جواهر البلاغة 58

جواهر البلاغة 58

الدرس في جواهر البلاغة 58، الدرس الثامن والخمسون:من( المبحث السابع:في تعريف المسند إليه بالموصولية ... لا يمكن ضبطها واعتبر في كل مقام ما تراه مناسباً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف المسند إليه بالموصولية وأغراضه

يتناول تعريف المسند إليه بالموصولية واستخدام الإسم الموصول لتعريفه أو إخفائه، ويشرح الأغراض البلاغية وراء ذلك مثل التشويق وإخفاء الأمر. يُقدم أمثلة من القرآن والشعر العربي.

استخدامات الأسماء الموصولة في البلاغة

يتناول استخدامات الأسماء الموصولة مثل التنبيه على خطأ المخاطب وتعظيم شأن المحكوم به والتهويل. يُظهر أمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي لتوضيح هذه الاستخدامات.

فوائد التعريف الموصولية ومراعاة المقام

يشرح فوائد التعريف الموصولية مثل الاستهجان والإبهام والتوبيخ، ويبرز أهمية مراعاة السياق في التعامل أو التصرف حسب المقام المناسب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الملف رحمه الله تعالى: المبحث السابع في تعريف المسند إليه بالموصولية. ومعنى بالموصولية، أي أن يؤتى به على هيئة الإسم الموصول. قال: يؤتى بالمسند إليه إسم موصول تعين طريقا لإحضار معناه، كقولك: الذي كان معنا أمس سافر، إذا لم تكن تعرف اسمه. أحد عنده النسخة القديمة؟ ننظر هل يتعين طريقا أو تعين؟ إيش نسختك يا أبا محمد؟ نفس نسختنا، نسخة عندك نفس اللي عندنا، النسخة نفس اللي عندنا، أنت عندك. طيب، المهم يريد أن يقول: إذا كان معلوم المسند إليه، يعني إنسان معروف، فيكون إراده على هيئة إسم الموصول لأغراض سيأتي ذكرها. وأما إذا لم يكن معلوما، فيكون طريقا لوصفه، وهو أمر لا بد منه، يكون طريقا لوصفه، وهو أمر لا بد منه. فأنت لو تريد أن تصف إنسانا أسند إليه فعل أو أسند منه فعل، فتقول: ذاك الذي قال أمس كذا وكذا، أو ذاك الذي كان يلبس ثوب كذا وكذا، ونحوه. فصار التعبير للمسند إليه بالإسم الموصول لتعريفه. أما إذا كان معلوما، فلماذا يعبر له بالإسم الموصول؟ لأن هذا تعمية، خلاف ما ينبغي. وكما هو معلوم في علم النحو واللغة عموما، أنه يعبر بما هو أكثر معرفة عما هو دونه. ولهذا إذا ترتبت المعارف قدم الأعرف ثم الذي دونه، وكلها معارف، لكن يقدم الأعرف فهو يعرف به على الآخر. لكن أحيانا يفعل العكس، لماذا؟ لغرض بلاغي. ولهذا صار هذا من علم البلاغة، وهو ما سيأتي ذكره. قال رحمه الله: أما إذا لم يتعين طريقا لذلك، يعني لوصفه. قولوا: لإحضار معناه، يعني لوصفه؛ لأنه إنسان معروف، فماذا؟ هو إنسان معروف معلوم، فلماذا ذكره بصيغة الإسم الموصول؟ قال: فيكون لأغراض أخرى، يعني الحكمة من ذلك أن هناك أغراض أخرى لأجل ذلك عبر عن المسند إليه بالإسم الموصول. من هذه الأغراض قال: أولا منها التشويق، وذلك فيما إذا كان مضمون الجملة حكما غريبا، كقوله: ﴿والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جمادي﴾، وقوله: ﴿والذي حارت البرية فيه﴾ يعني كما قال في التعليق: تحيرت البرية في أمر المعاد الجسماني. فهو لم يعبر به بنفسه لأجل أن يشوق السامع لهذا البيت إلى ما بعده. وهكذا كذلك ربما يكون أدعى في إثبات الحكم المقصود. فإذا قد يكون من الأغراض التشويق، كأن تقول مثلا لأبنائك وهم يسألون: إلى أين تمشي؟ تقول: إلى المكان الذي فرحتم فيه قبل كذا وكذا. فهذا تشويق، لم يذكر المكان، هو له اسم المكان هذا، لكن لماذا عماه؟ ليشوقهم إليه. وهكذا قال: ومنها إخفاء الأمر عن غير المخاطب، كقول الشاعر: «وأخذت ما جاد الأمير به وقضيت حاجاتي كما أهوى». ما أراد أن يخبر ماذا أعطاه الأمير، ما يحب أن يخبر بذلك لأسباب كثيرة. فلذلك عبر بالاسم الموصول. أين الاسم الموصول هنا؟ «ما» و«أخذت الذي جاد الأمير به». فانتقل من المعلوم إلى غير المعلوم، أو نقول: إلى ما هو أقل معرفة منه، لأجل هذا الغرض البلاغي، وهو التخفي أو الإخفاء. قال: ومنها التنبيه على خطأ المخاطب، نحو: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾. الشاهد في قوله: «الذين تدعون». ممكن يقول: أصنام، لكن المقصود من ذلك هو بيان خطأهم؛ لأن المقصود هو التنبيه بما جاء بعد الاسم الموصول من الصلة، وهو أن هؤلاء ما يدعى مثلهم. ولهذا تجد أن الاسم الموصول نكتته غالبا تكون أين في صلته؟ نكتة الاسم الموصول غالبا تكون في صلته، غالبا ليس دائما. قال: وكقول الشاعر: «إن الذين عندي -أو الذين ترونهم- إخوانكم يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا». والمعنى أنه أراد أن ينبه إلى خطأ هؤلاء في هذا المعنى، يعني: لا ترفقوا بهؤلاء. فهؤلاء الذين تظنونهم إخوانكم هم في الحقيقة ألد الأعداء لكم. هم هؤلاء الذين ذكرهم بالاسم الموصول، لهم اسم قبيلة كذا وكذا. وأغلب قبائل العرب بينها إما نسب أو مصاهرة. فإذا هم لهم قرابة، فهو يريد أن ينبه لهذا المعنى: لا تأخذكم العاطفة لأجل هذه القرابة. بدل من أن يقول: عليكم ببني فلان باسمهم المعلوم، انتقل إلى الاسم الموصول لأجل أن ينبههم على خطأ قد يكون عندهم، وهو أن لا تأخذهم العاطفة لأجل تلك المعاني. والبيت لعبدة ابن الطبيب، وهو يهيج قومه في قتال بعض قبائل العرب القريبة منهم، وقيل: هم من بني عمهم. قال: ومنها التنبيه على خطأ غير المخاطب، كقوله: «إن التي زعمت فؤادك من لها خلقت هواك كما خلقت هوى لها». والفرق بين هذا والذي قبله: أن الذي قبله تنبيه لنفس المخاطب، وأما هنا فالتنبيه على خطأ غير المخاطب، وهو متضمن كذلك لتنبيه المخاطب، لكن المقصود هو خطأ غير المخاطب. فقوله: «إن التي زعمت فؤادك من لها» يعني: أتعبها قلبك أتعبها. «خلقت هواك كما خلقت هوى لها» يعني: هي كذلك أتعبتك. هذا المقصود: هي كذلك أتعبتك. فالهوى يريد الحب والعاطفة متبادل بينكما. وهو يريد أن يخطئ زعم هذه المرأة التي تزعم أنها تعبت بسبب قلب فلان. وهذا هو الشاهد عبر بالاسم الموصول «إن التي» وهي امرأة معروفة، لأجل تنبيهها على هذه الصلة التي بعد الاسم الموصول، أنها أخطأت فيه. وهذا من الشعر الغزلي الفاسد. قال: ومنها تعظيم شأن المحكوم به، كقول الشاعر: «إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول». وهو من هو؟ الله سبحانه وتعالى، لكن ذكره سبحانه بالاسم الموصول لأجل زيادة التعظيم بما بعده من صلة الاسم الموصول. «إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه عز وأطول» يعني: الجنة. و«سمك السماء» يعني: رفعها على هذا الوصف. قال: ومنها التهويل تعظيما أو تحقيرا، نحو: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾. الشاهد: «ما غشيهم»، أي: الذي غشيهم. والمراد التعظيم، يعني: غشيهم شيء عظيم. فلو قال: «فغشيهم من اليم كذا وكذا» معينا، لم يكن مثل «ما غشيهم». فالإبهام في موضع الإظهار هو معنى من المعاني البلاغية كما تقدم، ففي هذا التعظيم. قال: ونحو من لم يدري حقيقة الحال، قال: «ما قال». وهذا العكس فيه التحقير، فيه التحقير. والشاهد بقوله: «من» و«ما». فإن المقصود ها هنا التحقير؛ فإن هذا النوع من الناس لجهله وسفهه