى ست طوائف في التعامل مع آيات وأحاديث الصفات، ويوضح موقف كل طائفة وآراءهم المختلفة. يُظهر المقطع أيضًا تفنيد الشبهات التي يستدل بها أهل التخيل والظلال.
بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-. فتح رب البرية بتلخيص الحموية، وآخر ما وقفنا عليه ما ذكره -رحمه الله- من أحوال المنحرفين والرد عليهم. نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال العلامة العثيمين -رحمه الله تعالى-: «الباب الثالث والعشرون: في أقسام المنحرفين عن الاستقامة في باب الإيمان بالله واليوم الآخر». طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان على الصراط المستقيم -علمًا وعملًا-، يعرف ذلك من تتبعها بعلم وعدل، فقد حققوا الإيمان بالله واليوم الآخر، وأقروا بأن ذلك حق على حقيقته، وهم في عملهم مخلصون لله، متبعون لشرعه، فلا شرك ولا ابتداع، ولا تحريف، ولا تكذيب. وأما المنحرفون عن طريقتهم، فهم ثلاث طوائف: أهل التخيل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل. فأما أهل التخيل، فهم الفلاسفة، والباطنية، ومن سلك سبيلهم من المتكلمين وغيرهم. وحقيقة مذهبهم أن ما جاءت به الأنبياء مما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر أمثال وتخيلات، لا حقيقة لها في الواقع، وإنما المقصود بها انتفاع العامة وجمهور الناس؛ لأن الناس إذا قيل لهم: «إن لكم ربًا عظيمًا قادرًا رحيمًا قاهرًا، وإن أمامكم يومًا عظيمًا تبعثون فيه وتجازون بأعمالكم، ونحو ذلك»، استقاموا على الطريقة المطلوبة منهم. ثم إن هؤلاء على قسمين: غلاة، وغير غلاة. فأما الغلاة، فيزعمون أن الأنبياء لا يعلمون حقائق هذه الأمور، وأن من المتفلسفة الإلهية، ومن يزعمونهم أولياء من يعلم هذه الحقائق. فزعموا أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر من النبيين الذين هم أعلم الناس بذلك. وأما غير الغلاة، فيزعمون أن الأنبياء يعلمون حقائق هذه الأمور، ولكنهم ذكروا للناس أمورًا تخيلية لا تطابق الحق؛ لتقوم مصلحة الناس. فالطائفة الأولى حكمت على الرسل بالجهل، والطائفة الثانية حكمت عليهم بالخيانة والكذب. هذا هو قول أهل التخيل فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر. أما في الأعمال، فمنهم من يجعلها حقائق يؤمر بها كل أحد، ومنهم من يجعلها تخيلات ورموزًا يؤمر بها العامة دون الخاصة. وهؤلاء هم الملاحدة من الإسماعيلية والباطنية ونحوهم. وفساد قول هؤلاء معلوم بضرورة الحس والعقل والشرع؛ فإننا نشاهد من الآيات الدالة على وجود الله وكمال صفاته ما لا يمكن حصره. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ﴿فَإِنَّ هَٰذِهِ الْحَوَادِثَ الْمُنْتَظِمَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُثَ إِلَّا بِمُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والإيمان باليوم الآخر دلت عليه جميع الشرائع، واقتضته حكمة الله البالغة، ولا ينكره إلا مكابر أو مجنون. وأهل التخيل لا يحتاجون في الرد عليهم إلا إلى شيء كثير؛ لأن نفور الناس عنهم معلوم ظاهر. وأما أهل التأويل، فهم المتكلمون من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم. وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من نصوص الصفات مجاز، لم يقصد به ظاهره، وإنما المقصود به معاني تخالفه، يعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه تركها للناس يستنتجونها بعقولهم. ثم يحاولون صرف ظواهر النصوص إليها. فغرضه بذلك امتحان عقولهم، وكفى بالثواب بما يعانونه من محاولة صرف الكلام