كتاب الحج  7

كتاب الحج 7

الدرس في كتاب الحج 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أركان الحج وواجباته وشرحها

شرح أركان الحج وواجباته مع توضيح الفرق بينهما في صحة الحج. ترك الركن يبطل الحج بينما يصح الحج بترك الواجب مع الإثم ووجوب دم.

أنواع الإحرام وأفضلية التمتع

تفصيل أنواع الإحرام في الحج وأفضلية التمتع مع شروطه وأحكامه. شرح أحكام الإفراد والقران ووجوب الهدي في كل نوع.

محظورات الإحرام وكفاراتها

ذكر المحظورات على المحرم أثناء الإحرام وكفارات مخالفتها. يُخيّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاه في حالة المخالفة.

تحريم الإعانة على قتل الحيوان بغير حق

استدلال بحديث أبي قتادة على تحريم تعذيب الحيوان وقتله بغير حق. النهي عن الإعانة على قتل الحيوان بغير وجه حق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال وكان صلى الله عليه وسلم يفعل المناسك ويقول للناس: «خذوا عني مناسككم»، فأكمل ما يكون من الحج الاقتداء فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه رضي الله عنهم. ومر معنا أن كمال الاقتداء بالاقتداء بقوله وفعله. وعلى هذا ما اختلف به العلماء أي المناسك أفضل؟ مر معنا أنه بقوله عليه الصلاة والسلام: التمتع أفضل. وأما كونه حج قارنًا فلسبب، وهو أنه ساق الهدي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». وهكذا كذلك يقال في مسائل كثيرة، ينبغي أن يراعى في ذلك كمال الاقتداء والاقتساء والأخذ عنه عليه الصلاة والسلام بالأخذ من قوله وفعله، والقول مقدم على الفعل. قال رحمه الله تعالى: ولو اقتصر الحاج على الأركان الأربعة التي: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والواجبات التي هي: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أيام التشريق بمنى، ورمي الجمار، والحلق والتقصير، لأجزأه ذلك. إذن عندنا أربعة أركان وستة واجبات. الأركان الأربعة: الإحرام الذي لا يصح الحج إلا به، فالركن ما لا يتم الشيء إلا به، وهو من ما هي الشيء، والمراد بالإحرام ها هنا هو الدخول في النسك، ليس لبس ثياب الإحرام. قد يلبس ثياب الإحرام ولا يدخل في النسك فيهل به. والوقوف بعرفة كذلك ركن، والواجب الوقوف بعرفة من بعد الزوال إلى غروب الشمس، هذا هو الواجب كما سيأتي إن شاء الله. وأما الركن أن يقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار، كما سيأتي معنا إن شاء الله. فمن لم يقف ساعة من ليل أو نهار فلا حج له، لقوله عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من وقف ساعة من ليل أو نهار، وجاء معنا أو قال بات هنا فقد تم حجه». والطواف المراد بالطواف وهو الركن الثالث طواف الحج، طواف الحج الذي يكون في اليوم العاشر، أو للمتعجل لمن أذن له أن يمشي في ليلة اليوم العاشر بعد غروب القمر ومنتصف الليل أن يطوفه ولو قبل الفجر، فهذا طواف الحج ركن لا يصح الحج إلا به. وكذلك قوله: والسعي، أي سعي الحج. فهناك سعيان كما سيأتي إن شاء الله: سعي الحج وسعي العمرة أو القدوم لمن يقدم متمتعًا أو قارنًا. فأما الحج فركنه سعي الحج الذي يكون بعد طواف الحج. وأما الواجبات، قال: الإحرام من الميقات، يعني دخوله في الإحرام من الميقات. فإذا لم يحرم من الميقات، ولكنه أحرم، فيكون قد فعل محظورًا من المحظورات بمخالفته هذا الواجب من واجبات الحج. فماذا يصنع من لم يحرم من الميقات؟ الجواب: يرجع، الواجب عليه أن يرجع ويحرم من الميقات، هذا هو الواجب. فإن لم يفعل فأحرم، فهل يصح حجه؟ الجواب: يصح حجه مع الإثم، وإن لم يكن له عذر. وكذلك عند بعض أهل العلم عليه فدية لمخالفة هذا الواجب ووقوعه في هذا المحظور، وفي هذا خلاف كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: والوقوف بعرفة إلى الغروب، تقدم معنا من بعد الزوال إلى غروب الشمس، هذا وقوف واجب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ النسك عنه، ولكونه لم يأذن لأحد، وقد قال: «خذوا عني مناسككم». والمبيت ليلة النحر بمزدلفة كذلك لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك، ولأنه لم يجعله إلا رخصة لأهل الأعذار، وهذا الاستثناء يدل على الوجوب. وقوله: وليالي أيام التشريق بمنى، يعني دون ليلة الثامن، اختلف في ليلة الثامن، والصحيح أن ليلة الثامن -ليلة التاسع- يوم الثامن مستحب وليس واجبًا. وأما الواجب فأيام التشريق: ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، ولمن أتم الثالث عشر. ورمي الجمار كذلك من الواجبات لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، ولقوله: «خذوا عني مناسككم». والحلق أو التقصير كذلك لأنه به يتحلل، ولفعله وأمره عليه الصلاة والسلام. فهذه واجبات ست، وهذه أركان أربعة، فمن اقتصر عليها فقد أدى الحج، لكن هناك مستحبات لا ينبغي الزهد فيها كما مر معنا في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها. قال رحمه الله: والفرق بين ترك الركن في الحج وترك الواجب أن تارك الركن لا يصح حجه حتى يفعله على صفته الشرعية. فلو أن إنسان لم يطف طواف الحج، كان مريضًا فسافر، فقال: ماذا أصنع الآن؟ يقال له: ارجع وطف، أنت إلى الآن لم تكمل حجك، لأن طواف الحج ركن من أركان الحج لابد منه، فلا حج لك حتى تطوف بالبيت، فتطوف وإن لم تسع، تسعى وبهذا تكمل حجك، ولا حج لك حتى تؤدي هذا الركن. إنسان حج ولم يقف بعرفة وأدى كل أعمال الحج، فيقال له: ارجع وحج مرة أخرى، حجك غير صحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». قال: وترك الواجب أن تارك الركن لا يصح حجه حتى يفعل على صفة الشرعية، وتارك الواجب حجه صحيح وعليه إثم ودم لتركه. قوله: وعليه إثم، هذا ظاهر لأنه ترك واجبًا من الواجبات، وكل من ترك واجبًا على وجه العمد وليس له عذر فهو آثم، لأنه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله الواجب. وأما وجوب الدم ففيه خلاف، فهناك أربع دماء في الحج دل عليها الدليل الشرعي، وهي ليس فيها خلاف: دم الإحصار، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. ودم النسك، كما قال الله عز وجل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أو كذلك بالنسبة لغير المتمتع القارن إن ساقه، كذلك عليه هدي، وسيأتي أن المفرد ليس عليه هدي. والثالث ما يكون من فدية الصيد، فكذلك فيه ما يكافئ ذلك الصيد من النعم. والرابع ما يكون كذلك من فدية الأذى، فمن كان منكم مريضًا به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. فهذه أربعة دماء دل الدليل الشرعي على ثبوتها في الحج وللحاج. واختلف فيما زاد عن ذلك، ففدية المجامع ثبت فيها آثار موقوفة ولها حكم الرفع عن عبد الله بن عمر وغيره، وسيأتي إن