جواهر البلاغة 42

جواهر البلاغة 42

الدرس في جواهر البلاغة 42، الدرس الثاني والأربعون:من( وقد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي ... تجعل لهذا الاستعمال مزية يترقى بها الكلام في درجات البلاغة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خروج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي واستخداماتها المختلفة

ألفاظ الاستفهام قد تخرج عن معناها الأصلي لتعبر عن معان أخرى مثل الأمر والنهي والتسوية والنفي والإنكار والتشويق. هذه المعاني تفهم من سياق الكلام ودلالته كما هو موضح في الأمثلة القرآنية.

أغراض الاستفهام البلاغية في القرآن الكريم والشعر العربي

الاستفهام يُستخدم لأغراض مختلفة مثل الاستئناس، التقرير، التهويل، والتعجب. يُوضح ذلك من خلال أمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي التي تبين هذه الاستخدامات المختلفة للاستفهام.

أهمية الذوق الأدبي والاستعمال الصحيح للغة في فهم أغراض الاستفهام

الاستعمال الصحيح للغة يتطلب اتباع الطريقة الأدبية وليس الابتداع، ويتحقق ذلك بالاستقراء وكثرة الاطلاع. الذوق الأدبي يلعب دورًا هامًا في فهم أغراض الاستفهام البلاغية وتأثير استخدام صيغة الاستفهام على المعنى والبلاغة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي، وهو طلب العلم بمجهول -يعني طلب العلم مجهول سواء عن حال أو عن شخص أو تمييز أحد المتشاركين، أو استفهام عن مسمى أو أفراد أو غير ذلك مما سبق-". قال: "فيستفهم بها عن الشيء ما العلم به لأغراض أخرى" -يعني قد يستفهم عن شيء معلوم، لكن ليس المغروض والمقصود هو الاستفهام، وإنما المقصود غرض آخر يفهم من سياق الكلام-. قال: "تفهم من سياق الكلام ودلالته". ومن أهم ذلك -أي من أهم هذه الأغراض-: "الأمر، كقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، أي انتهوا". وهنا "هل أنتم منتهون" استفهام، لكن هل المقصود منه الحقيقة، الجواب: لا، بل المقصود منه الأمر بالانتهاء، كما يفهم من السياق. قال: "والنهي، كقوله تعالى: ﴿أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه﴾، فليس المقصود هنا الاستفهام عن الخشية، ولكن المقصود التحريض في النهي عن خشيتهم، والأمر بخشية الله وحده". قال: "والتسوية، كقوله تعالى: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾، وهذا كذلك فيه استفهام بالهمزة "أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، لكنه كما في سياق الآية يفهم منه أن المقصود هو التسوية". قال: "والنفي، كقوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾، وهذا كذلك ليس المقصود "هل جزاء الإحسان" الاستفهام، ولكن المقصود النفي، أي أنه فيه تحريض على الإحسان، وهكذا كذلك نفي إضاعة عمل العاملين، وهكذا معاني أخرى قد تفهم في كل موضع بحسبه، فمعنى الآية "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" نفي إضاعة عمل العاملين، وفي نفس الوقت هو متضمن لمعنى آخر، وهو الأمر بالإحسان". قال: "والإنكار، كقوله تعالى: ﴿أغير الله تدعون﴾، فليس المقصود هو الاستفهام، ولكن المقصود الإنكار في دعاء غير الله". قال: "والتشويق، كقوله تعالى: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾، فالاستفهام المقصود منه ها هنا هو التشويق لما بعده". قال: "والاستئناس، كقوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾، فليس هنا المقصود الاستفهام، ولكن المقصود هو إدخال الأنس على موسى -عليه الصلاة والسلام- حتى لا يخاف من هذه العصى، إذ سيكون لها ما سيكون". قال: "والتقرير، كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، وهذا ظاهر". قال: "والتهويل، كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة﴾، ونحوه مما يريد مثل هذا المورد، فإن الاستفهام فيه للتهويل "القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة"". قال: "والاستبعاد، كقوله تعالى: ﴿أن لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين﴾، كذلك فيه استبعاد العظة والذكرى بعد قيام الحجة". قال: "ونحو قول الشاعر: من لي بإنسان إذا أغضبته وجهلت كان الحلم رد جوابه، ومعنى هل هو يستفهم عن إنسان هذا حاله؟ الجواب: لا، وإنما يستبعد وجود مثل هذا الإنسان الذي عنده من الحلم ما يصبر على من يغضبه ويجهل عليه". قال: "والتعظيم، كقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، وهذا كذلك ليس المقصود الاستفهام بقدر ما المقصود هو الإخبار بعظمة الرب جل وعلا". قال: "والتحقير، نحو "أهذا الذي مدحته كثيرا"، يعني ما يستحق، وليس المقصود استفهام، ولكن المقصود أن من مدح لا يستحق". قال: "والتعجب، كقوله تعالى: ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾، فالمقصود هو التعجب". قال: "وكقول الشاعر: خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله قبلي، يعني لن تجدوا، مبالغة في إظهار الرثاء في البيت خرج مخرج الرثاء". قال: "والتهكم، نحو "عقلك يسوغ لك أن تفعل كذا"، فهذا تهكم، استفهام متضمن لمعنى التهكم، يعني أن عقلك ليس بذاك إذا كان يأمرك بهذا". قال: "والوعيد، نحو "ألم ترى كيف فعل ربك بعاد"، فالمقصود من هذا الاستفهام هو الوعيد، كما هو ظاهر، فإنما فعل بعاد هو العذاب، فكذلك انتبه يا من أنزل لك هذا الخطاب". قال: "والاستنباط، كقوله "متى نصر الله"، يعني ليس المقصود تحديد الوقت، ولكن المقصود الإشارة إلى حقيقة وقت النصر، أنه حين يحصل الاستجابة الصحيحة لله عز وجل". قال: "ونحو "كم دعوتك"، يعني افهم، وليس المقصود الاستفهام". قال: "والتنبيه على الخطأ، كقوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾، والمعنى أن هذا الاستفهام متضمن للتنبيه على عدم الاستبدال، وأن الاستبدال الذي طلبوه خطأ". قال: "والتنبيه على الباطل، كقوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي﴾، فهذا الاستفهام متضمن لبيان حقيقة دعوة الرسول، وفيه التنبيه على باطل ما يقوله الأعداء". قال: "والتحسر، كقول شمس الدين الكوفي: ما للمنازل أصبحت لا أهلها لا أهلها أهلي ولا جيرانها جيراني، فهذا الاستفهام استفهام تحسر، يعني تغيرت الديار وتغير ساكنوها". قال: "والتنبيه على ضلال الطريق، كقوله تعالى: ﴿فأين تذهبون﴾، والتكثير فضلال الطريق واضح، فأين تذهبون بعدما ذكر مما ذكر قبلها آية سورة التكوير، ففيه بيان وتنبيه لضلال الطريق الذي يسير عليه من خرج عما أمر به من أمر الرسول". قال: "والتكثير، كقول أبي العلاء المعري: صاح هذه قبور تملأ الرحبة فأين القبور من عهد عادي، فليس المقصود ها هنا الاستفهام "فأين القبور من عهد عاد"، وإنما المراد أنها كثيرة، فينبغي الإنسان أن يعتبر". قال: "واعلم أن كل ما وضع من الأخبار في صورة الاستفهام في الأمثلة السابقة والآتية تجددت له مزية بلاغية زادت المعنى روعة وجمالا، لأن الاتيان بالخبر بصيغة الاستفهام أولا موجب للانتباه، وأساليب الانتباه هي من النكة البلاغية". يعني إذا قلت "يا زيد" ليس كقولك "ألا يا زيد"، فإن في هذا زيادة معنى. قال: "ومثل هو الاتيان بالخبر مما سبق ذكره بصيغة الاستفهام موجب لزيادة في نكة بلاغية لفظية ومعنوية، لفظية في زيادة هذا اللفظ هو الاستفهام، ومعنوية بما يوجب التفكر والتأمل في هذا الأسلوب". قال: "إذا عرفت هذا فاعرف أيضا أنه يستعمل كل من الأمر والنهي والاستفهام في أغراض أخرى يرجع في إدراكها إلى الذوق الأدبي". قال: "ولكن هذا الذوق الأدبي ليس مطلقا، وإنما ينبغي أن يسلك به مسلك ما تعورف التعامل به بالمورد العربي الصحيح، لأنه قد يستعمله من يستعمله بما يوجب العبث وإضاعة المعاني باستخدام الألفاظ البعيدة التي ربما لا يتوصل إلى معناها إلا من حال الشاعر أو المتكلم أو من واقع زمان وضع هذا الشعر أو الكلام، مثل شعر الحداثيين الذي يسمى بالشعر المرسل، فهذا الشعر يغلب عليه بعد المعاني". قال: "وهم أخذوا أصل صحيح وتوسعوا فيه توسعا استوجب الخروج عن المورد العربي الذي ينبغي أن يبقى عليه من يسلك مسلك اللسان العربي". قال: "ولا يكون استعمالها في غير ما وضعت له إلا لطريقة أدبية تجعل لهذا الاستعمال مزية، وهذه الطريقة الأدبية ليس بالاستحداث ولكن بالاتباع، وهذا الاتباع يكون بالاستقراء وبكثرة الاطلاع سماعا وهكذا رؤية وقراءة". قال: "يترقى بها الكلام في درجات البلاغة، وهذا ظاهر إن شاء الله". إلى هنا إن شاء الله. شكرا.