الدرس في التعليق على فتح رب البرية بتلخيص الحموية للعلامة العثيمين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل ظهور مقالة التعطيل بعد القرون المفضلة وتأثير الفلسفة اليونانية واليهودية عليها. يشرح كيف انتشرت هذه المقالة بسبب أشخاص مثل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان.
يناقش هذا الفصل طريقة النفاة في إثبات ونفي صفات الله، وكيف تتناقض هذه الطريقة مع الكتاب والسنة وتشبه طريقة المنافقين. يبين كيف يختلف النفاة فيما بينهم في التعامل مع ما لا يقتضيه العقل.
يتناول هذا الفصل ردود الشيخ على النفاة وبيان اللوازم الباطلة لطريقتهم، مثل تناقضهم مع الكتاب والسنة وتجاهلهم لظواهر نصوصهما. يشير إلى أن طريقتهم تؤدي إلى تعطيل وتحريف في حق الله.
يناقش هذا الفصل شبهات نفاة الصفات ويقدم ردوداً عليها، ويصنف شيخ الإسلام أهل الباطل إلى أربعة أقسام. يبين ضلال نفاة الصفات ووصولهم إلى الكفر المحض.
محمد ﷺ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، فنواصل إن شاء الله تعالى في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى، فتح رب البرية بتلخيص الحموية. واليوم إن شاء الله في الباب التاسع عشر. نعم، بسم الله. قال العلامة، فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: الباب التاسع عشر في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها. شاعت مقالة التعطيل بعد القرون المفضلة: الصحابة والتابعين وتابعيهم، وإن كان أصلها قد نبغ في أواخر عصر التابعين. وأول من تكلم بالتعطيل الجعد بن درهم، فقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. فقتله خالد بن عبد الله القسري الذي كان واليا على العراق لهشام بن عبد الملك. خرج به إلى مصل العيد بوثاقه، ثم خطب الناس وقال: «أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما». ثم نزل وذبحه، وذلك في عيد الأضحى سنة 119 من الهجرة. وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله في النونية: «ولأجل ذا ضحى بجعد خالد قصري يوم ذبائح القربان، إذ قال: إبراهيم ليس خليله، كلا ولا موسى الكليما الداني. شكرت ضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قرباني». ثم أخذها عن الجعد رجل يقال له الجهم بن صفوان، وهو الذي ينسب إليه مذهب الجهمية المعطلة؛ لأنه نشره. فقتله سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، وذلك في خراسان سنة 128 من الهجرة. وفي حدود المئة الثانية، عربت الكتب اليونانية والرومانية، فازداد الأمر بلاء وشدة. ثم في حدود المئة الثالثة، انتشرت مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، الذين أجمع الأئمة على ذمهم، وأكثرهم كفروهم أو بللوهم. وصنف عثمان بن سعيد الدارمي كتابا رد به على المريسي، سماه «نقض عثمان بن سعيد على الكافر العنيد فيما افترى على الله من التوحيد». ومن طالع هذا الكتاب بعلم وعدل، تبين له ضعف حجة هؤلاء المعطلة، بل بطلانها. وأن هذه التأويلات التي توجد في كلام كثير من المتأخرين، كالرازي والغزالي وابن عقيل وغيرهم، هي بعينها تأويلات بشر. أما استمداد مقالة التعطيل، فكان من اليهود والمشركين وظلال الصابئين والفلاسفة. فإن الجعد بن درهم أخذ مقالته -على ما قيل- من آبان بن سمعان، على أنطالوت، عن لبير بن العاصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الجعد كان -على ما قيل- من أرض حران، وفيها خلق كثير من المشركين والصابئة والفلاسفة. ولا ريب أن للبيئة تأثيرا قويا في عقيدة الإنسان وأخلاقه. وكان مذهب النفاة من هؤلاء أن الله ليس له صفات ثبوتية؛ لأن ثبوت الصفات -على زعمهم- يقتضي أن