كتاب الزكاة 1

كتاب الزكاة 1

الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الزكاة وأصناف الأموال

يشرح الشيخ عبد الله بن مرعي العدني كتاب الزكاة، ويتناول تعريف الزكاة وأصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة. الأصناف الأربعة التي تجب فيها الزكاة هي السائمة من بهيمة الأنعام، الخارج من الأرض، الأثمان، وعروض التجارة.

شروط وجوب الزكاة وتحليلها

يتناول المقطع شروط وجوب الزكاة، حيث يشير إلى أن الشرط الأول هو الإسلام والثاني هو الحرية. كما يتناول آراء الفقهاء حول وجوب الزكاة على العبيد والمكاتب، ويبين الحكمة من إيجاب الزكاة.

زكاة المال ووجوبها على الأغنياء وتفاصيله

يشرح المقطع زكاة المال ووجوبها على الأغنياء وليس الفقراء، ويستدل بآيات وأحاديث نبوية. كما يوضح أن المكاتب لا يجب عليه زكاة في المال الذي جمعه لسيده، وأن مانع الزكاة غير الجاحد ليس بكافر.

التفريغ النصي الكامل

يصرح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنبتدئ في هذه الليلة في القراءة والتعليق اليسير بما تيسر، وبما يناسب المقام فيما يتعلق بهذا الكتاب العظيم النافع الذي بين أيدينا. وقد قرأنا فيه دروسًا سابقة، ونقرأ في هذا المقام في هذه الليلة في كتاب الزكاة من كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي -رحمه الله تعالى-. وقد تقدم معنا في الدروس السابقة أن هذا الكتاب يعتبر من أنفس كتب الفقه، ومن كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في الفقه؛ لأنه انتقى ما اختصره من كتاب الإنصاف والشرح الكبير مع إضافة بعض التعليقات والنقولات عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وبعض تلامذته، كما مر معنا وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وتقدم معنا كذلك في الدروس السابقة أن هذا الكتاب يدلنا ويدلل لنا على ذلك من نفس الحديث، وكذلك التحرر المذهبي الذي كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلامذته، وهكذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وتلامذته. فمن نسبهم للحنابلة بمعنى التعصب المذهبي فقد أخطأ؛ فإن حقيقة مذهبهم هو أصول مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- مع ترجيح الراجح. بل ترى نفس شيخ الإسلام ابن تيمية في ترجيحاتهم وفي نقولاتهم. فإن شئت فقل: الشيخ الحقيقي لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وتلامذته هو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. فلذلك تجد أكثر الترجيحات هي ترجيحاته -رحمه الله- وترجيحات طلابه كالبعلي وابن مفلح وجماعة من خواص النقلين عن طلابه وطلاب طلابه في ترجيحاتهم -رحمهم الله تعالى-. ويظهر هذا جليًا في هذا الكتاب كما سيأتي معنا، ومر معنا في أبواب وكتب سابقة أن المؤلف -رحمه الله تعالى- ابتدأ هذا الكتاب بقوله: كتاب الزكاة. ومر معنا وتكرر أن الكتاب لغة: ما خط على القرطاس لحفظه. وفي اصطلاح أهل العلم: مجموعة متشابهة من العلم بمثابة الجنس، وتحته مجموعات أصغر منها بمثابة الأنواع والفروع والفصول، وهي الأبواب وما تحتها، كما ذكر ذلك العلماء. والزكاة لغة: بمعنى النماء والزيادة، وهي كاسمها تزكي صاحبها وتطهره. وهي في اصطلاح أهل العلم وفي الشرع -على الصحيح- وقد اختلف أهل العلم في تعريف الزكاة بتعريفات كثيرة متنوعة، وأقربها وأصوبها -والله تعالى أعلم- الذي تجتمع به أقوال أهل العلم وتدل عليه الأدلة: أنه التعبد لله بحق واجب في أموال مخصوصة بشروط وأوصاف معلومة بالشرع. التعبد لله بحق واجب في أموال مخصوصة بشروط وأوصاف معلومة بالشرع، وهو أحد أركان الإسلام العظام ومبانيه الكبار. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، وصوم رمضان». وفي رواية بتقديم وتأخير في الحج. فكتاب الزكاة معناه: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الزكاة. وستأتي معنا إن شاء الله أحكامًا كثيرة. لكن المؤلف -رحمه الله- كما ذكر في مقدمته وكما هو ظاهر عنوان كتابه: فكتابه مختصر. فإذن المؤلف -رحمه الله- ذكر مختصر المسائل مع بعض الاختيارات. فلا يستغني الطالب بهذا الكتاب عن غيره من كتب أهل العلم مما فيها مسائل الكتاب والأبواب؛ فيحتاج أن يجمع مع هذا الكتاب ما ذكره العلماء في هذا الباب ونظائره مما يكمل به مسائل الكتاب وأبوابه وفصوله وفروعه. فهذا الكتاب عبارة عن مختصر لأهم المسائل مع بعض الترجيحات كما سيمر معنا إن شاء الله تعالى، لا يستغني بها طالب العلم عن غيرها من كتب أهل العلم مما يكمل هذا المعنى. قال -رحمه الله تعالى-: «تجب الزكاة في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، والعروض». هذه أربعة: السائمة من بهيمة الأنعام واحد، والخارج من الأرض بشروطه كما سيأتي معنا إن شاء الله الثاني، والأثمان ثالث، والعروض -أي عروض التجارة- رابع. قال: «ولا تجب في غيرها». وقوله: «في غيرها» إشارة إلى أن هناك أشياء ذكرت وفيها خلاف كما سيأتي التنبيه على بعضها. قال: «لأن الأصل عدم الوجوب؛ لأن هذه الأربعة دلت الأدلة الصحيحة الصريحة على الوجوب فيها، وغير هذه الأربعة ليست فيها أدلة صحيحة صريحة» كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: «وهذا قول الأكثر» يعني من أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين المعروفين. قال: «وقال أبو حنيفة في الخيل زكاة» يعني خالف الجمهور. قال: «ولنا» قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» متفق عليه. والمعنى: أن الحديث يرد عليه؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر الفرس وأنه ليس فيه صدقة؛ فليس فيه زكاة. واستثنى العلماء من ذلك ما كان من باب عروض التجارة؛ فمن كان يتاجر في العبيد أو في الخيل فإنه تجب فيه الزكاة لا لكونه خيلًا، ولكن لكونه مالًا معروضًا للتجارة -على الصحيح-. وسيأتي معنى الكلام عليه إن شاء الله. قال: «وحديث جابر ضعيف» يعني في وجوب الزكاة في الخيل. «وعمر أخذ شيئًا تبرعوا به» يعني كونه روي عن عمر أنه قبل؛ فقبوله ليس دليلًا على وجوبه، ولكن الناس تصدقوا فقبل صدقاتهم. قال: «وكذلك رواه أحمد» يعني وكذلك رواه وهو مذهبه -رحمه الله- وهو الصحيح. وهكذا على الصحيح: ليس في العسل زكاة. وسيأتي معنى التنبيه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. وكل واحد من هذه الأصناف الأربعة سيأتي الكلام عليها إن شاء الله مفصلًا في الفصول الآتية إن شاء الله. قال -رحمه الله تعالى-: «ولا تجب إلا بشروط خمسة» يعني لا تجب هذه الزكاة إلا بشروط. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذه الشروط. وينبغي أن نعلم قبل الدخول في هذه التفاصيل أن لله حكمة في إيجاب هذه الزكاة -بل حكم-. فإن الرب العظيم الحكيم -سبحانه وتعالى- لم يفرض هذه الفرائض ولم يأمر بهذه الأركان والواجبات إلا لعلمه أن هذا مما يصلح به أمر الخلق. فهو -سبحانه وتعالى- غني عن أموالنا وعن صدقاتنا وزكواتنا، ولكنه -سبحانه وتعالى- لعلمه أن في هذا مصلحة للخلق أمرهم بما يصلح حالهم في أنفسهم وفي أسرهم ومجتمعاتهم. وهو القائل -جل وعلا-: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». فلما