عن ظاهره، وتنزيله على شواذ اللغة وغرائب الكلام. وهؤلاء هم أكثر الناس اضطرابًا وتناقضًا؛ لأنهم ليس لهم قدم ثابتة فيما يمكن تأويله وما لا يمكن، ولا في تعيين المعنى المراد. ثم إن غالب ما يزعمونه من المعاني يعلم من حال المتكلم وسياق كلامه أنه لم يرده في ذلك الخطاب المعين الذي أولوه. وهؤلاء كانوا يتظاهرون بنصر السنة، ويتسترون بالتنزيه، ولكن الله -تعالى- هتك أستارهم برد شبهاتهم ودحض حججهم. فلقد تصدى شيخ الإسلام وغيره للرد عليهم أكثر من غيرهم؛ لأن الاضطرار بهم أكثر من الاضطرار بغيرهم لما يتظاهرون به من نصر السنة. «فصل: مذهب أهل التأويل في نصوص المعاد: الإيمان بها على حقيقتها من غير تأويل». ولما كان مذهبهم في نصوص الصفات صرفها عن حقائقها إلى معاني مجازية تخالف ظاهرها، استطال عليهم أهل التخيل، فألزموهم القول بتأويل نصوص المعاد كما فعلوا في نصوص الصفات. فقال أهل التأويل لهم: «نحن نعلم بالإضطرار أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاء بإثبات المعاد، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوته». انتهى. وهذا جواب صحيح، حجة قاطعة، ترجع إلى الدفاع عنهم في عدم تأويلهم نصوص المعاد، وإلزام أهل التخيل أن يقولوا بإثبات المعاد، وإجراء نصوصه على حقائقها. وأهل السنة يحتجون على أهل التأويل بهذه الحجة نفسها؛ ليقولوا بثبوت الصفات، وإجراء نصوصها على حقيقتها. فيقولون لأهل التأويل: «نحن نعلم بالإضطرار أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاء بإثبات الصفات لله، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فلزم القول بثبوتها». وهذا إلزام صحيح، وحجة قائمة لا محيد لأهل التأويل عنها. «فصل: وأما أهل التجهيل، فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف». وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من نصوص الصفات ألفاظ مجهولة، لا يعرف معناها، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يتكلم بأحاديث الصفات ولا يعرف معناها. ثم هم مع ذلك يقولون: «ليس للعقل مدخل في باب الصفات». فيلزم على قولهم أن لا يكون عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأئمة السلف في هذا الباب علوم قليلة ولا سمعية. وهذا من أبطل الأقوال. وطريقتهم في نصوص الصفات إمرار لفظها مع تفويض معناها. ومنهم من يتناقض فيقول: «تجرى على ظاهرها مع أن لها تأويلًا يخالفه لا يعلمه إلا الله». وهذا ظاهر التناقض؛ فإنه إذا كان المقصود بها التأويل الذي يخالف الظاهر وهو لا يعلمه إلا الله، فكيف يمكن إجراؤها على ظاهرها؟ وقد قال الشيخ -رحمه الله تعالى- عن طريقة هؤلاء في كتاب «العقل والنقل»: «فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد». والشبهة التي احتج بها أهل التجهيل هي الوقف على «إلا الله» من قوله -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وقد بنوا شبهتهم على مقدمتين: الأولى: أن آيات الصفات من المتشابه. الثانية: أن التأويل المذكور في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر. فتكون النتيجة: أن لآيات الصفات معنى يخالف ظاهرها لا يعلمه إلا الله. والرد عليهم من وجوه: الأول: أن نسألهم ماذا يريدون بالتشابه الذي أطلقوه على آيات الصفات؟ أيريدون اشتباه المعنى وخفاءه؟ أم يريدون اشتباه الحقيقة وخفاءها؟ فإن أرادوا المعنى الأول -وهو مرادهم- فليست آيات الصفات منه؛ لأنها ظاهرة المعنى. ﴿وَإِنْ أَرَادُوا الْمَعْنَى الثَّانِي فَآيَةُ الصِّفَاتِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَقِيقَتَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى﴾. وبهذا عرف أنه لا يسع إطلاق التشابه على آيات الصفات، بل لا بد من التفصيل السابق. الثاني: أن قولهم: «إن التأويل المذكور في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر» غير صحيح. فإن هذا المعنى للتأويل استصلاح حادث لم يعرفه العرب والصحابة الذين نزل القرآن بلغتهم. وإنما المعروف عندهم أن التأويل يراد به معنيان: الأول: إما التفسير، ويكون التأويل على هذا معلومًا لأولي العلم، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنا من الراسخين في العلم الذي يعلمون تأويله». وعليه يحمل وقف كثير من السلف على قوله -تعالى-: «والراسخون في العلم» من الآيات السابقة. الثاني: إما حقيقة الشيء ومآله. وعلى هذا يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر غير معلوم لنا؛ لأن ذلك هو الحقيقة والكيفية التي هو عليها، وهو مجهول لنا، كما قاله مالك وغيره في «الاستواء» وغيره. وعليه يحمل وقف جمهور السلف على قوله -تعالى-: «وما يعلم تأويله إلا الله» من الآية السابقة. الوجه الثالث: أن الله أنزل القرآن للتدبر، فحثنا على تدبره كله، ولم يستثن آيات الصفات. والحث على تدبره يقتضي أنه يمكن الوصول إلى معناه. وإلا لم يكن للحث على تدبره معنى؛ لأن الحث على شيء لا يمكن الوصول إليه لغو من القول ينزه كلام الله، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- عنه. «الرابع: أن قولهم يستلزم أن يكون الله قد أنزل في كتابه المبين ألفاظًا جوفاء لا يبين بها الحق، وإنما هي بمنزلة الحروف الهجائية والأبجدية». وهذا ينافي حكمة الله التي أنزل الله الكتاب، وأرسل الرسول من أجلها. «تنبيه: علم مما سبق أن معاني التأويل ثلاثة: الأول: التفسير، وهو إضاح المعنى وبيانه». وهذا استصلاح جمهور المفسرين. ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». وهذا معلوم عند العلماء في آية الصفات وغيرها. الثاني: الحقيقة التي يؤول الشيء إليها. وهذا هو المعروف من معنى التأويل في الكتاب والسنة، كما قال -تعالى-: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فتأويل آية الصفات بهذا المعنى هو الكنه والحقيقة التي هي عليها. وهذا لا يعلمه إلا الله. الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر. وهو استصلاح المتأخرين من المتكلمين وغيرهم. وهذا نوعان: صحيح، وفاسد. فالصحيح: ما دل الدليل عليه، مثل تأويل قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ إلى أن المعنى: إذا أردت أن تقرأ. والفاسد: ما لا دليل عليه، كتأويل «استواء الله على عرشه» بـ«استيلائه»، و«يده» بـ«قوته ونعمته» ونحو ذلك. «فصل: روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله». فمن ادعى علمه فهو كاذب. فالتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها، وتفسير مفردات اللغة، كمعرفة «القر» و«النمارق» و«الكهف» ونحوها. وتفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير الآيات المكلف بها اعتقادًا أو عملًا. كمعرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة اليوم الآخر، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وغيرها. والتفسير الذي يعلمه العلماء هو ما يخفى على غيرهم مما يمكن الوصول إلى معرفته، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك. وأما التفسير الذي لا يعلمه إلا الله، فهو حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر؛ فإن هذه الأشياء نفهم معناها، لكن لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع. مثال ذلك: أننا نفهم معنى «استواء الله على عرشه»، ولكننا لا ندرك كيفيته التي هي حقيقة ما هو عليه في الواقع. وكذلك نفهم معنى «الفاكهة والعسل والماء واللبن» وغيرها مما أخبر الله أنه في الجنة، ولكن لا ندرك حقيقته في الواقع، كما قال -تعالى-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء». وبهذا تبين أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، كحقائق أسمائه وصفاته، وما أخبر الله به عن اليوم الآخر. وأما معاني هذه الأشياء، فإنها معلومة لنا؛ فإنها معلومة لنا، وإلا لما كان للخطاب بها فائدة. والله أعلم. هذا المبحث جعله -رحمه الله- تبعًا وتوضيحًا وتجلية لما سبق. فأهل الضلال في مبحث الصفات والمعاد واليوم الآخر على مذاهب، بل في باب الإيمان بالله واليوم الآخر والدين ليس فقط الإيمان بالله واليوم الآخر والدين، فهم على فرق. وإن كان بعض هذه الفرق أكثر ضلالًا فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر. فإذن؛ لأن أكثرهم على هذا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر. وقد تقدم معنا أن منهم من ذكر ثلاث فرق من أهل الضلال، ومنهم من ذكر أنهم أربع فرق. والخامسة هي الفرق الناجية والطائفة المنصورة. فأما الفرق الثلاث الضالة، فهي: أهل التمثيل، وأهل التعطيل، وقد يسمون بأهل التأويل -وهذا خطأ-؛ لأن التأويل لم يأت بالمعنى الذي يعملونه، فالذي يفعلونه تحريف وتعطيل، وليس تأويلًا كما سيأتي معنا -إن شاء الله-. فنقول: أهل التمثيل، وأهل التعطيل، وأهل التخيل. هؤلاء ثلاثة. وبعضهم يزيد رابعًا: أهل التجهيل. ومنهم من يدخل هذه الفرق الرابعة في أهل التعطيل. فيكون أهل التعطيل قسمين: قسم يعطل النص إلى معنى آخر، وآخر ينفي الرحمة. ولكنه يفوض، يقول: «أنا ما أثبت الرحمة، أنا أثبت اللفظ ولا أدري عن المعنى». أو يقول: «المعنى ليس هذا، ولكن الله أعلم به». مذهبان لأهل التفويض، وهم أهل التجهيل. إذن، بالتفصيل أربع فرق، وبالإجمال ثلاث فرق: أهل التمثيل، وأهل التعطيل الذين يدخل فيهم أهل التجهيل -أي المفوضة-، وأهل التخيل. وإذا فصلنا نقول: أهل التمثيل، وأهل التعطيل، وأهل التجهيل، وأهل التخيل. والفرقة الخامسة الناجية هم: أهل سواء السبيل، أهل الحق. ثم بيّن -رحمه الله- ضلال هؤلاء؛ فإن هؤلاء ضلوا من جهة أنهم لم يعملوا بما في الشرع مما جاء في الأدلة: الكتاب والسنة. وكذلك عارضوا بالباطل الذي وضعوه بدلًا عن ذاك الحق. إذن، ضلالهم من جهتين: الجهة الأولى: لم يمتثلوا ما في الكتاب والسنة. الجهة الثانية: أنهم أتوا بشيء ليس في الكتاب والسنة. كل هؤلاء: أهل التمثيل، وأهل التعطيل، وأهل التجهيل، وأهل التخيل. إلا أن أكفر هؤلاء أهل التخيل الذين نهاية هذه الفرق كلها أن تصل إلى الفرق الأخيرة الباطل درجات. فآخر درجات الباطل قول أهل التخيل. ولذلك الكثير من أهل التعطيل لما تدرج فيما هو فيه وصل إلى عقيدة أهل التخيل. فعند ذلك عرف بطلان ما يسير إليه، فرجع وتاب إلى الله، كحال الكثير من أهل التعطيل كما مر معنا: الجويني، والغزالي، والرازي، وغيرهم ممن رجع عن الباطل إلى الحق. وتقدم معنا الكلام على هذه الفرق بما يغني عن الإعادة. إلا أن الشيخ -رحمه الله- بسط الكلام ها هنا لزيادة التأكيد والتجلية والتوضيح في سبب ذلك؛ فإن من شبههم التي يتعلقون بها كل فرقة لها شبهة. فأهل التمثيل فروا من التعطيل إلى التمثيل، وأهل التعطيل فروا من التمثيل فوقعوا في التعطيل. وهكذا كذلك أهل التجهيل. وممن يستدلون به الآية التي أشار