الله مشابه لخلقه. وإنما يثبتونه صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما. فالسلبية ما كان مدلولها عدم أمر لا يليق بالله عز وجل، مثل قولهم: «إن الله واحد» بمعنى أنه مسلوب عنه القسمة بالكم أو القول، ومسلوب عنه الشريك. والإضافية هي التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له، ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير، كقولهم عن الله تعالى: «إنه مبدأ وعلة»، فهو مبدأ وعلة باعتبار أن الأشياء صدرت منه، لا باعتبار صفة ثابتة له هي البداءة والعلية. والمركبة منها هي التي تكون سلبية باعتبار، وإضافية باعتبار، كقولهم عن الله تعالى: «إنه أول»، فهي سلبية باعتبار أنه مسلوب عنه الحدوث، وإضافية باعتبار أن الأشياء بعده. فإذا كان هذا هو ما تستمد منه طريقة النفاة، فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذ به، ويترك السبيل الذي أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ هذا المبحث جعله رحمه الله تعالى في ذكر مقالات أهل البدع والأهواء والتدرج في وقوعها. وقد ذكر أن مبتدأ هذه المقالات الضالة بدأت من الجعد بن درهم الذي قتله خالد القصري، كما تقدم وتكرر التنبيه عليه. وكما ذكر أن خالد قتله بسبب ما عنده من فساد في الاعتقاد، وقد استتابه فلم يتب، فقتله ردة لما كان يتضمنه كلامه من الكفر والردة. والجعد بن درهم -كما ذكر في ترجمته- أصله من حران، بلاد الفلاسفة وعبدة الكواكب. فقد اجتمع الشر للجعد بن درهم من عدة جهات: أولا من جهة الأرض التي نشأ منها، وهي مليئة بالفلاسفة وعبدة الكواكب. وثانيا من خلال مخالطته لبعض اليهود، فقد ذكروا أنه أخذ هذه المقالة عن بعض اليهود. كما ذكر في ترجمته أنه أخذها عن أبان بن سمعان، وأبان بن سمعان من تلاميذ طالوت، وطالوت من تلاميذ لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيكون مما دخل على الجعد بن درهم من جهة اليهود كذلك سببا آخر لضلاله. وكذلك ما ذكر عنه أنه أخذ من فلاسفة الهند واليونان، فهو أمثاله ممن كان يغتر بفلسفة أهل الهند واليونان. ولذلك اجتمع عنده شر من هذه الجهات كلها، فظهرت عنده الأقوال الشاذة والعقائد المنحرفة. ومن ذلك مذهبهم على طريقة النفاة، أي أنه ليس لله صفات ثبوتية؛ وذلك بسبب زعمهم أن إثبات الصفات لله عز وجل فيه مشابهة الخالق للمخلوق. ويزعمون أن الخالق حقه التنزيه، فإذا كان حق الخالق التنزيه، فلذلك هم يقولون: حقه أن يوصف بالصفات السلبية، أي المنفية أو الإضافية، لكن هذه الإضافة فيها معنى النفي كذلك، أو مركبة من السلب والإضافة. وكل هذه الأقوال ليس لها دليل من الكتاب والسنة، إنما هي استحسانات على زعمهم تنزيها للرب سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوق. وساروا على هذه القاعدة، فأحدثوا أسماء وصفات لا وجود لها في الكتاب والسنة، ونفوا عن الله ما أثبته لنفسه في الكتاب والسنة. فما جاء بالكتاب والسنة نفوه بحجة التنزيه، وما ليس في الكتاب والسنة أثبتوه كذلك بحجة التعظيم. فأثبتوا العرض والجسم ونحو ذلك من الألفاظ المحدثة التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة، كما وضحه الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الإشارات. بقولهم بالسلوب، وكذلك سار على هذه الطريقة الجهم، ثم ما دخل على المعتزلة من جهة بشر المريسي ونحوه، الذين تدرجوا في هذا الشر حتى دخلت البدع وكبرت. وصار على ما هم عليه من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كل فرقة تأخذ باطلا من سبقها وتزيد وتنقص فيه، فصارت فرق كثيرة، كلها بعيدة تمام البعد عن الإسلام الصحيح الصافي النقي الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما زاد البلاء -كما ذكر- الكتب التي ترجمت، فترجمت كتب الفلاسفة من فلاسفة الهند واليونان والروم، كان سببا آخر في دخول شرور كثيرة على المسلمين. حتى ما أخذوه من العلوم النافعة، فإنه لم يسلم من أخذه من أن يدخل عليه بعض العلوم الضارة. ووصفوا بالتفصيل بين النافع والضار، لكن لأن أكثر هؤلاء لا معرفة لهم بطريقة السلف في باب الاعتقاد، دخلت عليه بعض الضلالات والبدع، وزاد الأمر خطورة وشرا. أن هؤلاء ربما كانوا في بيئة مليئة بأهل البدع والأهواء. فهذا ابن سينا -على سبيل المثال- المشهور بالطب، هو وأبوه نشأ في بيئة رافضية، فكان رافضيا باطنيا في الاعتقاد. فأخذ وتعمق فيما ترجم من كتب أهل الهند واليونان، فاستفاد في الطب، وضل وازداد ضلالا في باب الفلسفة والأمور العقائدية. ولذلك تكلم العلماء عليه من جهة ما كان يبثه من العقائد المنحرفة التي خلط فيها بين عقيدة الرافضة والباطنية والفلاسفة. وهذا قليل من كثير مما يدلك على ما دخل على المسلمين من خلال بعض ما دخل من جهة أهل الكفر والفلسفة والإلحاد، وكذلك أهل البدع بأنواعهم. وأن منبع هذه البدع والضلالات الكفار من الفلاسفة والمجوس وعبدة الأوثان، وكذلك اليهود، كما سبقت الإشارة إليه. والباقي الذي ذكره ظاهر إن شاء الله واضح. ثم قال رحمه الله تعالى: الباب العشرون في طريقة النفاة فيما يجب إثباته أو نفيه من صفات الله. اتفق النفاة على أن يثبتوا لله من الصفات ما اقتضت عقولهم إثباته، وأن ينفوا عنه ما اقتضت عقولهم نفيه، سواء وافق الكتاب والسنة أم خالفهما. فطريقة إثبات الصفات لله أو نفيها عنه عندهم هو العقل. ثم اختلفوا فيما لا يقتضي العقل إثباته أو نفيه، فأكثرهم نفوه، وخرجوا ما جاء منه على المجاز. وبعضهم توقف فيه، وفوض علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات. وهم يزعمون أنهم وفوا بهذه الطريقة بين الأدلة العقلية والنقلية، ولكنهم كذبوا في ذلك؛ لأن الأدلة العقلية والنقلية متفقة على إثبات صفات الكمال لله. وكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله، فإنه لا يخالف العقل. وإن كان العقل يعجز عن إدراك التفصيل في ذلك. وقد شابه هؤلاء النفاة في طريقتهم طريقة من قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. ووجه مشابهتهم لهؤلاء من وجوه: الأول أن كل واحد من الفريقين يزعم أنه مؤمن بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لا يقبلون كل ما جاء به. الثاني أن هؤلاء النفاة إذا دعوا إلى ما جاء به الكتاب والسنة من إثبات صفات الكمال لله، أعرضوا وامتنعوا، كما أن أولئك المنافقين إذا قيل لهم: «تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول»، صدوا وأعرضوا. الثالث أن هؤلاء النفاة لهم طواغيت يقلدونهم ويقدمونهم على ما جاءت به الرسل، ويريدون أن يكون التحاكم عند النزاع إليهم، لا إلى الكتاب والسنة. كما أن أولئك المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به. الرابع أن هؤلاء النفاة زعموا أنهم أرادوا بطريقتهم هذه عملا حسنا وتوفيقا بين العقل والسمع، كما أن أولئك المنافقين يحلفون أنهم ما أرادوا إلا إحسانا وتوفيقا. وكل مبطل يتستر في باطله، ويتظاهر بالحق، فإنه يأتي بالدعاوى الباطلة التي يروج بها باطله. ولكن من وهبه الله علما وفهما وحكمة وحسن قصد، فإنه لا يلتبس عليه الباطل، ولا تروج عليه الدعاوى الكاذبة. والله المستعان. هذا الباب جعله رحمه الله تعالى في بيان طريقة هؤلاء الضلال الذين سبقت الإشارة إليهم في الباب الذي قبله. فطريقتهم في الإثبات في إثبات الأسماء والصفات هو العقل. فما أثبته العقل أثبتوه، وما أنكره ونفاه نفوه. ولذلك