فضل الله -عز وجل- الناس بعضهم على بعض في الرزق كما قال -سبحانه-: «والله فضل بعضكم على بعض في الرزق»؛ كان من الحكمة الإلهية أن يجعل علاجًا لهذا التفاوت يتحقق به ذلكم التكافل في المجتمع المسلم، ويحصل به تحقيق العبودية لله -عز وجل- في تلك الأموال. فصارت هي عبادات مالية أولًا يتعبد بها العبد لله -عز وجل-. وهذا من أعظم حكم الزكاة. وثانيًا: أنها طهرة للمال وطهرة للقلب؛ يزيل الله -عز وجل- بها الشح والطمع والبخل كما قال الله -عز وجل-: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها». فالله غني عن أموالنا، ولكن -سبحانه وتعالى- أراد أن يطهر قلوبنا ويزكي أموالنا بهذه الزكاة. كما فيه التربية على الكرم والإحسان، وفيه إعانة للضعفاء والمحتاجين. ومن حكمه كذلك: تنمية الروح والعمل الجماعي الاجتماعي؛ فإن من تربى على إخراج الزكاة والإحسان إلى الضعفاء؛ خلق نفسه وسن سنة حسنة في المجتمع بتفقد المعوزين والمحتاجين والضعفاء. ولذلك تجد أن المؤمنين إذا كمل إيمانهم لا يقفون عند إخراج الزكاة؛ بل يتعدون ذلك بالصدقات وأنواع المواسات التي تربوا عليها بهذه العبادة التي أوجدت فيهم هذا الخلق. مع ما فيها كذلك من تكفير الخطايا ورفع البلايا وحصول الأمن في المجتمع؛ المجتمع الذي يواسي فيه الأغنياء الفقراء يحصل فيه تكافل عجيب؛ فيحصل بين الأغنياء والفقراء من علاقة الحب والوئام والتعاون ما تزول فيه الجرائم في المجتمع. ولذلك تجد المجتمع المسلم الذي يطبق هذه الشعيرة لا تكاد تجد فيه فقراء؛ لو أن الناس أدوا الزكاة على أكمل وجوهها فإنه لن يكون هناك معوز ولا محتاج. ولو قدر أنه وجد لا يزال الناس في آداب الإسلام يسيرون بانضباط وأمن واطمئنان؛ فيحصل بذلك الخير الكثير للمجتمع مع ما فيه كذلك من إغلاق باب العقوبة من الله. وقد صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن منع الزكاة سبب لمنع القطر من السماء والحصول القحط والبلاء بالسنين والشدة. والذي يدفع ذلك: أداء هذه الزكاة. فلذلك صار هو ركنًا من أرك، فإذن الشرط الأول من شروطها: الإسلام. وفي حديث معاذ الذي سيشير إليه: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه» والحديث في الصحيحين: «شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنهم أجابوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات، وبعد ذلك أمرهم بالزكاة التي تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، وحذرك من كرائم الأموال». فهذا الحديث يدل أن من شروط الزكاة: الإسلام. وقال الإمام النووي -رحمه الله- وغيره حين ذكروا هذا الحديث: أن هذا الحديث فيه أنه لا تكون المطالبة بالفرائض إلا بعد حصول الإسلام والدخول فيه. فالشرط الأول من شروط وجوب الزكاة: تحقق الإسلام. قال: «والثاني: الحرية». قال: «فلا تجب على الكافر لحديث معاذ: إنك تأتي قومًا... إلى آخره» يعني حديث معاذ في الصحيحين. وجاء معناه من حديث ابن عباس: «تأتي قومًا أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه» الحديث. قال: «ولا على عبد في قول الأكثر» يعني أن العبيد فيهم خلاف. وقد رويت فيه ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: لا تجب عليهم الزكاة. روي عن ابن عمر وعمر وجابر وجماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال أحمد ومالك وأبو عبيد وجماعة. والقول الثاني: أنه يجب على السيد لا على العبد؛ لأن مال العبد ملك للسيد. وهذا القول روي كذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الثوري والشافعي وأبو حنيفة وجماعة. والقول الثالث: تجب على العبد نفسه. وروي عن ابن عمر وأبي ثور وعطاء وجماعة. والصحيح في هذا التفصيل -جمعًا بين هذه الأقوال-: فالأصل أن العبد لا يملك وماله لسيده؛ فما كان بيد العبد من مال بلغ النصاب وهو لسيده؛ فمن الذي يزكي؟ السيد؛ لأنه هو المالك الحقيقي. ولو كان هذا المال في يد العبد؛ فإنما العبد مستأمن على هذا المال. وما كان من مال ملك السيد العبد فبلغ النصاب وتوفرت فيه شروط الزكاة كما سيأتي معنا؛ فالصحيح أن العبد يجب عليه أن يزكي هذا المال؛ لأن الزكاة حق في المال. وما كان جوابًا عن الزكاة في مال الصبي والمجنون فهو الجواب عن الزكاة في مال العبد؛ فكما أن الجمهور قالوا: الصبي والمجنون تجب الزكاة في أموالهما؛ لأن حق المال وحب المال. فكذلك يقال -على الصحيح- في مال العبد إذا امتلكه. هذا هو الصحيح. وأما المكاتب: فقد روي حديث: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» رواه الدارقطني وغيره عن جابر، ولكنه ضعيف. ولكن رويت فيه آثار كثيرة عن الصحابة، وعمومات الأدلة تدل عليه. فمال المكاتب يشبه مال من عليه دين؛ مال من عليه دين. ومن عليه دين: غني أم فقير؟ الصحيح أنه ليس من الأغنياء. والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قال: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وهذا المال الذي يملكه المكاتب حقيقة هو يجمعه؛ ليس يملكه، يجمعه لمن؟ لسيده؛ لأجل أن يعتق به؛ فالمال ملك لمن؟ للسيد. فحقيقته مثل مال من يجمع المال ليسدد للغرماء؛ فهذا -ولو كان في يده المال- أعده العلماء باتفاق أنه يعد فقيرًا وليس غنيًا؛ لأن المال حقيقة ماذا؟ للغرماء؛ فهو ليس من الأغنياء. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة: أن المكاتب لا يجب عليه في المال الذي هو في الكتابة زكاة؛ لأن المال ليس له، إنما يجمعه لسيده. والحديث الضعيف معناه صحيح؛ الحديث الضعيف الذي روي عن جابر معناه صحيح؛ لأنه فيه العلة التي دلت الأدلة على عدم وجوب الزكاة في مثلها. والله -عز وجل- لما فرض الزكاة بأدلة الكتاب والسنة فرضها على الأغنياء كما قال الله -عز وجل- في آية سورة التوبة: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشروهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون». وجاء معناه في حديث أبي هريرة في الصحيح -مسلم- وغيره: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته» -يعني بلغ النصاب- «إلا أحمي عليه في نار جهنم؛ فتجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجنباه وجنبه حتى يحكم الله بين العباد في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ ثم يرى سبيله» -ثم ذكر صاحب الإبل- «لا يؤدي زكاتها إلا بطحة بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن» -يعني هذه الإبل كأفضل ما كانت في حياتها سمينة قوية كبيرة- «كل ما مضى عليه آخرها ردت عليه أولها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ ثم ذكر صاحب الغنم وتنطحه» إلى آخره. وفي هذا دليل كذلك على وجوب الزكاة على الأغنياء لا على من هو دون الأغنياء. ولا شك أن هؤلاء المذكورين ليسوا من الأغنياء؛ ليسوا من الأغنياء. ونستدل بهذا الحديث كذلك أن مانع الزكاة -غير الجاحد- الراجح أنه ليس بكافر؛ ويقاتل على منع الزكاة. والدليل هو هذا الحديث؛ لأنه قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». وهكذا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: حديث ابن عمر «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» الحديث. وفعل