كتاب الحج  9

كتاب الحج 9

الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الهدي والإطعام في الحج والعمرة

يتحدث عن أحكام الهدي والإطعام في الحج والعمرة، ويشرح شروط الهدي ووجوب توزيعه على مساكين الحرم. يبين الخلاف في تعريف حاضر المسجد الحرام.

شروط وأحكام الطواف

يتناول شروط الطواف وأحكامه مثل النية والطهارة وبدء الطواف من الحجر الأسود. يوضح أحكام دم النسك ودم الجبران وكيفية التصرف فيهما.

تفاصيل حول أحكام الطواف وأنواعه

يشرح أحكام الطواف في الحج والعمرة، والفروق بين طواف القدوم وطواف الحج وطواف الوداع. يشير إلى آراء أهل العلم في أداء الطواف عند الضرورة.

تحديد ميقات الإحرام للمحاذين أثناء السفر

يحدد كيفية احتساب ميقات الإحرام للمحاذين أثناء السفر بالطائرة أو البحر، ويشرح كيفية تحديد المحاذاة لبدء الإحرام حسب موقع الشخص.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال رحمه الله: وكذا حكم من ترك واجباً أو وجبت عليه الفدية لمباشرة. تقدم معنا أن من ترك واجباً فإن من العلماء من ألزمه بفدية، وهذه الفدية هي أن يدبح شاه لفقراء الحرم. ورؤية هذا عن ابن عباس، وقاسه موقوفاً، ورؤية مرفوعاً، ولم يصح عن ابن عباس موقوفاً. وجعلوا محل كذلك قياس. وقوله: «أو وجبت عليه الفدية لمباشرة» يعني لم يجامع، إنما باشر، فعليه فدية كذلك. وهذه الفدية كما تقدم معنا قاسوها على الهدي، فجعلوا أن من لم يستطع أن يدبح يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ومن استطاع فعليه الفدية. وكما تقدم سبقت الإشارة إلى أن المسألة فيها خلاف، والأمر في هذا مما يسوغ فيه الخلاف. فمن احتاط لدين وعمل بهذا، وقول من قال بأهل العلم فله ذلك. ومن لم يفعل كذلك فلا حرج عليه، لكن بحجة وبرهان، ليس بهوى. وبخل بعض الناس يرى مثلاً قوة الدليل في مسألة، لكن يخالف لهوى النفس، هذا حرام لا يجوز. إذا كان لحجة ودليل وبرهان فنعم. قال رحمه الله تعالى: وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام فلمساكين الحرم من مقيم وآفاقي. كل هدي أو إطعام تقدم معنا: الهدي دم المتعة والقران يسمى هديا، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي. وألحق به كما تقدم فيمن ترك واجباً أو وجبت عليه فدية لمباشرة، يعني فعل محظور. على التفصيل الذي سبق فيما إذا وقع الجماع، فمتى هل قبل التحلل الأول أو بعد التحلل الثاني؟ فالمهم ما كان بمعنى ذلك. أو إطعام كذلك، إطعام يتعلق بصيد الحرم، أو كذلك بالنسبة لتحلل ترفه وترخص من به أذى. فكل هذا لو تأملنا فيه يتعلق بحرم وإحرام. هذا الذي وجبت عليه الفدية لأجل حلق رأسه لأجل ماذا؟ لأجل الإحرام. وهذا الذي صاد الصيد لأجل ماذا؟ لأجل الإحرام. وهذا الذي عليه متعة أو حج لأجل ماذا؟ لأجل الحرم، لأنه جاء إلى الحرم بعمرة وساق معه الهدي، أو جمع بين عمرة وحج في سفر واحدة. فما كان فيه معنى يتعلق بالحرم والإحرام فلمساكين الحرم. لماذا؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فتأمل العلماء هذا المعنى فوجدوه يتكرر في مكان كذلك، فإنه يكون لفقراء الحرم ومساكين الحرم. الفرق بين المسكين والفقير أن فقر الفقير أشد من فقر المسكين. فالفقير الذي قد لا يملك قوت يومه، والمسكين الذي لا يملك أو قد لا يملك قوت سنته. فكلاهما صاحب حاجة، فيعطى مساكين الحرم. وذكر العلماء للهدي خاصة شروط. شروط الهدي أن لا يكون من حاضر المسجد الحرام، لأن حاضر المسجد الحرام بنص القرآن ليس عليهم هدي. هذا بالنسبة لهدي التمتع والقران، بخلاف ما قاس العلماء من قضية ترك الواجب أو للفدية، فهذا مسألة أخرى، وفيه خلاف. ومن هو هذا الذي هو ليس من حاضر المسجد الحرام؟ من أهل المسجد الحرام؟ هل هم أهل مكة خاصة؟ اختلف العلماء في ذلك. فمنهم من قال أهل مكة خاصة، ومنهم من قال أهل مكة والحرم، لأن حدود الحرم أوسع من مكة. مكة البيوت والبنيان، واليوم في بعض الجهات مكة توسعت، والحرم أوسع. وبعض أهل العلم قال وأكثر من ذلك، لأن ظاهر نص القرآن ونصوص السنة فيمن يكون دون المواقيت هو الذي عليه هدي، وما دون المواقيت ليس كذلك. وهذا محل خلاف. فهم اتفقوا في مكة، وخالفوا فيما زاد في الحرم، وخالفوا فيما بين المواقيت إلى الحرم. عندنا ثلاثة أقسام: من في مكة، من في الحرم، من بين المواقيت والحرم. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يشمل مكة وأهل الحرم. وما دون المواقيت فيه خلاف. وظاهر الأدلة لا يمنع من أن يكون على هؤلاء هدي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة أن تحرم من أين؟ من التنعيم، وهو أدنى الحل لأهل مكة. أدنى الحل لأهل مكة، فدل ذلك أن هناك فرق بين من كان داخل مكة، فإحرامه أدنى الحل، ومن كان آتياً من غير أهل مكة، فإحرامه من أين؟ من المواقيت. فإحرامه من المواقيت، فهذا الشرط الأول. الشرط الثاني أن تكون عمرته في أشهر الحج، هذا المتمتع. والشرط الثالث أن يكون أمر العمرة والحج في نفس السنة. فلو اعتمر في شوال، لكن لم يحج في نفس السنة، حج من شوال السنة الثانية، هل يعد متمتعاً؟ لا يعد متمتعاً. ولو قال: نويت التمتع، يقال: ما يتم تمتع حتى تؤدي العمرة والحج في ماذا؟ في نفس العام. وبهذا يكون عليه هدي. قال رحمه الله تعالى: من مقيم أو آفاقي. المقيم الذي في مكة، سواء كان من أهل مكة أو كان ممن دخل مكة وسكن فيها سكنة مؤقتة، فهذا حكم حكم أهل مكة. مثل الذي يأتي في رمضان ويجلس إلى الحج، حكم حكم أهل مكة. والآفاقي هو من ليس من أهل المسجد الحرام. وقد تقدم أنهم اختلفوا: أما ما دون المواقيت فهذا بلا خلاف أنه آفاقي. وسمي آفاقياً لأنه من الآفاق، يأتي من الآفاق، جمع أفق. وإن كان بعضهم قال: الأولى أن يقال الأفقي، ولكن اللغة العربية بالسماع، ليس بالقياس. والنسبة في اللغة العربية بالسماع أكثر ما يكون بالقياس. ولهذا أشياء سمعت على خلاف القياس، فالعبرة بالسماع. فالآفاقي باتفاق ما دون المواقيت. وما بعد المواقيت، ما بين المواقيت وبين مكة، هذا فيه خلاف. هذا فيه خلاف. والصحيح كما تقدم أنه يلحق بالآفاقي ما دون الحرم، يلحق بالآفاقي. قال رحمه الله تعالى: طيب، ما هو الدليل على هذا؟ لو قال: قال، ما هو الدليل؟ الدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أن يوزع البدن على كل من في مكة، لم يخص شيئاً. ولو كان هناك فرق لأمره النبي صلى الله عليه وسلم. مع أن الذين دخلوا إلى مكة أكثر مئة ألف حاج، فدل على أنه يجوز أن يعطى أهل مكة ومن جاء من خارج مكة. قال: ويجزئ الصوم بكل مكان. نعم، يجزئ الصوم بكل مكان، كما ذكر، إلا ما خصه الله بالدليل، كما في صيام ثلاثة أيام في الحج، فإن الدليل دل على ذلك. إلا من عذر، فإذا وجد عذر مرض أو نحو ذلك، فالضرورة تبيح المحظورة، والمشقة تجلب التيسير. قال: ودم النسك كالمتعة والقران والهدي المستحب أن يؤكل منه ويهدى ويتصدق. وهذا يسميه الفقهاء دم شكر. الصحيح أنه دم شكر، دم النسك دم شكر، شكر ليس جبران، يأكل ويهدي ويتصدق، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، وكما روي فيه أحاديث، لكنها لا تصح. وإنما يكفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. قال: والدم الواجب لفعل المحظور أو ترك الواجب، ويسمى دم جبران، وهو ما سبقت الإشارة إليه، وهو أنواع، منه على وجه التخيير، ومنه ما هو على ليس وجه التخيير. قال: لا يأكل منه شيئاً، بل يتصدق بجميعه، لأن الله عز وجل قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ما يأكل منه شيء، يرسله هدي بالغ الكعبة. قال: لأنه يجري مجرى الكفارات، والكفارة لا يأكل منها صاحبها، مثل كفارة اليمين، فإنه لا يأكل منها صاحبها. قال: وشروط الطواف مطلقاً، طبعاً يجوز أن يأكل منها متى إذا توفر فيه وصف من يتصدق عليه. نعم، مثل كفارة ماذا؟ المجامع في نهار رمضان. قال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: والله يا رسول الله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النحبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أطعمه أهلك، أطعمه أهلك». طيب. قال رحمه الله: وشروط الطواف مطلقاً: النية، هو أن يبدأ به من الحجر، ويسلم أن يستلمه ويقبله، فإن لم يستطع أشار إليه ويقول عند ذلك: «بسم الله، الله أكبر». شروط الطواف مطلقاً، يعني على وجه الإطلاق، لا على وجه التفصيل. وهناك تفاصيل يذكرها بعضها للعلم. لكن أهم الشروط: النية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». وأن يبدأ به من الحجر، يعني الحجر الأسود، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». وبدأ من الحجر، كما مر معنا في حديث جابر، وفي غيره من الأحاديث الكثيرة. فمن الحجر إلى الحجر شوط، سبعة أشواط، يبدأ من الحجر وينتهي إلى الحجر الأسود. ويسن له أن يستلمه ويقبله. وقد مرت معنا تفاصيل وصف الاستلام والتقبيل. قال: فإن لم يستطع أشار إليه ويقول عند ذلك: «بسم الله، الله أكبر». وهذا عند أول شوط، ليس في كل شوط. أما في الأشواط الثانية فيقول ماذا؟ «الله أكبر» فقط، بدون «بسم الله». وفي آخر شوط ماذا يقول؟ في آخر شوط، ماذا يقول؟ عند من؟ جميل، آخر شوط لا يقول شيئاً، إذا انتهى، خلص، لأنه يقول الذكر في بداية الشوط، ليس في آخره. ومثله الدعاء بين الصفا والمروة، بعد أن ينتهي إلى المروة في آخر شوط، ليس فيه دعاء، لأن الدعاء قد سبق، يكون في بداية الشوط. طيب، قال: ويقول عند ذلك: «بسم الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، وفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم». أما «بسم الله» فقد تقدم أنه في أول طواف فقط. وأما «الله أكبر» ففي كل طواف سبع مرات. وأما «اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك» فهذا لم يصح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواية مرفوعاً، لكنه ضعيف، جاء من حديث ابن عمر وغيره مرفوعاً، لكن ضعيف لا يصح. وجاء من حديث علي ضعيف لا يصح. لكن صح موقوفاً على ابن عمر، فمن شاء أن يفعله أحياناً لا بأس، لأنه قول صحابي، يستأنس به. أما أن تفعله دائماً فلا. قال رحمه الله: وأن يجعل البيت عن يساره، هذا من شرط الطواف، أن يجعل البيت عن يساره. فلو جعل البيت عن يمينه لم يصح الطواف، لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». وكان طوافه بأن يجعل البيت عن اليسار. وهذا وهذا مع ما فيه من موافقة السنة، ذكر بعض أهل الطب المعاصر أنه كذلك أنفع وأدفع للضر على الإنسان، لأنه لو طاف بالعكس، فإن ذلك سيتعبه، ولن يستطيع أن يواصل إلا بكلفة. ولهذا فلا يستطيعه إلا الشاب القوي. وهو كما يقولون: ضد دورة الدم، فيضره ذلك. وأما مع جهة اليسار فهو لا يضر. ولهذا حاول أنت أن تدور إلى جهة اليمين وتدور إلى جهة الشمال، إذا درست إلى جهة اليمين بسرعة تدوخ، وإذا درست إلى جهة الشمال تتحمل أكثر. نعم، فشرع الله محكم متقن، غاية الإحكام والإتقان، حتى فيما يتعلق بطب الأبدان، فهو جاء بطب الأديان وطب الأبدان. قال: ويكمل الأشواط السبعة، كذلك، فلو أنه لم يكملها بطل الطواف. مثاله: لو دخل في أحد الأشواط بين الحجر والبيت. تعرفون الحجر الذي يسميه العوام عامة الناس حجر إسماعيل، وليس حجر إسماعيل، إنما هو جزء من البيت، على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قصره النفق على أهل مكة، فلم يستطيعوا أن يكملوه، فجعلوه علامة على البيت على أساس إبراهيم. فلا يصح الطواف إلا أن تطوف بالبيت كاملاً، ومنه الحجر. فإذا طفت في أحد الأشواط بين الحجر وبين الكعبة، كان هذا الطواف ماذا؟ ناقصاً، فإذا لا يصح، وطوافك لا يصح. قالوا: أن يتطهر من الحدث والخبث. أما الحدث يعني بالوضوء لمن عليه الوضوء، أو الغسل لمن عليه الغسل. والخبث يعني من النجاسات، وما كان بمعناها مما ينافي الطهارة. وسيأتي دليله إن شاء الله. قال: والطهارة في سائر الأنساك غير الطواف سنة، غير واجبة. وقد ورد في الحديث: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام». يعني كون الحاج والمعتمر يحافظ على الوضوء، هذا السنة، لأنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صح من قوله وفعله أنه كان يحب أن يذكر الله وهو على طهارة، وعلم أمته ذلك. وأما للطواف، فالصحيح أنه واجب. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. ومن قال بالوجوب استدل بهذا الحديث، وهو حديث موقوف على ابن عباس، وله حكم الرفع: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام». كما أشار إليه في الحديث في هذا الحديث، وهو كما قلنا من حديث ابن عباس موقوفاً، روي مرفوعاً ولا يصح، وروي موقوفاً وهو صحيح. والغالب أن مثل هذا لا يقال بالرأي، ولا يعلم له مخالف من الصحابة. ولهذا كان قول جمهور أهل العلم أن الطواف يجب له الطهارة، يجب له الطهارة. وهل يجب على كل حال؟ أم أنه يخفف في بعض الأحوال؟ بعض أهل العلم سهل ورخص فيه عند الضرورة، لأن الدليل فيه ليس في القوة كغيره، ليس مثل حديث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا حدث حتى يتوضأ». هذا صريح. حديث أبي هريرة في الصحيحين. حديث ابن عمر: «لا صلاة بغير طهور»، صريح. لكن هذا الحديث ليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، موقوف من قول ابن عباس. وأما أحاديث الصلاة فهي في نص القرآن ونص السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فأمر بالوضوء للصلاة. فلذلك قال بعض العلماء: للضرورة قد يرخص. مثال الضرورة: حائض حاضت ورفقتها ستسافر، ولا تستطيع الرجوع، وليس عندها قدر مالية ولا جسدية ولا غير ذلك أن ترجع مرة أخرى، كيف تفعل؟ وهي لم تطف طواف الحج؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ووافقه شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: أنه عند الضرورة كهذه المرأة، يجوز لها أن تطوف وهي متحفظة للضرورة، وطوافها صحيح. لماذا؟ لأن ما ورد في هذا الباب ليس في القوة كغيره. نعم، ومن كان بمثل هذه، جاز لها ذلك. فهي مثل صاحب السلس الذي لا يستطيع التخلص من سلسه، والصلاة قائمة حاضرة، جاز له أن يصلي على ما هو عليه. وهذه كذلك، لأنها سترجع وقد تعبت، وأتت وأنفقت، ولا تستطيع أن تنتظر، لأن رفقتها سيسافرون، خصوصاً مثل هذا الزمان، مع كثرة الناس، مواعيد السفر دقيقة، منضبطة، لابد أن تسافر، لابد. فإذا تترخص بهذه الرخصة. قال رحمه الله: يسن له أن يطبع في طواف القدوم، بأن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفه على عاتقه الأيسر، وأن يرمل في الثلاثة الأشواط الأوائل منه، ويمشي في الباقي. وكل طواف سوى هذا لا يسن فيه رمل ولا اضطباع. تقدم معنا وصف الاضطباع، وهو كما قلنا هكذا: أن يستر الكتف الأيسر، ويكشف الكتف الأيمن، هكذا. هذا يسمى ماذا؟ اضطباع، يكشف الكتف الأيمن، ويستر الكتف الأيسر. وهذا يستحب للحاج والمعتمر في طواف القدوم فقط. فما يفعله بعض الحجاج من حين يخرج من بلده وهو مضطبع، خلاف السنة. وهو كذلك إضرار بنفسه. بعض الناس ينسلخ هذا من الشمس، ويظن أن هذا قرب إلى الله، وليس قرب إلى الله. السنة يسر ورحمة، عند الطواف، وطواف القدوم فقط. هذا الاضطباع عند طواف القدوم، والثاني: الرمل، يرمل في الثلاثة الأشواط الأولى، ويترك الأربع الأشواط الأخيرة. ومعنى الرمل: المشي السريع. وحكم ثالث من خواص طواف القدوم: أن طواف القدوم لا يصح إلا بإحرام. هذه ثلاثة أمور لا بد أن تكون في طواف القدوم. وأما طواف الحج فليس فيه اضطباع. طواف الحج يوم العاشر، وطواف الوداع ليس فيه اضطباع، ما تفعل هكذا تستر الأيسر، لا. إذا كنت بإحرام استر الأثنين. الثاني ليس فيه رمل، لأن السنة هكذا دلت. نحن نتابع النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً وتركاً، ما فعله نفعله، وما تركه نتركه. والثالث ليس من شرطه أن يكون بإحرام، يستطيع أن يطوف الطائف يوم الحج بلباسه، بعد أن يرمي الجمرة، تحلل، يلبس ملابسه، ويلبس، بطوف وهو ماذا؟ لابس لملابسه. إذن هناك ثلاثة فروق بين طواف القدوم وبين غيره من أنواع الطواف، طواف الحج وطواف الوداع. ما هي هذه الفروق الثلاثة؟ هيا يا ابن محمد: الاضطباع، الرمل، لبس الإحرام. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سؤال يقول: هل من واجبات الحج طواف الوداع؟ وجزاك الله خيراً. وأنت جزاك الله خيراً. واجبات الحج مرت معنا، ولم يذكر منها طواف الوداع، وهو من واجبات الحج، لكنه واجب مقيد لمن ليس له عذر. أما من له عذر كالحائض والمريض، ومن كان بمعناه، فإنه يرخص له، كما في حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، إلا أنه رخص به للحائض. وهكذا كذلك قال عليه الصلاة والسلام لمرأة حائض: «انفروا». وغيره من الأحاديث التي تدل على هذا. والله أعلم. طيب، وهذا سائل يسأل يقول: أين البيداء الذي استوت به ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هو الطرف الآخر من وادي العقيق، الطرف الآخر من وادي العقيق. وادي العقيق له حافتان، حافة من جهة المدينة، وحافة أخرى من جهة مكة. فوادي العقيق الصحيح أنه من الحرم، وما فوقه من الحل. ومعنى أنه حتى خرج من وادي العقيق واستوى بالبيداء: أهلا في طرف وادي العقيق، في طرف وادي العقيق من الجهة الأخرى. هكذا قال بعض أهل العلم. اليوم قد يقول قائل: كيف نفعل اليوم؟ اسفلت، لا ندري أين وادي العقيق، ولا ندري أين الحافة الأولى وأين الحافة الثانية؟ نقول: أمر واسع. بعد أن تخرج من المسجد وتتجه إلى جهة القبلة، فأهل بعمرتك إن كنت من أهل المدينة. وأما إن كنت من غير أهل المدينة، فبعد أن تخرج من مكان الميقات قبل أن تغادره، توجه إلى جهة القبلة، وأنت على مركوبك، سيارتك، وتهل بعمرتك أو حجك. ومن كان في الطائرة بمحاذاة الميقات، بمحاذاة الميقات. ومن كان بالبحر فبمحاذاة الميقات، واضح؟ فمثلاً الذي يأتي بالطائرة من جهة اليمن، فبمجرد أن يحاذي ميقات أهل اليمن، وهو يلملم، فيهل. والحمد لله، اليوم ينبهون في الطائرة. أو من جاء من جهة الشمال، من أي جهة من الشمال، من الأردن، من مصر، من الشام، من أوروبا، فإن ميقاته سيكون ميقات أهل المدينة، أو يكون ميقاته الجحفة، الذي يسمى اليوم برابغ، وليس هو برابغ. فهذا ميقات أهل الشام، وهذا ميقات أهل المدينة، لأن أهل الشام يمرون بالساحل، فيجوز هذا ويجوز هذا. ويدليله قصة حديث أبي قتادة في الصحيحين: أحرم النبي صلى الله عليه وسلم ومشى مع أصحابه من ميقات أهل المدينة، في غزوة الحديبية أو في عمرة الحديبية، وأمر أبا قتادة ومن معه أن يأخذوا طريق الساحل. إنهم كانوا يخافون أن يعرفهم أهل مكة، أرادوا أن يدخلوا مكة بغته، فأخذوا من أهل الساحل. وأبو قتادة لم يحرم من ميقات أهل المدينة، لم يحرم من ميقات أهل المدينة. فدل على أنه يجوز حتى لأهل المدينة إذا خرج من طريق الساحل، وهو ما يسمى اليوم بطريق بدر، طريق مكة جد القديم. والطريق السريع اليوم يسمى طريق الهجرة، وهو الطريق الذي هاجر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، دخل منه إلى قباء. طيب، فإذا حاذى بالطائرة أو بالبحر، فمن محاذاة ميقات المدينة أو من محاذاة الجحفة.