تجد هذه الفرق تتناقض في كثير من قواعدها، ويتجادلون جدالا يورث لهم التقلب وعدم الثبات. فالموضوع عندهم ليس له أصل، وإنما هو العقل. والعقل لا يثبت على شيء واحد. ولهذا لما جاء بعضهم يجادل الإمام مالكا رحمه الله تعالى، فسأله الإمام مالك: «فإن غلبتك؟» قال: «أتبعك». قال: «فإن غلبتني؟» قال: «تتبعني». فقال: «اذهب إلى رجل شاك مثلك». يعني: أنا على يقين في عقيدتي، ما أحتاج لأن أنظر من يغلبني أو أغلبه حتى أتبعه أو يتبعني. ثم قال: «أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل أخذنا بقوله، وتركنا الكتاب والسنة؟» والمعنى أن الذي يجب المصير إليه واتباعه هو الكتاب والسنة، كما قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وفي باب الأسماء والصفات خاصة: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. في الواجب اتباع ما جاءت به الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة. ولكن هؤلاء لما ابتعدوا عن هذا الأصل، صاروا إلى ما صاروا إليه من التناقضات، وكذلك الاعتراضات. ولذلك لا تجدهم على رأي واحد. انظر من حين بدأت مقولة التعطيل في باب الأسماء والصفات من الجعدية، ثم الجهمية، ثم المعتزلة، وقبلهم المريسية، وبعدهم الكلابية، وبعدهم الأشاعرة والماتريدية. كل فرقة من هؤلاء لهم مذهب غير مذهب الفرقة الأخرى. بل ربما داخل الفرقة الواحدة تجد الشيخ والطالب بينهما فرق، وتجد الطالب والطالب في مذهبهم فرق. وهكذا. كما اختلف الجهم مع الجعد، مع أن الجعد شيخ الجهم. وكما اختلف بشر مع الجهم، والبشر أخذ عن الجهم. وكما اختلف كذلك الكثير من المعتزلة فيما بينهم البعض. وهكذا الكلابية، فابن كلاب اختلف مع الأشعري، والأشعري اختلف مع من بعده من الماتريدية. وهكذا قل في أشياء كثيرة تناقضوا واختلفوا، ورد بعضهم على بعض؛ بسبب عدم وجود أصل يرجعون إليه، وإنما هو العقل. والناس يتفاوتون في عقولهم، وفي فهمهم، وفي قبولهم وردهم. ومن ذلك -كما تقدم معنا- أن منهم من يثبت الأسماء، ومنهم من لا يثبتها. ومنهم من يثبت أسماء جامدة وناقصة. وكذلك في الإثبات يثبتون السلوب -على ما تقدم- وسبقت الإشارة إليه. حتى في باب الصفات، أثبتوا سبع صفات، ثم تناقضوا في هذا الإثبات للسبع. فمنهم من أثبتها، ومنهم من أثبتها ناقصة، ومنهم من زاد عليها. وغير ذلك، مع أنهم يقررون في عقيدتهم أنهم يثبتون الصفات السبع. مثل قول بعضهم -كما في الجوهر وغيره-: «له الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة». ومع ذلك، هل اتفقوا على هذه السبع؟ لا، لم يتفقوا، اختلفوا، ورد بعضهم على بعض فيها. وهكذا كذلك، لا يزالون يختلفون ويرد بعضهم على بعض؛ بسبب أنهم ليس لهم أصل صحيح يعتمدون ويرجعون إليه. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. هذا الاختلاف الكثير؛ لأنهم ليس لهم أصل واحد. أما أهل السنة والجماعة، فمعينهم واحد، وأصلهم واحد، وهو الكتاب والسنة. فالأدلة النقلية هي الأصل، والأدلة العقلية الصحيحة توافق الأدلة النقلية. فإذا حصلت هذه الموافقة، كان نورا على نور. وكيف نعرف هذه الموافقة؟ كلام العلماء الراسخين الذين بيّنوا بالأدلة والبراهين وجه الموافقة بين الأدلة العقلية والأدلة النقلية. وأن ما عليه أهل الباطل كانوا على بعد كبير عن دين الله عز وجل؛ لأنهم احتكموا إلى غير الكتاب والسنة، فكان هذا الضلال الذي كانوا ووصلوا إليه. ثم قال رحمه الله تعالى: فصل فيما يلزم على طريقة النفاة من اللوازم الباطلة. يلزم على طريقة النفاة لوازم باطلة، منها: أولا: أن الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر. ثانيا: أن الكتاب والسنة لم يبينا الحق؛ لأن الحق -عند