إليها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. هذا وقف في قراءة، وفي قراءة أخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. والصحيح من أقوال السلف والأمة والمحققين من المفسرين من الأئمة: أن المراد به: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: حقيقته وكنهه، وكل ما يتعلق بالغيب مما هو من خصائص علم الله. وأما على المعنى الثاني، فيوقف الآية على أولي العلم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فيكون المقصود: وما يعلم تفسير ما خفي إلا أهل الرسوخ من أهل العلم. فهناك آيات محكمات، وأخرى متشابهات. فالمتشابه أحد أمرين: إما لا يعلم أمره إلا الله، وهو ما كان من الغيب. وإما ما لا يعلم معناه إلا بجمع أدلته التي وضح بعضها بعضًا. وهذا يعلمه الله، وعلم الله الراسخين في العلم أن يعلموا، لا يعلمه كل أحد. ولكن أهل الرسوخ بما علمهم الله استطاعوا أن يجمعوا الأدلة فيعلموا المقصود منها. فإذن؛ ليس في تفسير الآية ما يقوله هؤلاء الظلال من أن مبحث الصفات يدخل في المتشابه. وهم يزعمون أن مبحث الصفات -اسماء الصفات- يدخل في المتشابه. وهذا كذب على الله وعلى دين الله -عز وجل- وعلى أهل العلم؛ فلم يقل بذلك أحد أبدًا، بل هو من قول المبتدعة الظلال. كذلك أشار الشيخ -رحمه الله تعالى- إلى أن منتهى قول أهل التخيل الكفر؛ كما مر معنا أنهم يجعلون أن الأنبياء إما أنهم لم يعلموا، وهم علموا أحسن من الأنبياء -والعياذ بالله-. وإما الأنبياء علموا، وكذبوا لأجل إصلاح الناس. وكلا الأمرين من أكبر الكفر. بل هم في هذا كذلك درجات؛ فمنهم من لا يؤمن بالله -عز وجل- أصلا. ومنهم من يؤمن بالله، ويظن أن لحكمة الله أرسل الرسل، ولكن هذه الحكمة هي إصلاح الناس بما لا وجود لحقيقته. ولذلك يزعمون -تعالى الله عن قولهم- أن الأنبياء كذبت لمصلحة الدين. وهذا هو الكفر الصراح. ومن هؤلاء الباطنية أصحاب الحقيقة والشريعة؛ كما تقدم معنا في الدرس الذي قبل هذا: كيف أنهم يستدلون ببعض الشبه. فيستدلون بقصة الخضر على قضية الحقيقة والشريعة. فيقولون: «الأولياء أهل حقيقة، والأنبياء أهل الشريعة». ولهذا لهم مقولة كفرية: «أن الأنبياء وقفوا في ساحل، وخاض في بحره الأولياء». يعني معناه: علم الأنبياء لأهل الشريعة فقط إلى الساحل. أما المشي في الماء فما يستطيعه إلا الأولياء؛ لأنهم أهل الحقيقة. وهكذا من شطحاتهم الشيء الكثير الذي يوصلهم إلى الكفر الصراح. ونهايته: لا حلال، ولا حرام، ولا امتثال لواجب، ولا ترك لمحرم، وزعمهم أن هذه «الحقيقة». ثم يستدلون طبعًا بأدلة فيها كذب وافتراء على الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. زعموا أن اليقين هو الوصول إلى مرتبة الحقيقة. بينما اليقين في أدلة الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة هو الموت. ولكن هؤلاء يتلاعبون بالأدلة بالهوى والعقل. وهذا نهاية من لا يستجيب ولا يستسلم لأدلة الكتاب والسنة، يرمي به عقله في بحور الظلام ودركات الضلال حتى يكون أكثر من اليهود والنصارى. وهذا الذي وصل إليه أهل التخيل، وهو نهاية ضلال هؤلاء الضلال. وذكر الشيخ بثنايا ذلك مسائل كثيرة، كلها تدور حول توضيح هذه الفرق وما علت به، وخالفت به أهل السنة والجماعة، وهو ظاهر وواضح -بإذن الله- سبحانه وتعالى. نعم، ثم قال -رحمه الله-: «الباب الرابع والعشرون: في انقسام أهل القبلة في آية الصفات وأحاديثها». المراد بأهل القبلة: من يصلي إلى القبلة، وهم كل من ينتسب إلى الإسلام. وقد انقسم أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها إلى ست طوائف: طائفتان قالوا: «تجرى على ظاهرها». وطائفتان قالوا: «تجرى على خلاف ظاهرها». وطائفتان واقفتان. فالطائفتان الذين قالوا: «تجرى على ظاهرها» هم: الأول: طائفة المشبهة الذين جعلوها من جنس صفات المخلوقين. ومذهبهم باطل، أنكره عليهم السلف. الثاني: طائفة السلف الذين أجروها على ظاهرها اللائق بالله. ومذهبهم هو الصواب المقطوع به؛ لدلالة الكتاب والسنة والعقل عليه -دلالة ظاهرة- إما قطعية، وإما ظنية. كما تقدم دليل وجوبها وصحتها في البابين الثالث والرابع. والفرق بين هاتين الطائفتين: أن الأولى تقول بالتشبيه، والثانية تنكره. فإن قال المشبه: «في علم الله ونزوله ويده مثلا: أنا لا أعقل من العلم والنزول واليد إلا مثل ما يكون المخلوق من ذلك». فجوابه من وجوه: الأول: أن العقل والسمع قد دل كل منهما على مباينة الخالق للمخلوق في جميع صفاته. فصفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به. فمن أدلة السمع على مباينة الخالق للمخلوق قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ومن دلة العقل: أن يقال: «كيف يكون الخالق الكامل من جميع الوجوه -الذي الكمال من لوازم ذاته، وهو معطي الكمال- مشابها للمخلوق الناقص -الذي النقص من لوازم ذاته، وهو مفتقر إلى من يكمله؟!». الثاني: أن يقال له: «ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه ذات المخلوقين؟» فسيقول: «بلى». فيقال له: «فلتعقل إذن أن لله صفات لا تشبه صفات المخلوقين؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات». ومن فرق بينهما فقد تناقض. الثالث: أن يقال: «نحن نشاهد من صفات المخلوقات صفات اتفقت في أسمائها وتباينت في كيفيتها؛ فليست يد الإنسان كيد الحيوان الآخر». فإذا جازت خلاف الكيفية في صفات المخلوقات مع اتحادها في الإسم، فاختلاف ذلك بين صفات الخالق والمخلوق من باب أولى. بل التباين بين صفات الخالق والمخلوق واجب كما تقدم. وأما الطائفتان الذين قالوا: «تجرى على خلاف ظاهرها»، وأنكروا أن يكون لله صفات ثبوتية، أو أنكروا بعض الصفات، أو أثبتوا الأحوال دون الصفات. فهم: الأول: أهل التأويل من الجهمية وغيرهم الذين أولوا بعض الصفات إلى معاني عينوها، كتأويلهم «اليد» بـ«النعمة»، و«الاستواء» بـ«الاستيلاء» ونحو ذلك. الثاني: أهل التجهيل -المفوضة- الذين قالوا: «الله أعلم بما أراد بنصوص الصفات، لكننا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له -تعالى-». وهذا القول متناقض؛ فإن قولهم: «نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية له» يناقض التفويض؛ لأن حقيقة التفويض: ألا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات. وهذا ظاهر. والفرق بين هاتين الطائفتين: أن الأولى أثبتت لنصوص الصفات معنى، لكنه خلاف ظاهرها. وأما الثانية، ففيفونه ذلك إلى الله من غير إثبات معنى، مع قولهم: «إنه لا يراد من تلك النصوص إثبات صفة لله -عز وجل-». وأما الطائفتان الذين توقفوا، فهم: الأول: طائفة جوزوا أن يكون المراد بنصوص الصفات إثبات صفة تليق بالله، وأن لا يكون المراد ذلك. وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم. الثاني: طائفة أعرضوا بقلوبهم وألسنتهم عن هذا كله، ولم يزيدوا على قراءة القرآن والحديث. والفرق بين هذه الطائفة والتي قبلها: أن الأولى تحكم بتجويز الأمرين: الإثبات وعدمه. وأما الثانية، فلا تحكم بشيء أبدًا. والله أعلم. هنا خلاصة ما ذكره في الأبواب التي قبله، إلا أن الأمر حصل فيه شيء من الإجمال أكثر. وإلا على التفصيل الذي سبق. فالضالون أربع