شاء الله. وفدية فعل المحظور أو ترك الواجب، روي فيه أثر عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والمرفوع لم يصح، وصح الموقوف عن ابن عباس. أكثر أهل العلم أخذوا به، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك اجتهاد من ابن عباس وليس فيه شيء صحيح صريح، وهو من مسائل الاختلاف التي اختلف فيها أهل العلم من خلاف الأفهام، فهو مما يسوغ فيه الخلاف. ومع ذلك لا ينبغي أن يهوى على الناس حتى يكون عندهم جرأة على ترك الواجبات وفعل المحظورات، فهذا خطأ. وكذلك من كان عنده من يفتيه فلا ينبغي أن تضرب الفتوى بالفتوى، يعني مثلاً أنت جئت زائرًا في مخيم، فرأيت فتوى أهل المخيم على القول بفدية فاعل المحظور أو تارك الواجب، فكونك تخالف من في المخيم فيسبب اضطراب وفتنة، وخصوصًا أن أكثر الناس في تلك البلاد على هذه الفتوى، ليس من المصلحة، بل قد يسبب مفاسد. لكن أتركهم ما دام عندهم من يفتيهم، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم، فأتركهم. أما إذا كنت في موضع إذا أفتيت بهذا لا يسبب مثل هذا الفتوى شيء من الفتن والخصومة وغير ذلك من المفاسد، فلك ما تدين الله عز وجل به، فتقول مثلاً: ليس هناك شيء صحيح صريح في هذه المسألة، وهذا الذي ندين الله عز وجل به، وهناك علماء يقولون بغير هذا، فاحذر واحتط لدينك وترك مثل هذا الأمر. وإن أردت أن تفدي مثلاً أفديت على قول من يقول بذلك حتى لا يكون سببًا لدخول الشك والاضطراب خصوصًا عند عامة الناس. قال رحمه الله: ويخير من يريد الإحرام بين التمتع وهو أفضل، والقران والإفراد. أفضلية التمتع لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث كثيرة تقدمت الإشارة أو سبقت الإشارة إليها، منها حديث جابر الذي بين أيدينا، وهكذا جاء معنا عن جماعة من الصحابة في حث النبي صلى الله عليه وسلم على التمتع. والقران والإفراد قال: فالتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها -يعني يتحلل- ثم يحرم بالحج من عامه -يعني في نفس العام-. وهل يجوز له أن يرجع إلى بلده وإذا رجع هل تبطل عمرته؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنها لا تبطل لعدم وجود شيء صحيح صريح يدل على بطلان هذا العمل، والأصل في الأعمال إذا أديت على الوجه الشرعي أنها صحيحة لا يبطلها إلا أن يوجد شيء صحيح صريح يدل على بطلانها، وليس هناك ما يدل على ذلك. فلو أن إنسان كان من أهل جدة أو أهل المدينة أتى بعمرة الحج في شوال، وشوال من أشهر الحج، أو في أول ذي القعدة، ثم رجع إلى أهله، هل تلغى عمرته؟ الصحيح أنها لا تلغى، بل صح عن جماعة من أهل العلم أنه ولو رجع إلى ديار أهله في آخر الدنيا. قال رحمه الله: وعليه هدي إن لم يكن من حاضر المسجد الحرام، يعني إن كان ليس من أهل مكة فعليه هدي. أما أهل مكة فليس عليهم هدي، لأنهم أصلاً ليس عليهم عمرة، العمرة هي الزيارة، وزيارة أهل مكة الطواف بالبيت، هم يطوفون، فطوافهم بالبيت بمثابة العمرة. ولهذا كان ابن عباس يقول فيمن أراد العمرة ويأبى إلا العمرة من أهل مكة: «إن أبيتم فاخرجوا إلى أدنى الحل»، يعني إن تريدون إلا عمرة وإلا فأ، أهل مكة على الصحيح ليس عليهم عمرة، فليخرج إلى أدنى الحل كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بالخروج إلى أدنى الحل. قال: والإفراد هو أن يحرم بالحج من الميقات مفردًا، أي بالحج ليس معها عمرة. والقران والقران أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. أن يحرم بالعمرة واضح أولاً، أن يحرم بهما معًا، مثل أن يكون من أصل إحرامه يقول: «لبيك اللهم عمرة وحجًا»، أي قارنًا بينهما، فيبقى على إحرامه حتى ينتهي من أعمال الحج جميعًا. أو يحرم بالعمرة -يعني يريد العمرة أولاً- ثم يدخل عليها الحج قبل الشروع في طوافها -يعني طواف العمرة- لماذا؟ إما لمرض أو امرأة حاضة كما وقع لعائشة رضي الله عنها، أو ضاق عليه الوقت، خرج مثلاً من بيته يوم السادس، أراد أن يؤدي عمرة ويجعل هذه العمرة تمتعًا، فإذا به يضيق عليه الوقت لعذر، لعذر إما مرض أو خراب سيارة أو نحو ذلك، لم يصل إلا يوم التاسع، إذا ما عنده وقت يذهب مباشرة إلى عرفة، يذهب مباشرة إلى عرفة، فهنا يدخل عمرته في حجه فيصير قارنًا. ومثله حال عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قال النبي عليه الصلاة والسلام لها في هذا: «ما أدته في حجها يغنيها عن حجها وعمرتها». ومع ذلك لما انتهت من عمرتها وحجها، وقد أدخلت العمرة في الحج بسبب الحيض، استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتي بعمرة بعد الحج، فأخبرها بما سبق، فقالت: «يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحج وأرجع بحج دون عمرة»، فلم تزل راجعة، قالت: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً سمحًا»، فأمر عبد الرحمن أخوها أن يعمرها من التنعيم. قال رحمه الله تعالى: ويضطر المتمتع إلى هذه الصفة إذا خاف فوات الوقوف بعرفة إذا اشتغل بعمرته. مثل ما مثلنا إذا جاء يوم التاسع، المتمتع فالوقت ضيق أن يأتي بعمرة، فليذهب مباشرة إلى أين إلى عرفة، وينتقل من نسك التمتع إلى ماذا إلى القران. قال: وإذا حاضت المرأة أو نفست وعرفت أنها لا تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، فعند ذلك كذلك تضطر أن تنتقل من حكم التمتع إلى حكم القران. قال: والمفرد والقارن فعلهما واحد، وعلى القارن هدي دون المفرد. المتمتع يأتي بعمرة كاملة: طواف وسعي، ويتحلل منها بحلق أو تقصير، وكما تقدم معنا إذا كان وقت العمرة قريبًا من الحج فإنه يقصر، وإذا كان بعيدًا فإنه يستحب في حقه الحلق. والصحابة رضي الله عنهم لما كان بينهم وبين الحج أربعة أيام قصروا ولم يحلقوا كما تقدم معنا. ثم يأتي بالحج يوم الثامن، يدخل بنسك الحج ويحج حتى ينتهي من نسك الحج، وعليه الهدي. أما المفرد والقارن فإنهما يأتيان أولاً ويبدآن بطواف القدوم، يبدآن بطواف القدوم. وإن سعى المفرد أو القارن أغناه سعيه هذا -على الصحيح من أقوال أهل العلم- أنهما سواء عن سعي الحج. إن قدم السعي أغناه سعيه هذا عن سعي الحج. وإن لم يقدم السعي، المفرد أما القارن فهو مادام يريد عمره سيقدم السعي أو يؤخره، المهم يجوز لهما أن يقدم أو يؤخر السعي، وعليهما -على الصحيح- سعي واحد، والمسألة فيها خلاف خصوصًا القارن. وقوله: على القارن هدي دون المفرد، يعني الفرق بين القارن والمفرد أن القارن عليه هدي إلا أن يكون من من؟ من أهل مكة. والمفرد ليس عليه هدي، وتقدم معنى أنهما يبقيان في نسكهما، فيما القارن والمفرد حتى ينتهي كل واحد منهما من الحج فيتحلل مع الحج، ليس مثل المتمتع. قال رحمه الله: ويجتنب المحرم جميع محظورات الإحرام من حلق الشعر وتقليم الأظافر ولبس المخيط إن كان رجلاً وتغطية رأسه إن كان رجلاً ومن الطيب رجلاً ومرأة. وكذلك يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول والدلالة عليه والإعانة على قتله. وأعظم محظورات الإحرام الجماع، لأن تحريمه مغلظ مفسد للنسك موجب لفدية بدنه. وأما فدية الأذى فإذا غطى المحرم رأسه أو لبس المخيط أو غطت المرأة وجهها أو لبست القفازين أو استعمال الطيب، فيخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاه. وإذا قتل الصيد خير بين ذبح مثله إن كان له مثل من النعم كما أمر الله عز وجل، ومثل ما قتل من النعم يحكم به ذوو عدل منكم. قال: وبين تقويم المثل بمحل الائتلاف فيشتري به طعامًا فيطعمه لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره -يعني من غير البر- أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا. هذه مجموعة مسائل تتعلق بمحظورات الإحرام. أولاً ذكر المحظورات على الرجل، فقال: يجتنب المحرم حلق الشعر، وهذا عام للرجل وللمرأة. وتقليم الأظافر كذلك للرجل وللمرأة. ولبس المخيط إن كان رجلاً، والمراد بالمخيط ليس ما فيه خياطة كما يظن بعض عامة الناس، ولكن المراد به ما يحلق بالجسد مثل الثوب والفنيلة، وكذلك الفوطة. وأما المعوز المفتوح فليس بمخيط، بل الثوب إذا لبسه على هيئة الإزار في الأسفل لم يكن في معنى المخيط. قد يضطر الإنسان للبسه إذا اضطر ولبسه ليس هو من المخيط، وإنما المراد بالمخيط ما يحلق بالجسد، فكل ما يحلق بالجسد يمنع منه الرجل حتى السراويل الداخلية لا يلبسها المحرم، بل يلبس إزارًا ورداءً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وشرط الإزار أن يكون مفتوحًا -يعني مشقوق- قطعة واحدة ليس محلقًا مثل الفوطة، لكن مفتوح مثل المعوز الذي السباعية يقولون: سباعية مثل هذا. أما المحلق فهو في معنى المخيط ولو لم يكن فيه خياطة منسوج نسجًا فهو مخيط لحديث بن عمر وغيره في نهي النبي صلى الله عليه وسلم المحرم أن يلبس القميص أو العمائم أو السراويل إلى آخر الحديث، والحديث في الصحيحين، وسيأتي إن شاء الله. وكذلك تغطية رأسه إن كان رجلاً بأي نوع من أنواع التغطية التي هي من اللباس: حمامة، قلنسوة، طاقية، أي نوع من أنواع اللباس يلبس على الرأس فلا يجوز. يدخل في معنى العمائم والقلانس والبرانس التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الطيب رجلاً أو امرأة، وهنا لما قال: رجلاً، معناها أن المرأة يجوز لها أن تلبس المخيط وتلبس كذلك ما يغطي الرأس، بل هذا يجب. ومن الطيب رجلاً أو امرأة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الذي وقصته ناقته -كما في حديث ابن عباس- أن يمسوه طيبًا، فالطيب لا يمسه المحرم، ولكن يجوز أن يبقى أثر الطيب إذا تطيب قبل الإحرام لحديث عائشة الذي تقدم معنا أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطيب قبل إحرامه، وهكذا كذلك عند أن رمى جمرة العقبة. وقوله: وكذلك يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول لما جاء من أدلة الكتاب والسنة في ذلك. والدلالة عليه كذلك للنهي النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي قتادة- حين سألهم: «هل دل عليه أحد منكم؟» قالوا: «لا». والإعانة عليه كذلك في حديث أبي قتادة وغيره من الأحاديث الأخرى. طيب نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. شكرًا.