هؤلاء- هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على نفي صفات الكمال عن الله، لا نصا ولا ظاهرا. وغاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج ذلك من مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ومعلوم لكل عاقل أن المقصود من أمثال هذه النصوص إثبات كمال الله تعالى، وأنه لا شبيه له في صفاته. ولا يمكن أن يراد بها بيان انتفاء الصفات عنه، إلا ريب أن من دل الناس على انتفاء الصفات عن الله بمثل هذا الكلام، فهو إما ملغز في كلامه، أو مدلس، أو عاجز عن البيان. وكل هذه الأمور ممتنعة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن كلامهما قد تضمن كمال البيان والإرادة، فليس المقصود به إرادة ضلال الخلق والتعمية عليهم، وليس فيه نقص في البيان والفصاحة. ثالثا: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل، وكاتمين للحق، أو جاهلين به؛ فإنه قد توت النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله، الذي زعم هؤلاء أنه باطل. ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق. وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة. رابعا: أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله، لازم أن يكون متصفا بصفات النقص؛ فإن كل موجود في الخارج، فلابد له من صفة. فإذا انتفت عنه صفات الكمال، لازم أن يكون متصفا بصفات النقص. وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة، ويقعون في شر مما فروا منه. هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى -كما رأينا- فيما يلزم على طريقة النفاة من اللوازم الباطلة. وقد أشار الشيخ رحمه الله لهذه اللوازم في هذه الأوجه التي ذكرها. ومن رأى هذه اللوازم وما يستلزمها، علم عظيم بطلان وضلال طريقة هؤلاء. فالكتاب والسنة أكمل ما يحتاجه الإنسان في دينه. وعلى طريقة هؤلاء: أنه ليس الأمر كذلك، ففيه معارضة لظاهر نصوص الكتاب والسنة. الله عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وكأنهم يقولون بلسان الحال أو المقال: «بل حصل التفريط». ولذلك يزيدون ما يزيدون بطريقتهم في رد نصوص الكتاب والسنة، زعما أنه تنزيها. وإضافة ما أضافته عقولهم: أن ذلك تعظيما لله عز وجل. فلا هم بالذي أثبتوا الذي أثبته الله لنفسه، ولا هم بالذي سكتوا فلم يضيفوا إليه ما يزيد في نقصه؛ لأن ما أضافوه على وجه التعظيم -بزعمهم- هو في الحقيقة قدح ونقص في حق الله العظيم. وما لم يثبتوه مما زعموا فيه التنزيه، حصل معه من التعطيل والتحريف والتنقص في حق الله عز وجل ما الله به عليم. فالله سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وهو القائل عن نفسه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وهو القائل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وهو القائل: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وهو القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ونحو ذلك من الأدلة الكثيرة الواضحة الظاهرة التي يعرف كل منصف أنها تدل على وحدانية الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، مما يقتضي البقاء على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فالله أعلم بنفسه وبغيره. إذا كان الله عز وجل يقول في دين وشرع: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة، فكيف يظن أنه في باب الأسماء والصفات وما يتعلق بذات الله المقدسة يكون قد حصل فيه التقصير؟ بل أدلة الكتاب والسنة دلت أن إثبات الأسماء والصفات عقيدة راسخة، ليس في دين الإسلام فقط، ولا ما جاء على لسان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. بل كذلك كان الأنبياء والرسل من قبل. فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام -كما أخبرنا الله عز وجل عنه- فإنه يجادل قومه المشركين الكافرين في إثبات ما أثبت الله عز وجل لنفسه من معاني أسمائه وصفاته. فيقول لأبيه -كما قال الله سبحانه-: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. فأثبت أن الله عز وجل يسمع ويبصر، وهذا من علامات كمال ربوبيته وألوهيته. وأن الأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر، وهذا من علامات أنها لا تصلح أن تكون إلها. تأمل هذا وتدبره، ثم تأمل ما عليه أهل التعطيل حين شابهوا المشركين بنفي السمع والبصر عن الله عز وجل؛ لأجل أن نعرف أن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي طريقة القرآن، وهو الواجب في الاعتقاد، عليه الأدلة النقلية. وهكذا الأدلة العقلية، فالأدلة العقلية لا تخالف الأدلة النقلية. وطريقة هؤلاء -مع ما فيها من الضلال- مليئة بالشبه، وكذلك الشكوك، والكذب على الله وعلى دينه وعلى شرعه. ثم بعد ذلك يزعمون أن عموم المسلمين على هذا، وهذا كذب كما كذبوا على الله. فلا يستبعد كذبهم على المسلمين. ولو أرادوا بالمسلمين من يوافقهم من أهل الضلال، لما كان ذاك حجة؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ولأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأكثر أهل الأرض أهل ضلال. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح -في حديث أبي هريرة- ومعناه عن غيره: أن الله عز وجل يقول لآدم يوم القيامة: «أخرج بعث النار». فيقول: «وما بعث النار؟» قال: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون». يعني: ألف إلا واحد يرمى بهم في النار، فلا ينجو من كل ألف إلا واحد. إذن الناجي قليل، حتى شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقالوا: «أينا ذاك الواحد يا رسول الله؟» يعني: إذا كان من كل ألف واحد، فمن هذا الواحد؟ فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: «الأمم ويأجوج ومأجوج، وضلال أهل الكتاب». لأجل أن يعلموا أن المقصود ليست أمة الإسلام، وإنما الأمم من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ففيها من أهل الكفر والشرك والإلحاد عدد لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك أشار الشيخ رحمه الله في ثنايا رده إلى بعض الألفاظ المحدثة التي أحدثوها بعقولهم الكاسدة. وقد سبق الكلام عليها وعلى ذريعة وعلة إحداثها، وكيف أنهم أحدثوها بسبب عقولهم المنحرفة، زعما أنها تنزيها أو تعظيما. وكل الأمرين: التنزيه والتعظيم ضلال وانحراف يزيد في الضلال والانحراف. حتى المعاني الصحيحة التي أثبتوها، أثبتوها بألفاظ غير صحيحة -كما تقدم معنا-. معاني صحيحة، لكنهم أثبتوها بألفاظ غير صحيحة. فنحن ماذا نفعل؟ نتوقف في اللفظ، ونفصل في المعنى. وهذا من عدل أهل السنة أنهم لم يردوا كل باطل ولو تضمن الحق، بل ردوا الباطل وأثبتوا الحق. فقالوا: الألفاظ التي أتيتم بها ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، فلا نثبتها، ونتوقف فيها، لا نثبتها ولا ننفيها، بل نتوقف فيها. وأما المعاني، فإن كانت معاني صحيحة، فنثبت المعنى، ونتوقف في اللفظ. وهذا من عدل أهل السنة والجماعة -كما تقدم معنا- في الحيز والجسم ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه. والكلام عنه، وهذا من عدل أهل السنة والجماعة. نعم. ثم قال رحمه الله تعالى: فصل فيما يعتمد عليه النفاة من الشبهات. يعتمد نفات الصفات على شبهات باطلة، يعرف بطلانها كل من رزقه الله علما صحيحا وفهما سليما. وغالب ما يعتمدون عليه ما يأتي: الأول: دعوة