شرح العقيدة الواسطية للهراس 46

شرح العقيدة الواسطية للهراس 46

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 46، الدرس السادس والأربعون : (وقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ... وإتيانهم نزوع إلى التشبيه الذي يفضي إلى الإنكار والتعطيل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

إثبات صفة الإتيان والمجيء لله تعالى وتفسير الآيات

يتناول إثبات صفة الإتيان والمجيء لله تعالى وتفسير الآيات القرآنية المتعلقة بها، مع التركيز على موقف أهل السنة والجماعة. يُؤكد على الإيمان بحقيقتها دون تأويل أو تعطيل.

صفات الفعل الإلهية والإتيان والمجيء

يناقش صفات الفعل الإلهية خاصة الإتيان والمجيء، ويبين أنها متعلقة بالمشيئة الإلهية. يُظهر أن الآيات القرآنية صريحة في إثبات هذه الصفات ويُنتقد التأويلات التي تحرف معانيها.

الرد على التأويلات الخاطئة للإتيان والمجيء

يناقش معنى الإتيان والمجيء لله تعالى يوم القيامة، ويؤكد أنها حقيقية وليست مجازية. يحذر من تأويلها بطريقة تؤدي إلى التشبيه أو التعطيل، ويشرح أن اللغة العربية واسعة والمعاني تتحدد حسب السياق.

