الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 7، الدرس السابع : فيه (ومن الفروق الضعيفة:تفريقهم بين الجاهل والناسي والمتعمد ...واختاره شيخ الإسلام وطرده في كل المسائل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم إتلاف المحرمات أثناء الإحرام للجاهل والناسي والمتعمد، ويبين أنهم يتساوون في وجوب الفدية أو عدمها. المعذور بجهل أو نسيان لا إثم عليه ولا فدية.
يشرح الفروق بين من ترك المأمور ومن فعل المحظور في العبادات، ويبين أن من ترك المأمور لا تبرأ ذمته إلا بفعله، بينما يعذر من فعل المحظور مع العذر. يشرح أمثلة من الصلاة والحج.
يتناول حكم ترك المأمور وفعل المحظور في العبادات، ويبين أن ترك المأمور يوجب الإعادة إذا كان الوقت باقيا، وأما فعل المحظور مع العذر فلا إثم ولا إعادة عليه.
يشرح معنى جعل الإمام الشافعي مسائل معينة كقواعد فقهية عامة، ويشير إلى أهمية هذه القواعد في فهم وتطبيق الفقه بشكل شامل ومتناسق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه التقاسيم والفروق: قال: ومن الفروق الضعيفة تفريقهم بين الجاهل والناسي والمتعمد في إتلاف المحرم لشعره أو الضاربه، أن الثلاثة عليهم الفدية لحصول الإتلاف، وأن من لبس أو غطى رأسه أو تطيب ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه. والصحيح أن حكم الجميع واحد، وأن المعذور بجهل أو نسيان كما لا إثم عليه لا فدية عليه؛ لأن مقصود اجتناب المذكورات لأجل حصول الترفه والإتلاف الذي يستوي فيه المعذور بجهل ونسيان والمتعمد. إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم وهي مبنية على الشح، وحقوق الله مبنية على المسامحة. ومثل ذلك بجزاء الصيد على الصحيح، كما نصت عليه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. أورد رحمه الله تعالى هذا الموضع في تنبيه على شيء من الفروق الضعيفة، فهو يذكر التقاسيم والفروق ثم يذكر الفروق الضعيفة والفروق الصحيحة. فمن الفروق الضعيفة التفريق بين الجاهل والناسي والمتعمد في الإتلاف. بعض أهل العلم يفرق بين ما أتلفه المحرم وبين ما اكتسبه المحرم. فما اكتسبه كلبس أو تغطية أو تطيب، أو نقول بعبارة أخرى تحلية ما كان من تحلية حصل بجهل أو خطأ أو نسيان، فإنهم يعذرونه في ذلك ويقولون: لا شيء عليه. وما كان من تخلية، وهو بأن فعل ما منع من فعله من إزالته كإزالة الشعر والأظفار، يقولون: عليه الفدية، ولكن ليس عليه الإثم. والصحيح كما قال رحمه الله: أن الجميع واحد، لا فرق بين من فعل التحلية أو التخلية في محظورات الحج إذا كان عن جهل أو نسيان أو خطأ. والأدلة التي تدل على الإعدار في هذا الباب عامة من الكتاب ومن السنة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس، وبمعنى من حديث أبي هريرة: قال الله عز وجل: «قد فعل». وكذلك ما هو أعظم من ذلك، كلمة الكفر إذا وقعت على وجه الخطأ أو الجهل ونحوه، فإنه يعذر صاحبه كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾. فإذا قوله رحمه الله: الجميع واحد، يعني لا إثم ولا فدية، وهذا هو الصواب. وقوله: أن المعذور بجهل أو نسيان كما لا إثم عليه لا فدية عليه، يعني لما اتفقوا أن فاعل المحظور في التخلية أو التحلية لا إثم عليه، وجب أن يقول كذلك: لا فدية عليه؛ لأن مخرج الجميع شيء واحد. وهذا هو الصحيح، بل الصحيح أنه لو فعل ذلك حتى لو كان قد فعله مضطرا عامدا، ذهب بعض أهل العلم أنه لا فدية إلا بما دل الشرع أن فيه فدية مما جاء في السنة أو صح عن الصحابة واتفقوا عليه. وما لم يتفقوا عليه فإنه لا فدية فيه. كما هو مفصل مبين في كتب الأحكام ككتاب المناسك. وقد مرت معنا مسائل في هذا الباب، ولكن المقصود هنا التنبيه على هذا الفرق من الفروق الضعيفة. ثم انتقل رحمه الله تعالى لذكر التعليل ليبين أن الجميع خرج مخرجا واحدا، فينبغي أن يكون حكمه حكم واحد. فقال: لأن مقصود اجتناب المذكورات لأجل حصول الترفه والإتلاف الذي يستوي فيه المعذور بجهل ونسيان والمتعمد. والمتعمد إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم وهي مبنية على الشح، وحقوق الله مبنية على المسامحة. يعني كأنه يقول: وهذا قياس، إذا كان في أموال الآدميين حصل المشاحة، وفي حق الله عز وجل تحصل المسامحة في أصل الحقوق. مثلا لو أن رجلا عليه دين، هو زكاة لم يخرجها، وعليه دين لإنسان فلم يكن عنده مال إلا أن يعطي أحد الطرفين، إما أن يخرج الزكاة وإما أن يعطي دين الآدمي، أيهما يقدم؟ اتفق أهل العلم أنه يقدم إعطاء الآدمي وحقه. ثم قال: ومثل ذلك بجزاء الصيد على الصحيح، كما نصت عليه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وهذا قياس آخر، يقول: قتل الصيد هو من فعل المحظور، ومع ذلك فإن الله عز وجل قيده بقيد المتعمد. فمن قتله منكم متعمدا، خرج الجاهل لأنه لا يعلم، والناسي والمخطئ. فإذا خرج هؤلاء، فإنه كذلك ينبغي التسوية في الحكم في باب محظورات الحج الأخرى ومحظورات الإحرام. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة الثابتة شرعا الفرق بين من ترك المأمور سهوا أو جهلا أنه لا تبرأ ذمته إلا بفعله، وبين من فعل المحظور وهو معذور بجهل أو نسيان أنه يعذر وتصح عبادته. فمن ذلك في الصلاة، إذا ترك الطهارة أو السترة أو غيرهما من الشروط، وكون السترة واجب فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجاز أو أقر إجازة صلاة من تنكشف عورته بغير قصد. قال: إذا ترك الطهارة أو السترة أو غيرهما من الشروط جاهلا أو ناسيا، فعليه الإعادة. والصحيح أنه يعيد في مسألة الركن والشرط. والسترة واجب. قال: وإن صلى وقد نسي نجاسة على بدنه أو ثوبه، فصلاته صحيحة؛ لأن هذا فعل محظور، وذاك ترك مأمور. فما كان من ترك مأمور فإنه يوجب الإعادة إذا كان وقته موجودا. أما إذا كان وقته قد ذهب وكان له وقت فإنه لا يؤمر بالإعادة. ودليله حديث المسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإعادة الصلاة الحاضرة فقط كما في الصحيحين. وأما ما فات من صلوات لم يأمره بإعادتها. ومثله كذلك المستحاضة، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي من حين سؤالها، ولم يأمرها بإعادة الصلوات الفائتة. فدل على أن فعل ترك المأمور يوجب الإعادة، ولكنه إذا كان وقته باقيا. وأما إذا كان وقته قد ذهب فلا يؤمر بالإعادة. وقد مرت معنا هذه المسألة في كتب متقدمة كثيرا. قال: وكذلك الصيام والحج والعمرة وبقية العبادات، إذا ترك فيها المأمور لابد من فعله أو فعل بدله إذا كان له بدل. فمثلا من صام فأكل أو شرب ناسيا فلا شيء عليه، ويواصل في صيامه. بخلاف من صام بغير نية، فهنا لم يفعل محظور، ولكن ترك مأمور، فإنه يؤمر بإعادة الصوم. كمن أدركه الصيام وهو لم يبيت النية ولم يعلم أن غدا أول يوم من رمضان. قال: وقوله إذا ترك فيها المأمور لابد من فعله أو فعل بدله إذا كان له بدل. ومثال ما له بدل، مثلا ترك الواجب في الحج، فعلى قول بعض أهل العلم أن عليه الدم. والصحيح أنه لا يلزم بالدم إلا ما ورد به الدليل، مثل دم الإحصار. فإن من ترك المواصلة لعذر من منع من الاستمرار في الحج أو صار له عذر من مرض ونحوه، فإنه عند ذلك عليه دم الإحصار. ترك المأمور فعليه أن يأتي به أو يفعل البديل إن كان له بدل. قال: وإذا فعل المحظور وهو معذور لا حرج عليه ولا إعادة. ولا بدل كما تقدم؛ لأننا فرقنا بين ترك المأمور وفعل المحظور. قال: واختاره شيخ الإسلام وطرده في كل المسائل. يعني اختار هذا القول لأنه القول الذي تجتمع به الأدلة. وللناس فيه خلاف، لكن إذا تأملت الأدلة الشرعية وجدت أنها على هذا التفصيل الذي سمعنا التفريق بين فعل المحظور وترك المأمور. بأن ترك المأمور يسقط الإثم ولا يسقط الحكم، يبقى الحكم متعلقا بالدم. وأما فعل المحظور فإنه يسقط الإثم والحكم معا. ثم يفرق بين الناس والجاهل في مسألة ترك المأمور. فالناسي يؤدي هذا المأمور متى ما كان ولو ذهب وقته لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». والجاهل يعذر إذا فات الوقت فإنه يعذر. وهذا لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث المسيء لم يأمره بإعادة الفائتات التي قد ذهب وقتها وهو لم يحسن في صلاته فيها. فالدليل فرق بين الناس والجاهل فيما فات وقته من المأمورات. ومع ذلك فهنا كذلك ننتبه لشيء في مسألة ترك المأمور، وهو هذا إذا كان له وقت. وأما إذا لم يكن له وقت فإنه يأتي بها على كل حال. قال: وقوله وطرده بكل المسائل، يعني أنه جعلها قاعدة مضطردة تسري على كل أبواب الفقه. وبهذا نصل إلى ختام هذه المادة، والله تعالى أعلم.