كاذبة، مثل أن يدعي الإجماع على قوله، أو أنه هو التحقيق، أو أنه قول المحققين، أو أن قول خصمه خلاف الإجماع، ونحو ذلك. الثاني: شبهة مركبة من قياس فاسد، مثل قولهم: «إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه؛ لأن الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة». الثالث: تمسك بألفاظ مشتركة بين معاني يصح نسبتها إلى الله تعالى، ومعاني لا يصح نسبتها إليه، مثل: الجسم والحيز والجهة. فهذه الألفاظ المجملة يتوصلون بإطلاق نفيها عن الله إلى نفي صفاته عنه. ثم هم يسوغون هذه الشبهات بعبارات مزخرفة طويلة غريبة، يحسبها الجاهل بها حقا، بما كسيته من زخرف القول. فإذا حقق الأمر، تبين له أنها شبهات باطلة، كما قيل: «حجج تهافتك الزجاج، تخالها حقا، وكل كاسر مكسور». والرد على هؤلاء من وجوه: الأول: نقض شبهاتهم وحججهم، وأنه يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه فيما نفوه. الثاني: بيان تناقض أقوالهم واضطرابها؛ حيث كان كل طائفة منهم تدعي أن العقل يوجب ما تدعي الأخرى، وأنه يمنعه. ونحو ذلك، بل الواحد منهم ربما يقول قولا يدعي أن العقل يوجبه، ثم ينقضه في محل آخر. وتناقض الأقوال من أقوال أدلة على فسادها. الثالث: بيان ما يلزم على نفهم من اللوازم الباطلة؛ فإن فساد لازم يدل على فساد الملزوم. الرابع: أن النصوص الواردة في الصفات لا تحتمل التأويل. ولئن احتملها بعضها، فليس فيه ما يمنع إرادة الظاهر، فتعين المصير إليه. الخامس: أن عامة هذه الأمور من الصفات يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها. فتأويلها بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والصوم والحج ونحو ذلك. السادس: أن العقل الصريح -أي السالم من الشبهات والشهوات- لا يحيل ما جاءت به النصوص من صفات الله. بل إنه يدل على صفات الكمال لله في الجملة. وإن كان في النصوص من التفاصيل في هذا الباب ما تعجز العقول عن إدراكه والإحاطة به. وقد اعترف الفحول من هؤلاء أن العقل لا يمكنه الوصول إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. وعلى هذا، فالواجب تلقي ذلك من النبوات على ما هو عليه من غير تحريف. والله أعلم. أشار الشيخ رحمه الله تعالى بالرد على هؤلاء من هذه الأوجه الستة، وهي ظاهرة وواضحة وبينة بما يغني عن الإطالة والتوضيح. عظيم ضلال هؤلاء، والأمر المهم والعظيم الذي خفي حتى على رؤوس أهل البدع ممن سلك هذا الطريق: أنهم لا يدرون أن حقيقة ما يسيرون إليه هو الكفر المحض. ولذلك لما تدرجوا واعتلوا هذا العلم، ووصلوا إلى نهايته، وصلوا إلى نهاية هي الكفر المحض. فالمنصف والصادق منهم رجع منكسرا تائبا -رجع منكسرا تائبا- مثل الجويني والغزالي والرازي وأمثالهم. لماذا؟ لأنهم ما ظنوا أن نهاية ما يتدرجون في الوصول إليه هو الكفر المحض. فحقيقة مقولة أهل التعطيل الذين سلكوا مسلك الفلاسفة: الوصول إلى القول بالتخييل. ولذلك لما ذكر شيخ الإسلام مذاهب أهل الباطل في رسالته الأخرى العظيمة النافعة التي هي «التدمرية»، قسمهم إلى أربعة أقسام: أهل التمثيل، وأهل التجهيل، وأهل التعطيل، وأهل التخييل. أما أهل التمثيل: أي الممثلة. وأما أهل التجهيل: المفوضة. وأما أهل التعطيل: فهم المعطلة على فرقهم التي سمعناها من الجعدية إلى الماتريدية. وأما أهل التخييل: فهم الفلاسفة. ونهاية قول أهل التخييل ما هو؟ أنه لا دين ولا شريعة ولا كتاب ولا نبي ولا رسول. وأن كل هذا عبارة عن خيالات لإصلاح هذا الإنسان. فلذلك يجعلون أن طريقة الباطنية -الذين هم أكفر من اليهود والنصارى- طريقة صحيحة: أن هناك شريعة لعامة المسلمين، وهناك حقيقة لخواص المسلمين. ما هي هذه الحقيقة عندهم؟ من اكتش