الصحابة يدل عليه. وما روي عن أحمد وغيره من الصحابة والتابعين يحمل على هذا التفصيل -على الصحيح-. والصحيح أن أهل الردة كانوا أصنافًا؛ فمنهم من جحد وجوبها وهؤلاء هم الكفار المرتدون. ومنهم من لم يجحد وجوبها ولكنه بخل؛ وهؤلاء يقاتلون. وعليه يفسر قول أبي بكر: «لو قاتلني من فرق بين الصلاة والزكاة». وهذا هو الصحيح -أي التفصيل في هذه المسألة- التفصيل في هذه المسألة. وفيه دليل كذلك هذه الأدلة على أنه يمنع وجوب الزكاة وجوب الدين؛ وجوب الدين في المال. فإن كان الدين ينقص نصاب الزكاة فإنه يمنع من الزكاة؛ لأنه ليس من الأغنياء. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث معاذ المتقدم في الصحيحين: «تؤخذ من أغنيائهم فترد لفقرائهم». وكذلك فيه دليل أنه حق المال؛ فلو مات الإنسان قبل أداء الزكاة وجبت في ماله؛ وجبت في ماله أن يقضيه ورثته. وهو أهم وأشد من دين الآدميين. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ومعناه جاء عن جماعة من الصحابة: «دين الله أحق أن يقضى». وفي رواية: «أحق بالوفاء» أحق بالوفاء. فإذن يكون الحكم كذلك -والله أعلم-. وهكذا كذلك نفهم من هذه الأدلة أنه ليس في حصة المضارب قبل القسمة زكاة؛ لأن المضارب لا يزال ينتظر ما يخرج له؛ فهو لا يدري هل له ربح أم خسارة؟ بخلاف الشركاء؛ الشركاء مالهم واحد؛ فتجب عليهم الزكاة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي معنا: «لا يفرق بين مجتمع» -يعني ولا يجمع بين متفرق-. فالمال المجتمع ما دام أن نظائره فيه الزكاة تجب فيه الزكاة. بخلاف المضارب الذي ينتظر؛ فهذا أمره يختلف. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي لدرس لاحق إن شاء الله تعالى. طيب ننظر ما تيسر من الأسئلة: يقول: ذكرتم في درس سابق أن النذر مكروه. فكيف بالآية: «يوفون بالنذر»؟ الوفاء بالنذر من الواجب؛ لأن النذر إلزام النفس؛ فالوفاء بما ألزم المرء وعاهد الله فيه هذا من الطاعات والقربات. لكن ابتداؤه مكروه؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة عن النذر؛ فقد نهى عن النذر في عدة أحاديث. فنفرق بين ابتداء النذر وبين الوفاء بالنذر؛ الوفاء بالنذر عبادة وقربة وواجب. نعم، فهناك فرق بين الأمرين؛ فدقق في هذا يزول الإشكال. يقول: هل البنت التي لها من العمر سبع سنوات يجوز لأبيها أن يخرجها معه للمقبرة؟ لا ينبغي أن يخرج الأطفال إلى المقابر؛ والبنت من باب أولى؛ والبنت من باب أولى؛ لأن هذا أولًا ليس فيه مصلحة؛ فقد تترتب عليه مفسدة. والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. يقول: رجل دفع عربونًا لمستأجر كي يرفع قدمه؛ ثم بدا له عدم الاستئجار؛ فهل له الرجوع للعربون؟ اختلف أهل العلم في مسألة العربون؛ والصواب أنه يرجع في هذا إلى العرف؛ يرجع في هذا إلى العرف. فمثل هذه القضايا يحتكم فيه إلى الجهات المختصة عند النزاع -والله تعالى أعلم-. يقول: كيفية زكاة الديون؟ سيأتي الكلام عليها إن شاء الله في موضعه. يقول: مات رجل ولديه سيارة قيمتها خمسون ألفًا؛ ولديه أولاد صغار؛ تركوا السيارة حتى يكبر الأولاد؛ فهل في هذه السيارة الزكاة؟ السيارة من المركوب -على الصحيح- والمركوب ليس فيه زكاة؛ المركوب ليس فيه زكاة. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس على الرجل في عبده وفرسه صدقة» كما تقدم معنا. والمركوب -ولو كان ماله كثير- على الصحيح أنه ليس فيه زكاة. طيب نقف عند هذا الحد إلى هنا -والله تعالى أعلم-. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.