الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث الخامس من سنن أبي داود الذي يبين توحيد الأسماء والصفات، ويبين أهمية إثبات الأسماء والصفات لله كما جاءت في الكتاب والسنة بدون تحريف أو تعطيل. يشير إلى أن التوحيد ثلاثة أنواع: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
يؤكد على إثبات صفات الله تعالى على حقيقتها دون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يبين أن أهل السنة والجماعة يسلكون هذا المسلك في إثبات الصفات.
يؤكد على إثبات الصفات لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة دون نفي أو تأويل، مع التأكيد على أن كيفية هذه الصفات مجهولة للإنسان. يُثبت الله تعالى لنفسه صفات مثل السمع والبصر والرحمة.
يذكر إشارة إلى كتاب الرد على الجهمية لأبي داود، ويحدد موضعا معينا في الكتاب. يشير إلى اكتفائه بهذا القدر من المعلومات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث الخامس. قال الإمام أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا علي بن نصر ومحمد بن يونس النسائي المعنى، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا حرملة يعني بن عمران، قال: حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها ويضع إصبعيه. قال ابن يونس: قال المقرئ يعني ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يعني أن لله سمعا وبصرا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية. وصححه الشيخان الألباني في صحيح أبي داود برقم 28 و704، والوادعي في الصحيح المسند في المجلد الثاني صفحة 306. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث هو حديث عظيم وأصل كذلك من الأصول التي يجب على طالب العلم أن يهتم بها، خصوصا مع ظهور البدع وأهلها، والتحريف والتعطيل في هذا الباب. وهو حديث عظيم يتعلق بنوع من أنواع التوحيد، ألا وهو توحيد الأسماء والصفات. فإن التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة بالاستقرار أن التوحيد على هذه الأقسام الثلاثة: توحيد الله جل وعلا على هذه الأقسام الثلاثة. وهذا الحديث يتعلق بالأصل العظيم في النوع الثالث من أنواع التوحيد، وهو توحيد الأسماء والصفات، بأن تثبت لله عز وجل الأسماء والصفات كما جاءت بأدلة الكتاب والسنة، من دون تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. تثبت إثبات وجود، فكما أن لله ذاتا لا كالذوات، فإن لله صفات لا كالصفات، صفات تليق بجلاله وعظمته، فيبقى المعنى على ظاهره، لا يحرف ولا يعطل ولا يمثل ولا يكيف، بل يبقى على ظاهره على ما يليق بجلال الله وعظمته. ولهذا أدل كثيرة، وهذا الحديث دليل صحيح صريح يدل على هذا المعنى الذي هو أصل أهل السنة والجماعة في مبحث الصفات. فإن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه تلى هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضع الإبهام والتي تليها على أذنه وعينه، ثم تلى هذه الآية، أي النبي عليه الصلاة والسلام قرأها وإصبعه أو إصبعيه على أذنه وعلى عينه. فسر هذا الحديث، فسره السلف بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يثبت حقيقة ما في هذا الموضع من هذه الآية مما يتعلق بالسمع والبصر، أي أن لله جل وعلا سمعا حقيقيا وبصرا حقيقيا يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فكما أنه ليس كمثل الله جل وعلا شيء لا في ذاته، كذلك ليس كمثله شيء في أسمائه وصفاته. ومع ذلك لا يعني أن تعطل هذه الألفاظ عن ظواهرها بما عطل به المعطلون من الجهمية وغيرهم الذين سلكوا مسلك التعطيل. فإن الناس ضلوا في هذا الباب على ضلالتين: ضلال التعطيل، وأولهم الجهمية ومن سلك مسلكهم من المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كلهم سلكوا مسلك التعطيل، فمنهم من نفى مطلقا، ومنهم من نفى بعض المعنى، وكل نفي تعطيل للفظ الذي ذكره، والأصل إمرار اللفظ على ما كان عليه في نص الكتاب أو السنة. والطريقة الأخرى من الضلال في هذا الباب طريقة أهل التمثيل الذين ذهبوا يضربوا لله عز وجل أمثالا، والله عز وجل قد قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، ﴿وَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وكل هذه الأدلة تدل على المنع من أمر التمثيل والتكييف، فلا يمثل الرب جل وعلا بشيء من خلقه، ولا يمثل شيء من خلقه بالرب جل وعلا، ليس كمثله شيء. وليس معنى ذلك نفي الصفات، بل إبقاءها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته. فإن الله جل وعلا أخبر أنه سميع فنثبت له السمع، أخبر أنه بصير نثبت له البصر، أثبت أنه رحيم نثبت له الرحمة، أثبت أنه مستو على عرشه نثبت له الاستواء على عرشه، أثبت أنه كذلك له وجه نثبت لله وجه، أثبت أن له يدان نثبت له اليدين. وهكذا كل ما ثبت في الكتاب والسنة نثبته لله جل وعلا على ما يليق بجلال الله وعظمته، ولا نتدخل في الكيف، وليس معنى ذلك أن ننفي الكيف، فالكيف موجود لكنه غير معلوم، مجهول بالنسبة لنا، وهو من علم الغيب الذي لا نستطيع الوصول إليه. ولهذا فسر عبد الله بن يزيد المقرئ بأن الله جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وأن لله سمعا وبصرا. وهذه قاعدة أخرى من قواعد الأسماء والصفات: أن كل اسم يشتق منه صفة وفعل، وكل صفة يشتق منها فعل، ولا يشتق من كل فعل صفة واسم. فالأسماء يشتق منها صفات وأفعال، ولكن لا يشتق من الصفات أسماء. فالله عز وجل سميع، فله صفة السمع وفعل السمع، لكن الله جل وعلا وصف نفسه أو أثبت لنفسه فعل المكر، فليس من أسماء الله الماكر، وليس من صفاته المكر، ولكن المكر على وجه المقابلة: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَيَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، أثبت لنفسه الكيد لكنه مقيد، فهذا الذي كذلك ينبغي أن يعلم من هذا الأمر. وأراد رحمه الله أن يبين أن طريقة أهل السنة والجماعة إثبات الأسماء والصفات على ظاهرها، على ما جاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقولون: نمرها كما جاءت، يعني لا يتعرض لها لا بنفي ولا بتمثيل، بل تمر كما جاءت في أدلة الكتاب والسنة، وتثبت على ما يليق بجلال الله وعظمته. ثم قال ابن يونس: وقال المقرئ يعني عبد الله بن يزيد، وهذا رد على الجهمية، يعني هذا الحديث أصل بالرد على الجهمية. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية، يعني تأكيد لكلام المقرئ أن هذا الحديث من أعظم الأحاديث في الرد على الجهمية الذين ينفون مبحث الصفات. وقد ذكر أبو داود رحمه الله تعالى بكتاب الرد على الجهمية في المجلد الثالث عشر صفحة سبعة وثلاثين، على طبعة عون المعبود. وبهذا القدر نكتفي، الحمد لله رب العالمين.