الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 95، الدرس الخامس والتسعون:من( فصل:ومن دلائل النبوة حنين الجدع ... فلم يزل عنده حتى بل فأكلته الأرضه وعاد رفاتاً.سنده حسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي الشيخ قصة حنين الجذع عند استبداله بالمنبر، ويبين دلالتها على نبوته وصدق رسالته. يشرح أيضًا إثبات الإرادة للجمادات واستحباب اتخاذ المنبر عند خطبة الجمعة.
يشرح المقطع الحديث الذي يصف الجذع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ عليه أثناء الخطبة، ويبين دلالاته مثل بساطة أحكام الدين واستحباب تعليم النساء وسد ذرائع الشرك.
يتحدث المقطع عن الطبعة الجديدة من كتب التعليق ويشير إلى تراجع الشيخ عن روايتين في فصل معين، ويطلب من الحاضرين التعليق على حديثين محددين في الطبعة القديمة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، والبنهاد الوادعي رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: فصل، ومن دلائل النبوة حنين الجذعي. قال البخاري رحمه الله: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، وخلاد بن يحيى أحد الثقات، وقد تكلم فيه لأجل بعض الأوهام التي وقع فيها، لكن الإمام البخاري رحمه الله انتقى من أحاديثه ما ليس فيها وهم. بل قال الدارقطني رحمه الله: إن وهمه إنما كان في حديث واحد، وهو ما يروى عن عمر رضي الله عنه في التحذير من الشعر: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا»، قال: رواه الناس مرفوعا، رواه الناس موقوفا، ورواه خلاد بن يحيى مرفوعا، فأخطأ فيه. فالشاهد: البخاري رحمه الله ينتقي من أحاديث المتكلم فيهم ما هو صحيح، فلا مطعن فيما روي عن أمثال هؤلاء في الصحيح. قال رحمه الله: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه. وعبد الواحد بن أيمن الحبشي المكي، أبوه هو أيمن المكي الحبشي، مولى عبد الله بن عمر المخزومي، وبه تعرف. فضل العلم على أهله، كيف رفع الله عز وجل بهذا العلم أقواما، ولو كانوا من الموالي. قال: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا»، قال: «إن شئت»، يعني: إن أحببت. قالت: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة، قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها، فضمها إليه، فجعلت تنئن كأنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر، يعني: ومن قرب النبي صلى الله عليه وسلم منها. سيأتي: إنه كان يتكئ على تلك النخلة. قال البخاري رحمه الله: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك: أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، فكان عليه -أي على المنبر- فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار. والعشار: الناقة الحامل التي قاربت الولادة. قال: حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده عليها، فسكن. حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم -يعني إلى النخلة-. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، وروح، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سوار المسجد، فلما صنع له منبره، استوى عليه، اضطربت تلك السارية كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها، فاعتنقها، فسكنت. وقال روح: فسكتت. وروح هو من روى الحديث مع ابن جريج، وابن جريج صرح بالتحديث، وهو كذلك روي له مقرونا. قال: وقال ابن بكر: فاضطربت تلك السارية. وقال روح: اضطربت كحنين -كحنين يعني كصوت- حنين الناقة. إما أنه محذوف التكملة، كما جاء في الرواية، أو اكتفي بذكر الصوت بما يدل على المضاف إليه المحذوف. قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. وقال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن كثير، أبو غسان، قال: حدثنا أبو حفص -واسمه عمر بن العلاء، أخو أبي عمر بن العلاء- قال: سمعت نافعا، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه، فمسح يده عليه. وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام الدارمي رحمه الله: أخبرنا زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمر، قال الشيخ: هو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع، ويخطب إليه، إذا كان المسجد -إذ كان المسجد عريشا- يعني من عريش النخل. وعريش النخل معروف: سعفه التي فيها أوراقه. فقال له رجل من أصحابه: «ألا نجعل لك عريشا تقوم عليه؟ يراك الناس يوم الجمعة، وتسمع من خطبتك»، قال: «نعم». فصنع له الثلاث درجات -هن اللواتي على المنبر- ولا ينافي هذا ما سبق: أن المرأة عرضت عليه، فتكون المرأة عرضت عليه، ثم أرسلت الغلام. وجاء في بعض الروايات: أنه غلام رومي -يعني من بلاد الروم- قال: فصنع له الثلاث درجات -هن اللواتي على المنبر- فلما صنع المنبر، ووضع في موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد المنبر، مر عليه -يعني على جذع النخلة- فلما جاوزه، خار الجذع حتى تصدع وانشق، فرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر. قال: فكان إذا صلى صلى إليه. فلما هدم المسجد، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، فلم يزل عنده حتى بلي، فأكلته الأرض، وعاد رفاتا. سنده حسن. أورد شيخنا رحمه الله هذا الفصل في ذكر دليل آخر من دلائل نبوته، وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وذلك ما وقع من حنين الجذع. ومعنى الحنين: الصوت الذي أصدره الجذع للأمر الذي ذكر، وسمعناه وقرأناه في هذه الأحاديث. فهذه الروايات وقد جاءت عن عدد من الصحابة، كما رأينا، وسيأتي معنا إن شاء الله بعضها: جاء عن جابر، وعن أنس، وكذا كذلك عن ابن عمر، وأبي بن كعب، وجماعة. فهذا يؤيد صدق وصحة هذه القصة التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الجذع، وأنه حن كما يحن الصبي، وفي رواية: كما يحن العشار، وفي رواية: كما تحن الناقة، وفي رواية: كما يخور الثور. وكل هذه الرواية تدل: أن الجذع أصدر أصواتا، وهي أصوات إذا قربت تشبه هذه الأصوات المذكورة. ولا تعارض بين ذكر هذه الأصوات؛ لأن الصوت ليس هو عين صوت الصبي، ولا هو عين صوت العشار، ولا هو عين حنين الناقة، ولا خوار الثور، ولكنه صوت شبها بهذه الأصوات. وربما كان الصوت يختلف: يزيد وينقص، فيشبه في اختلافاته ومراتبه بهذه الأصوات. وبهذا المعنى يجمع بين هذه الروايات. وهذا علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالة عليه الصلاة والسلام؛ أي: أن الله أنطق له هذا الجذع. وقد استدل بعضهم بهذا: أن نبينا عليه الصلاة والسلام جمع له من آيات الأنبياء والرسل ما عند من سبقه، وزيادة. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على معنى ذلك، وقبله عدد من العلماء الأئمة، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله على هذا الحديث -قال- ما معناه: «إن كان قد جمع الله لنبينا من الآيات ما جمع لمن قبله، إن كان عيسى عليه الصلاة والسلام أوتي إحياء الموتى، فقد أوتي لنبينا صلى الله عليه وسلم مثله وأعظم، وهو ما كان من حنين الجذع». يعني: إنطاق الميت ليس مثل إنطاق الجماد؛ فإنطاق الجماد فيه إحياء الموتى، وزيادة؛ لأن الميت أصله حي، وأما الجماد فهو أعظم من ميت يتكلم. فلهذا قال العلماء: أوتي نبينا عليه الصلاة والسلام من الآيات ما أوتي من قبله من الأنبياء والرسل، وزيادة. ولهذا فإن هذا يحاج به من آمن من أهل الكتاب بما جاء به من آمن به من رسول ونبي. فيقال له: بماذا علمت؟ يقال للنصراني مثلا: بماذا علمت أن عيسى عليه الصلاة والسلام نبي ورسول؟ فإن قال: علمت بإنزال الكتاب له. قيل له: قد أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام كتاب، وهو أعظم من الكتاب الذي أنزل على عيسى. وإن قال: بالآيات التي أوتي معه. قيل له: وما تلك الآيات؟ فإن قال مثلا: إحياء الموتى. قيل له: قد أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه؛ فإن كان عيسى يحيي الموتى، فنبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الجمادات؛ فقد تكلم الجذع، وحن، وسلم عليه حجر، وغير ذلك مما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أوتي من الآيات ما هو أعظم مما أوتي الأنبياء والرسل قبله عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك فيه آية أخرى من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام: أنه لم يكن له فقط حنين الجذع، بل كان له كلام الجمادات والحيوان. وهذا أعظم مما أوتيه من قبله من الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث برواياته وطرقه مسائل أخرى من أهمها: فيه إثبات الإرادة للجمادات؛ أن لها إرادة، وأن لها حياة خاصة بها، لا يعلم كيفيتها إلا الله سبحانه. وعلى هذا يفهم قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:44]، فكل مخلوقات الله لها حياة خاصة بها، لا نعرف حقيقتها وكيفيتها، ولكن الله جل وعلا الذي بكل شيء عليم، يعلم ذلك. وقد أظهر لنا ربنا جل وعلا بعض ما في الغيب مما يبرهن لنا ذلك، ويكون آية في هذا المقام. فهنا تبين بحنين الجذع: أن الجذع له إرادة، وله إدراك، وله إحساس، لكننا لا نعرفه. ولهذا فإنها تشهد هذه الجمادات علينا يوم القيامة، فتشهد علينا هذه الجمادات؛ لأن لها إرادة، ولها حياة خاصة بها، ولها إدراك. فكل شيء في هذه الدنيا له حياته الخاصة. فإذا كان كذلك لم يستشكل أحد: كيف تشهد يوم القيامة؟ وكيف تتكلم؟ لأن لها حياة خاصة بها. وهكذا قصة الحجر الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يدل على هذا المعنى كذلك. وفي هذا الحديث من المسائل: استحباب اتخاذ المنبر عند خطبة الجمعة، خاصة وعندما يكون بمعناه في ازدحام الناس وكثرتهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اتخاذ المنبر عند كثرة الناس. فقد جاء في بعض الروايات: أنه قيل له: «يا رسول الله، إن الناس قد ازدحموا عليك، فلو أنك اتخذت منبرا تقعد عليه؟ يراك الناس -يعني البعيد والقريب- فوافق النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا كذلك مع هذه السنة: بيان أن ديننا يأمر بتتبع المصالح، والوصول إلى أعلاها، ودرء المفاسد، ودفع أشدها؛ فديننا يدعو إلى ذلك. فكل ما لم يخالف الشرع، وكان فيه مصلحة في وصول الخير، وآكد في باب الدعوة إلى الله، فهو مما يحبه الله، ويحث عليه الشرع، ولكن بهذا القيد: بما لا ينافي ويخالف الشرع. وهذا المعنى من تأمل هذا الحديث، وأمثاله مما فيه إضافة ما لم يكن موجودا لما فيه من المصلحة، يتبين له حقيقة هذا المعنى. وفيه من المسائل كذلك: بيان صفة المنبر الذي كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقعد عليه صلى الله عليه وسلم: أنه ثلاث درجات، يصعد على الأولى، ويقف في الثانية، ويقعد على الثالثة. ولا ينافيه ما جاء في حديث قصة جبريل حين أخبره -وهو يصعد على المنبر درجة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة- وهو يقول: «من أدرك رمضان فلم يغفر له، ومن أدرك والديه فلم يغفر له» الحديث. ففسره وأجاب العلماء عنه: بأن معناه وقوفه على عتبة درجات المنبر، يعتبر أول تلك الدرجات، ثم الثانية هي أول درجات المنبر، ثم الثالثة هي ثاني درجات المنبر؛ لأن صعوده يكون بالارتقاء من أول عتبة المنبر، وهي تعتبر بمثابة أول درجة. جمعا بين الأدلة؛ لأن الأدلة الصحيحة الصريحة تدل: أنه قعد على الثالثة عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك: بساطة ويسر أحكام هذا الدين؛ فليس المنبر شرطا في خطبة الجمعة، بل هو سنة. فإذا لم يجد الخطيب منبرا، صعد على أي شيء، ولو جذع نخلة، أو وقف على الأرض، واتكأ على أي شيء. وهكذا لو أن الخطيب مرض أو تعب، فلم يستطع أن يصعد على المنبر، جاز له أن ينزل من على المنبر، ولو في نصف الخطبة، ويقف على الأرض؛ فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الأرض، كما في أول هذا الحديث برواياته: متكئا على الجذع. وفيه كذلك: استحباب اتكاء الخطيب عند خطبته؛ لما فيه من العون له؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ على هذا الجذع. جاء في رواية: أنه يتكئ عليه عن يمينه. وجاء في رواية: أنه كان يتكئ عليه، فيستند عليه على ظهره -يعني يجعل السارية خلف ظهره- فيقف وهو متكئ على ظهره، ويخطب الناس. وهذا يشعر: بأن الاتكاء يفعل بحسب الأنفع والأصلح. فالخطيب أو المتحدث يستند إلى شيء بحسب ما يصلح له، ويكون أنفع. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: مع ما سيأتي من روايات آتية: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من تعليم أصحابه. والظاهر: أن هذه الخطابة والتعليم لم تكن في خطبة الجمعة فقط، كما سيأتي معنا في الروايات الآتية. وهذا معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مجالس علم مع الناس. وفي الناس: الرجال الكبار، والصغار، بل وحتى النساء؛ حتى أرسل النساء إلى النبي عليه الصلاة والسلام: أن الرجال قد غلبوا النساء في مجلسه -يعني ما استطاع النساء أن يأخذوا منه العلم- فقلنا: أي النساء لو أنك تجعل لنا يوما -أي يعلمهن فيه- فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يوما -أي في الأسبوع- يعلم فيه النساء. وفي هذا: استحباب تعليم النساء. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من رحمته بالخلق؛ حتى ما كان مع الجذع، فنزل، فسكنته، وسكن عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك -وسيأتي معنا في الروايات الآتية- ما ينبغي من عدم فتح باب الفتنة للناس، وسد ذرائع الشرك والغلو؛ وذلك لأنه جاء في بعض الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن هذا الجذع. وفي رواية: أنه جعله في السقف -يعني عماه على الناس- حتى ما عرفوا أين هو. وأما ما جاء في هذه الرواية التي ذكرت في حديث أبي بن كعب: أنه أخذه بعد أن هدموا المسجد، فبقي عنده حتى أكلته الأرض، وعاد رفاتا. فبعض أهل العلم قال: هذه الرواية لم تصح؛ لأنها من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف. وبعضهم قال: لو صحت، لحملت: أن هذا مما عرفه بعض خواص الصحابة الذين شاركوا النبي صلى الله عليه وسلم في تعمية هذا الجذع؛ فلم يعمي على الناس لوحده، وإنما باستعانة بعض الصحابة. فلما هدم المسجد، علم هذا الصحابي مكان الجذع، فأخذه، ثم احتفظ به عنده حتى بلي؛ لأجل أن لا يفتتن به أحد. وبه يعرف: أن قطع عمر رضي الله عنه أرضاه لشجرة الرضوان لم يكن رأيا مجردا، وإنما من سنة الخلفاء الراشدين، التي كانت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في سد ذرائع الشرك، وحماية حما التوحيد. وهذا له نظائر كثيرة. وقد مر معنا قريبا في كتاب التوحيد: باب خاص فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سد ذرائع الشرك، وما يفضي إليه، وحماية حما التوحيد. طيب نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: هل نصلي صلوات صلوات ذات الأسباب -كتحية المسجد، والكسوف- في الأوقات المنهية عنها؟ نعم تصلى ولو في الأوقات المنهية عنها، إلا وقت التحريم؛ فإنه لا يصلى فيها -يعني عند غروب الشمس، وعند الشروق- قدرى عشر دقائق أو أقل. فالأفضل أن الإنسان يؤخر الصلاة إلى انتهاء وقت التحريم، لا يبتدئ الصلاة في وقت التحريم. قال: ذكر في طبعة جديدة: تعليق على حديث بن عمر، بعد قوله: «حدثنا أبو حفص»: أعلّت دارقطني وأحمد وغيرهما هذه الطريق. أبينا أن الصواب رواية معاذ بن العلاء عن نافع به؛ كما في تهذيب الكمال في ترجمة عمر بن العلاء. قال: وعلّق على حديث أبي بن كعب، بعد قوله: «سنده حسن»: تقدم أن عبد الله بن عقيل لا يرتقي حديثه إلى الحسن. طيب هذه الطبعة أين هذه الطبعة الجديدة من كتب التعليق؟ ها عندك هذه الطبعة؟ طيب إذاك الله خير. فيكون في هذا تراجع الشيخ عن هاتين الروايتين في هذا الفصل. فمن عنده الطبعة القديمة يعلّق حديث أبي، ورواية حديث بن عمر. نعم. وقد سبقت الإشارة على رواية حديث أبي. وقد ستشعرم لا يُبرق.