الرد على أهل التعطيل وموقفهم من إثبات الصفات

يتناول موقف أهل التعطيل من إثبات صفات الله، ويبين أنهم وقعوا في التشبيه ظنا منهم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه بالخلق. يجب إثبات الصفات لله على ما يليق بجلاله وعظمته دون تشبيه بالمخلوقات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإسلام ابن قيمية رحمه الله تعالى: «وقولوا هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة»، وقولوا: «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر»، وقولوا: «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك»، وقولوا: «كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا»، وقولوا: «يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا». أورد شيخ الإسلام ابن قيمية رحمه الله تعالى هذه الآيات كذلك ليستدل بها على إثبات صفة من صفات الله جل وعلا، وهي صفة الإتيان والمجيء على ما يليق بجلال الله وعظمته. «وقولوا هل ينظرون» أي الكفار، «إلا أن يأتيهم» أي الله عز وجل لفصل القضاء، «في ظلل من الغمام» أي السحاب الرقيق، «وقضي الأمر» أي تم هلاكهم، «وقولوا هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة» أي لقبض الأرواح، «أو يأتي ربك» أي لفصل القضاء، «أو يأتي بعض آيات ربك» أي على ما يأتي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وظهور الدابة وغير ذلك. وأو لا تفيد الترتيب، إذ أن ترتيب هذه الأفعال ليس على ما ذكر، ولكن المقصود هو ذكر ما يكون به الزجر، فليس في هذا السياق ترتيب، ولكن مقصود التنبيه لعظم الأمر. وقوله: «كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك» أي لفصل القضاء، «والملك» أي ليس واحد، وإنما المراد جنس الملائكة، وقوله: «ويوم تشقق السماء» أي يحصل لها الانفطار كما قال سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾، وقوله: «بالغمام» أي يخرج منها الملائكة فينزلون صفا صفا، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وفيه إثبات العلو لله جل وعلا. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «هل ينظرون» في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل له سبحانه، وهما صفتا الإتيان والمجيء، والذي على أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل. وقوله رحمه الله تعالى: «أن في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل» مر معنا أن الصفات منها ما هي صفات أفعال، ومنها ما هي صفات ذاتية، وهذه الصفات الفعلية هي التي يسميها بعضهم بالصفات الاختيارية، أي أنها تحت المشيئة يفعلها متى شاء. ولفظة «اختيارية» صفة كاشفة لا مفهوم لها، إذ ليس هناك صفات ليست اختيارية، ولكن المراد أنها متعلقة بالمشيئة. وقوله: «وهم صفتان صفتا الإتيان والمجيء»، كلتا الصفتين كما رأينا في الآيات لفصل القضاء، إتيان ومجيء لفصل القضاء، ولا ينفي الإتيان والمجيء في غيره، لأن هذه الصفة الفعلية متعلقة بالمشيئة يفعلها متى ما شاء سبحانه وتعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: ولعل من المناسب أن ننقل إلى القارئ هنا ما كتبه حامل لواء التجهم والتعطيل بهذا العصر، وهو المدعو بزاهد الكوثري، وهو محمد بن الحسن الكوثري، ما نصه... قال: «قال الزمخشري: ما معنى إن الله يأتي بعذاب في الغمام الذي ينتظر منه الرحمة فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة أفضع وأهول»، وهذا تحريف، لأن الله جل وعلا قال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، فإتيان الملائكة إتيان حقيقي. قال: «أو يأتي ربك»، عطف إتيان الرب على إتيان الملائكة، فدل أن إتيان الرب إتيان حقيقي، ليس إتيان أمره أو عذابه، فهذا تكلف وتحريف، تكلف في المعنى وتحريف للغرض. قال الشارح رحمه الله تعالى: فأنت ترى من نقل هذا الرجل عن أسلافه في التعطيل مدى اضطرابهم في التخريج والتأويل، لو سألت أشعريا أو معتزليا أو متكلما، بل لو سئل الكوثري نفسه الذي نقل هذه النقولات الثلاث، أي هذه النقولات الثلاث هو الصواب؟ هل تفسير الزمخشري أم تفسير الجويني أم تفسير الرازي؟ الجواب: كلها متعارضة والحق واحد. فصدق الله إذ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال رحمه الله تعالى: على أن الآيات صريحة في بابها، لا تقبلوا شيئا من تأويلات من تلك التأويلات، يعني أن الآيات صريحة في إثبات الإتيان والمجيء، وهؤلاء في الحقيقة تكلفوا وفعلوا ما لا يجوز شرعا ولا عقلا. قال: فالآية الأولى تتوعد هؤلاء المصرين على كفرهم وعنادهم واتباعهم للشيطان بأنهم ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله عز وجل في ظلل من الغمام لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يعني تم هلاكهم. قال: والآية الثانية أشد صراحة، إذ لا يمكن تأويل الإتيان فيها بأنه إتيان الأمر والعداب، لأنه ردد فيها بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب سبحانه، وهذا يؤكد أن الإتيان إتيان حقيقي. قال: وقوله بالآية التي بعدها: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ لا يمكن حمله على مجيء العذاب، لأن المراد مجيئه سبحانه يوم القيامة لفصل القضاء، والملائكة صفوف إجلالا وتعظيما لله، أو إجلالا وتعظيما له. وعند مجيئه تنشق السماء بالغمام، كما أفادته الآية الأخيرة: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾. قال: وهو سبحانه يجيء ويأتي وينزل ويدنو، يعني كما دلت الأدلة على ذلك، وهو فوق عرشه بائن من خلقه، لا منافاة بين الإتيان والمجيء والدنو والعلو، فهو في علوه، فالعلو صفة الذات، وهو سبحانه يجيء ويأتي. والله على كل شيء قدير، ولا مناقضة ولا معارضة، وقد مثل أهل العلم بذلك أمثلة، ولله المثل الأعلى، فأنت تسير والقمر في العلو، والقمر ينتقل من المغرب إلى المشرق ويقرب ويبعد بحسب نظرك، وهو في علوه. فإذا كان هذا في حق مخلوق من مخلوقات الله، فكيف بحق الخالق جل وعلا العظيم، وهو على كل شيء قدير؟ فهذا مثل يقرب المعنى، ولله المثل الأعلى. قال رحمه الله: فهذه كلها أفعال له سبحانه عن الحقيقة، ودعوى المجاز تعطيل له عن فعله. وكما قلنا فيما تقدم: الصحيح أنه لا وجود للمجاز لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام أهل اللغة، فليس عند أهل العربية شيء من معنى المجاز الذي يفهمه أهل المجاز، وهو صرف اللفظ عن ظاهره. بل الصحيح أن اللغة العربية واسعة، واللفظ الواحد يستعمل بأكثر من معنى بحسب سياقه وسباقه، كما رأينا «النظر» يأتي بمعنى الانتظار، ويأتي بمعنى الاعتبار والتفكر، ويأتي بمعنى الإبصار. فليس هو في واحد منها حقيقة وفي الآخر مجاز، وهكذا «الماء» يطلق عليه «عين»، وهكذا «الذهب» يطلق عليه «عين»، وهذه «العين» المبصرة يطلق عليه «عين». فليس هو في واحد منها حقيقة وفي الآخر مجاز، بل هو في الجميع حقيقة، فـ«العين» الجارية عين، و«العين» المبصرة عين، و«الذهب» عين، و«الجاسوس» عين. وهكذا كل ذلك في موضعه وسياقه وسباقه عين، لكن سياق الكلام وسباقه هو الذي يبين المعنى المراد من هذه المعاني الكثيرة. قال رحمه الله تعالى: واعتقاد أن ذلك المجيء والإتيان من جنس مجيء المخلوقين وإتيانهم نزوع إلى التشبيه يفضي إلى الإنكار والتعطيل. فحقيقة أهل التعطيل أنهم وقعوا في التشبيه، لأنهم ظنوا أن إثبات الإتيان والمجيء استلزم التشبيه بالخلق، تشبيه الخالق بالمخلوق وتمثيله بالمخلوق، وهذا ليس بصحيح. بل نثبته على ما يليق بجلال الله وعظمته، كما أنك تثبت لله ذاتا تليق بجلال الله وعظمته، وبه يكون وجود الرب، فكذلك تثبت لله صفات على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.