شرح العقيدة الواسطية للهراس 62

شرح العقيدة الواسطية للهراس 62

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 62، الدرس الثاني والستون:(قوله ما يكون من نجوى إلخ يثبت سبحانه شمول علمه وإحاطته ... صبراً على طاعة الله وصبراً عن معصية الله وصبراً على قضائه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح معنى النجوى والمعية الإلهية

يبدأ الشيخ ابن بريك حفظه الله بشرح آية قرآنية تتحدث عن علم الله وإحاطته بجميع الأشياء، ويوضح معنى نجوى المتناجين ومعية الله لخلقه. يُبين أن معية الله لخلقه هي معية حاطة وقدرة وهيمنة وسمع وبصر.

تفصيل المعية الإلهية الخاصة والعامة

يشرح المقطع المعية الخاصة لله تعالى وتنقسم إلى معية عامة خاصة مثل معية الله للمتقين والمحسنين، ومعية خاصة مقيدة بشخص مثل معية الله لأنبيائه، وتتضمن معاني النصر والتأييد والإحاطة.

الرد على المخالفين في تفسير المعية الإلهية

يرد الشيخ على الجهمية والصوفية والأشاعرة والماتريدية والكلابية الذين فسروا المعية بمعان باطلة، مؤكداً أن المعية الإلهية عند أهل السنة والجماعة هي معية حقيقية تليق بجلال الله وعظمته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال قوله «ما يكون من نجوة إلى آخره»، يعني ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الآيات التي سبقت، قال: يثبت سبحانه شمول علمه وإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يخفى عليه نجوة المتناجين، نجوة المتناجين إن كانوا جماعة أو المتناجين إن كانوا اثنين، يجوز هذا وهذا. قال: وأنه شهيد على الأشياء كلها مطلع عليها. قال: وإضافة نجوة إلى ثلاثة من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير ما يكون من ثلاثة نجوة أي متناجين، والمعنى أنه لا يخفى على الله جل وعلا شيء، فهو كالآيات الأخرى الكثيرة التي فيها عموم علم الله عز وجل وإحاطة سمعه وبصره جل وعلا، أم يحسبون أن لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون. وفيه كذلك التهديد والوعيد والإخبار عما يكون من حساب يوم القيامة في أمر هذا النجوة. والمؤمن في هذا تحت المشيئة، كما بحديث ابن عمر في الصحيحين: «أن الله عز وجل يقول: أنا سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم». وفي قوله رحمه الله تعالى فيما ذكره في الآية من قول الله عز وجل: «ما يكون من نجوة ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا» إلى آخره، فيه أولا الرد على أهل الحلول والاتحاد. فإن معية الله عز وجل في الآية قرنت بالعلم في أولها وفي آخرها، ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض إلى أن قال: «إن الله بكل شيء عليم»، فعلم أن معية الله جل وعلا لخلقه هي معية حاطة وقدرة وهيمنة وسمع وبصر سبحانه وتعالى. وهكذا في قوله جل وعلا: «ما يكون من نجوة ثلاثة إلا هو رابعهم»، فيه كما قال أهل العربية إفادة إلى أن الله جل وعلا ليس من جنس خلقه، فإن العرب في تعبيرهم إذا ذكروا الشيء في جماعة وأرادوا أنه من جنسهم من جنس تلك الجماعة، فإنه يكون من عدد الجماعة، وإن كان من غير الجنس فإنه يكون بغير ذاك العدد. فتقول مثلا: زيد هو رابع أربعة، وعمر هو خامس خمسة؛ لأن زيد وعمر من جنس هؤلاء خمسة، لكن لا تقول: لا تقول أن مثلا الكرسي أو كذلك الدابة خامس خمسة، وإنما تقول: خامس أربعة ونحو ذلك، ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. فانظر إلى هذه الآية كيف قال ربنا جل وعلا: «ما يكون من نجوة ثلاثة إلا هو رابعهم»، فدل أنه سبحانه وتعالى ليس من جنس الثلاثة، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولما قال المشركون ما قالوا من النصارى، وأنهم جعلوا الرب جل وعلا كخلقه في عيسى وأمه، فإنهم قالوا: ثالث ثلاثة، كما قال الله عز وجل: «قد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة»، ثالث ثلاثة، والصواب أن الله عز وجل هو رابع ثلاثة، وكذلك سادس خمسة، «ما يكون من نجوة ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم» سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما الآيات الباقية فهي في إثبات المعية الخاصة، والمعية الخاصة هي معية فيها معنى المراقبة والعلم والإحاطة، وفيها كذلك معنى النصر والتأييد والإعانة، وهي تنقسم إلى قسمين: معية خاصة، ومعية خاصة مقيدة بشخص. فمعية الخاصة فيها نوع من العموم، كقوله: «إن الله مع الذين اتقوا» وهكذا «إن الله مع المحسنين». وقد تكون معية خاصة مقيدة بشخص، وفيها زيادة خصوصية كقول الله عز وجل: «إنني معكما أسمع وأرى»، فإنها خاصة بشخص، فيها زيادة معنى النصر والتأييد والحفظ والرعاية والكلاء. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام بما أخبر الله عنه: «لا تحزن إن الله معنا». قال رحمه الله تعالى: فهي في إثبات المعية الخاصة التي هي معيته لرسله تعالى وأوليائه بالنصر والتأييد والمحبة والتوفيق والإلهام. فقوله تعالى: «لا تحزن إن الله معنا»، حكاية عما قاله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر الصديق وهما في الغار، فقد حاط المشركون بفم الغار عندما خرجوا في طلبه عليه السلام، فلما رأى أبو بكر ذلك انزعج وقال: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمنا أو تحت قدمه إلى أبصرنا. وأصل الحديث بذكر نزول الآية وذكر معنى هذا الخبر في الصحيحين من حديث أنس وغيره، وهذا اللفظ جاء عند أحمد وبعضه في الصحيحين، وفيه: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، قال: فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ما حكاه الله عز وجل هنا: «لا تحزن إن الله معنا»، يعني بنصره وتأييده وحفظه وكلاءته. وقد وقع ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، فحفظه ورعاه ونجاه. قال: فالمراد بالمعية هنا معية النصر والعصمة من الأعداء، فهي معية خاصة بشخص، فيها زيادة تأييد ونصر وكلاءة وحفظ ورعاية. قال: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى»، فقد تقدم الكلام عليه، وأنه خطاب لموسى وهارون عليهم السلام أن لا يخافا بطش فرعون بهما؛ لأن الله عز وجل معهما بنصره وتأييده. وكذلك بقية الآيات يخبر الله فيها عن معيته للمتقين الذين يراقبون الله عز وجل في أمره ونهيه ويحفظون حدوده، وللمحسنين الذين يلتزمون الإحسان بكل شيء، والإحسان يكون في كل شيء بحسبه، فهو في العبادة مثلا أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام، يعني حديث جبريل المشهور، هذا أنه أتى يعلم الناس أمور دينهم، جاء من حديث عمر في مسلم، أبي هريرة في الصحيحين. قال: وكذلك يخبر عن معيته للصابرين الذين يحبسون أنفسهم على ما تكره، ويتحملون المشاق والأذى في سبيل الله وابتغاء وجهه، صبرا على طاعة الله، وصبرا عن معصيته، وصبرا على قضائه. وأخذ المؤلف رحمه الله هذا العموم من قوله: «واصبروا إن الله مع الصابرين»، فإنه حذف العامل، حذف المعمول، ذكر العامل وحذف المعمول، «واصبروا إن الله مع الصابرين». ويقول العلماء: أن حذف المعمول مؤذن بالعموم، مؤذن بالعموم، فإنه إذا حذف المعمول يعني مفعول «اصبروا»، اصبروا على ماذا؟ لم يذكر، يصبر على ماذا؟ فذلك فيه إيذان وإحالة، إشارة إلى معنى العموم، يعني: واصبروا في كل ما يحتاج إلى صبر. وبتتبع واستقراء النصوص الشرعية علم أن الصبر يكون على طاعة الله وعن معصية الله وعلى قضائه وقدره، فإن ذلك كله مما أمر فيه العبد بالصبر. وفي هذا كذلك الموضع إشارة إلى مذهب أهل السنة والجماعة في المعية. فخلصنا بذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة في المعية أنهم يؤمنون بأن معية الله معية حقيقية، وهي لا تنافي علوه سبحانه وتعالى، فهو علي في دنوه، قريب في علوه جل وعلا، علي في دنوه، قريب في علوه، وهو معنى معية حقيقية تليق بجلاله وعظمته، لا يقتضي ذلك مخالطة ولا اتحاد، خلافا لما يقول أهل البدع والضلال والباطل. وهو معنى بعلمه وإحاطته ورعايته، وهكذا كذلك بالنسبة للمعية الخاصة بنصره وتأييده، وبالنسبة للمعية العامة بالإحاطة والقدرة والهيمنة والسمع والبصر وغير ذلك. وكما مر معنى الناس في المعية على مذاهب، فمذهب الجهمية الذين يقولون ويزعمون أن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارجه إلى آخره من كلامهم الباطل، فعلى ذلك المعنى فهم في الحقيقة يجعلون وصف الرب جل وعلا وصفا بالعدم، وصفا بالعدم. وهكذا الصوفية ومن نحا نحوهم ممن وافقهم من الأشاعرة والماتريدية والكلابية الذين يزعمون أنه في كل مكان، كذلك قولهم باطل مردود بهذه النصوص التي مرت معنا. وأما استدلالهم بأدلة القرب والمعية، فجوابه ما سمعنا: معية الرب جل وعلا لا تقتضي المخالطة، لا تقتضي المخالطة، وذلك أن المعية تأتي وهي تدل على مطلق المقارنة كما ذكر أهل اللغة، وهكذا كذلك أشار إلى ذلك أهل العلم. فهي تأتي وتدل على مطلق المقارنة من غير وجوب مماسة أو مخالطة، ثم هي مع إرادتها مع دلالتها على معنى مطلق المقارنة قد تقتضي المخالطة بالقرينة، مثل: «اسقني لبنا مع الماء»، فإن القرينة تدل أن اللبن لا يسقى مع الماء إلا مفتلطا. وهكذا قد تقتضي المصاحبة فقط، مثل: «مشى زيد مع عمر»، لأن زيد لا يختلط بعمر، فإن القرينة تدل على معنى المصاحبة. وقد تقتضي المصاحبة، وقد لا تقتضي للمصاحبة ولا المخالطة يعني الاثنين معا، مثل: «جاء القوم إلا الأمير مع جنوده»، فقوله: «الأمير» مثلا «مع جنوده» ليس فيه معنى المخالطة، ولا كذلك المصاحبة؛ لأنه قد يأتي الجنود لوحدهم، وقد يأتي الأمير لوحده بسريته وبجيشه وبحاشيته الخاصة. وهكذا قولك: «سرنا والقمر معنا»، أي هذا القمر مصاحب لك أو قريب منك، أو كذلك مخالط؟ الجواب: لا. فكذلك يقال في حق الرب جل وعلا، ولله المثل الأعلى، أن المعية لا تقتضي مخالطة، ولا تقتضي كذلك حلولا واتحادا على ما يقوله هؤلاء أهل الباطل. وأما إن قال قائل: هم يستدلون بمثل قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، وهكذا كذلك بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فيقال لهم: اقرأوا ما بعده وما قبله، فإنكم ستجدون القرينة الظاهرة الواضحة التي تدل أنه بعلمه معهم في السماء وفي الأرض، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، ليس بذاته في السماوات، وبذاته تعالى الله في الأرض. ولهذا قال ابن العربي رحمه الله جوابا عن هذه الآية: قال: هو مثل فلان في الشام والعراق، فملكه في الشام، وملكه بالعراق، أما ذاته فهو في أحدهما، أو ليس في أحدهما؟ ذاته بأحدهما أو ليس في أحدهما بحسبه؟ وهكذا لله المثل الأعلى، لله المثل الأعلى كذلك يقال. وهكذا لو قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه: «ابن عمر في الصحيحين: إذا قام أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه»، فجوابه بأنه مثل قول جرير في حديث الرؤية: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، كما ترون القمر ليلة البدر، فإننا نرى القمر وهو في قبل وجهنا، وهو في علوه، ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. فالله جل وعلا في قبل وجه المصلي وهو في علوه سبحانه وتعالى؛ لأن العلو صفة ذات لا تنفك عن الذات المقدسة كما مر معنا وتقدم. وهكذا كذلك كل قول باطل يخالف قول أهل السنة والجماعة، يعلن بطلانه بمجرد خروجه عما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، تعرف الحق، تعرف بعد ذلك الباطل. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.