فرق: أهل التمثيل، وأهل التعطيل، وأهل التجهيل، وأهل التخيل. أهل التمثيل على فرقتين: فرقة تقول: «مثل ما للمخلوقين». وفرقة تقول: «تشبه ما للمخلوقين، لكن لا نعلم هذه الشبهية أو وجه هذا الشبه». وأما أهل التجهيل، فهم كما مر: أهل التفويض، وهم فرقتان. فرقة تقول: «نفوض الكيف، ونفوض المعنى». ومنهم من يقول: «نتوقف في ظاهر المعنى، ونعلم أن له معنى آخر، لكن الله أعلم به». فرقتان من أهل التفويض. وأما أهل التعطيل، فهم فرق كثيرة كما تقدم: من الجعدية، والجهمية، مرورًا بفرق المعتزلة، ثم كلابية والأشاعرة والماتريدية. وأما أهل التخيل، فهم كما تقدم معنا. أشار إلى فرقتين: الذين زعموا أن الأنبياء لم يعلموا، وهم علموا أحسن من الأنبياء. ومنهم الباطنية والفلاسفة، وهم فرق. وأهل الحلول والاتحاد من هؤلاء. ومنهم من يزعم أن الأنبياء علموا بالحقيقة، ولكن كذبوا لإصلاح الناس. وكلا القولين كفر وزندقة. فهذه أربع فرق كلها فرق الضلال: أهل التمثيل، وأهل التجهيل، وأهل التعطيل، وأهل التخيل. أما الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فهم: أهل الدليل، وسواء السبيل، اتبعوا الدليل، وسلكوا سواء السبيل: الدين القويم، والصراط المستقيم الذي جاء به نبينا -صلى الله عليه وسلم-. وتحت هذا المعنى معانٍ ومباحث كثيرة أشار الشيخ إلى بعضها، وتكرر الكلام عليها فيما سبق. وهذا في باب الإيمان بالله كما تقدم معنى. ومنه الأسماء والصفات. وتقدم معنى في أوائل الكتاب: أن أقسام التوحيد الثلاثة مترابطة. لا يمكن لإنسان يظل في باب الأسماء والصفات، يسلم له توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية: إفراد الله في ماذا؟ في أفعاله. وأفعاله من معاني أسمائه وصفاته. فمن عطل أسماءه وصفاته -تعطيل الأسماء والصفات- تعطيل للأفعال. فإذن؛ هو ظل كذلك في باب الربوبية. ومن ظل في باب الربوبية والأسماء والصفات، هذا يسمى التوحيد الخبري الذي يوصل إلى التوحيد الطلبي القصدي، وهو إفراد الله في أفعال خلقه. فكيف يمكن أن يصل هذا التوحيد، وأصل التوحيد الخبري مهزوز ولا يوجد؟ فإذن؛ لا يمكن أن يكون التوحيد الطلبي القصدي صحيح. ولذلك تقع الشركيات والوثنيات عند هؤلاء المعطلة بكل فرقهم؛ لتلازم أقسام التوحيد الثلاثة. وهذه مسائل دقيقة لا يعلمها الكثير من هؤلاء. فإن ضلالهم بباب الأسماء والصفات أثمر ضلالًا في باب الربوبية، وفي باب الألوهية. ولذلك ما تجد السني الصحيح في سنيته يجعل شيئًا مما هو من خصائص أفعال الله للمخلوقين لا يمكن. لكن هؤلاء ممكن؛ لماذا؟ لأنه أصلا في باب الأسماء والصفات ليس مضبوطًا. ﴿مُخْتَلِفًا﴾، اختلاله في باب الأسماء والصفات يدخل عليه الاختلال في باب الربوبية الذي هو أفعال لله، ويدخل عليه اختلالًا في باب الألوهية. وأعظم من هذا: أن أقسام التوحيد الثلاثة هو جزء من الإيمان بالله. فإن الإيمان بالله أركانه ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ويوم الآخر، والقدر الخير والشر. فالذي لم يتحقق له أصل الإيمان -وهو الإيمان بالله- لا يمكن أن يتحقق له باقي مباحث الإيمان الستة -تكملة الستة-. ولذلك تجد أن هؤلاء ضلوا في باب اليوم الآخر والمعاد والقدر. وهكذا بالإيمان بالملائكة؛ فأهل التخيل يرون أن الملائكة لا وجود لهم، ويرون أن الكتب لا وجود لها، ويرون أن الأنبياء لا وجود لهم -كذب-. ويرون أن اليوم الآخر لا وجود له. وتتابع الضلال. وأما أهل التمثيل، فكذلك يدخل عليهم الضلال بعقيدتهم -عقيدة التمثيل-. وهكذا كذلك أهل التعطيل. وهكذا كذلك أهل التجهيل. ولذلك تجد أشياء مضطردة: تر