يقع منه الكلام السفيه. فلم يقل: «السفيه إذا لم يدري حقيقة الحال قال السفه»، وإنما أتى بالاسم الموصول لأجل أن يكون فيه زيادة في التحقير والتوبيخ. قال: ومنها استهجان التصريح بالاسم، نحو: «الذي رباني أبي». ومعنى الاستهجان، يعني: الاستحياء أو قل: عدم الرغبة. قد لا يستحيي، لكن ما جرى العرف بذكر مثل ذلك، أو يخشى أن يتطاول عليه أحد، وهو لا يحب ذلك. وإلا هو في قرارة الأمر قد يكون لا يستحيي من ذلك، لا يرى فيه بأسا. لكن فقط سدا لمن قد يتصلط عليه، فإنه لا يسميه باسمه، يذكره بوصفه حتى لا ينتقص باسمه، سواء أن الاسم فيه من قصة، مثل ما أشار في التعليق: كان يكون اسمه بطة أو جحش أو برغوت أو حمار أو نحو ذلك من الأسماء التي تسمى بها بعض العرب. وقد يكون فيها من قصة، أو كذلك أن لا يريد أن يعرف عينه أصلا؛ لأنه ربما إذا عرفت عينه ستنقص، كأن يقال مثلا: أنت ابن من؟ وهو ابن الرجل من الرجال معروف، لكن لو ذكر عين الرجل ربما احتقروه أو استنقصوه؛ لكون الحاضرين مثلا أهل سفه يفتخرون بالأحساب والأنساب أو بالجاه والمنصب. فلو ذكر الوصف: «أنا ابن الذي كذا وكذا»، كان قد خرج من هذا المخرج أو من هذا الحرج الذي وقع فيه. قال: ومنها الإشارة إلى الوجه الذي يبنى عليه الخبر من ثواب أو عقاب، كقوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم﴾. فالشاهد بقوله: «فالذين آمنوا». وهو يشير بذلك أن الثواب الذي وقع لهم كان لأجل ماذا؟ لأجل الإيمان. فأتي بالإسم الموصول الملحق بصلته، وهو المتضمن لوصف الإيمان: «آمنوا وعملوا الصالحات». والعكس كذلك العقاب بالنسبة للكفار. قال: ومنها التوبيخ، نحو: «الذي أحسن إليك قد أسأت إليه». فذكره بالإسم الموصول، ولم يذكره بإسمه مع العلم به، لأجل أن ينبه ويوبخه إلى مقتضى ما كان منه من جميل. فلو قال: «أتسيء إلى زيد؟» لم يكن في البلاغ مثل «الذي أحسن إليك تسيء إليه». فقوله: «الذي أحسن إليك»، ولم يقل: زيد مثلا، فيه زيادة معنى وبلاغ، وهو توبيخه بما كان منه من جميل. قال: ومنها الاستغراب، نحو: «الذين يأتونك أكرمهم». ومعنى الاستغراب، أي: الاستيعاب. فلو قال مثلا: «أكرم أولاد عمر»، حصل حصر. لكن لما قال: «الذين يأتونك أكرمهم»، ويعرف أن الذين سيأتونهم أولاد عمر، لكن لماذا قال: «الذين أتونك أكرمهم»؟ لأجل أن يكون في ذلك الاستغراب احتياطا، لو أنه جاء معهم غيرهم. لو جاء معهم غيرهم، فيكون في هذا استغراب بهذا الوصف الذي هو صلة الاسم الموصول. قال: ومنها الإبهام، نحو: ﴿لكل نفس ما قدمت﴾. وما فائدة الإبهام هنا؟ «لكل نفس الذي قدمت»، لماذا؟ لأن فيه زيادة معنى. فلو قال: «لكل نفس عمل واحد» ذكره، لم يكن في العموم مثل الاسم الموصول «الذي قدمت» من خير أو شر، قليل أو كثير. صار فيه معنى العموم ما لم يكن لو عين عمل واحد أو عملين أو ثلاثة. قال: واعلم أن التعريف الموصولية مبحث دقيق المسلك، غريب نزعة، يوقفك على دقائق من البلاغة تؤنسك إذا أنت نظرت إليها بثاقب فكرك، فهي تفيد كما رأينا في هذه الأمثلة لفتات كثيرة وفوائد ونكت بلاغية لا تعد. قال: وتثلج صدرك إذا تأملتها بصادق رأيك؛ فأسرار ولطائف التعريف الموصولية لا يمكن ضبطها؛ لأنها كثيرة، يكفي أنها تفيد معنى العموم. فإذا كان كذلك، فكل عموم لوصف من الأوصاف كان ماذا؟ كان خصلة لوحدها. وكما الأوصاف لا تعد ولا تحصى. قال: ولطائف التعريف الموصولية لا يمكن ضبطها، يعني: كثيرة. لا تظن أنها فقط هذا المذكور. قال: واعتبر في كل مقام ما تراه مناسبا، يعني: بحسبه. إلى هنا إن شاء الله.